خطبة عن ( شهر رجب ، والأشهر الحرم )
3 مارس، 2019
خطبة عن قوله تعالى ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)
9 مارس، 2019
جميع الخطب

خطبة عن ( إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي )

  الخطبة الأولى ( إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 أما بعد  أيها المسلمون 

روى البخاري في صحيحه : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – يَقُولُ :

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ :

« إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي .

فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ » .

وفي رواية لمسلم : (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :

« لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِى ».

إخوة الإسلام

موعدنا اليوم إن شاء الله مع هذا الحديث القدسي ، والذي يحمل البشرى لكل مؤمن ، والطمأنينة لكل من أسرف على نفسه ، وتاب إلى ربه ، وندم على ذنبه ،

ففي قوله تعالى في الحديث القدسي :

 (إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ) ، أو (إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِى )

فهذا فضل عظيم من الله ، أن يجعل رحمته لعباده مكتوبة عليه، كتبها هو على نفسه، وجعلها عهدًا منه لعباده ، كما أن إخباره لعباده بما كتبه على نفسه من رحمته والعناية بإبلاغهم بهذه الحقيقة وعلمهم بها، هي تفضل آخر من الله عز وجل ،حيث تبعث الاطمئنان في كل ما يمر بالمؤمن من ابتلاءات ،بأنها ليس تخليًا من الله عز وجل عنه ،أو طرده جل شأنه من رحمتـه ،وإنما تخفى وراءها الخير كله للمؤمن ، كما أنها تضفي الثقة في أن كل زلة للمسلم سيغفرها الله إن شاء برحمته ،فلا ييأس أو يقنط من ذنوبه ،بل يجدد توبته ، ويزيد من استغفاره ، ليعود إلى سالف عهده .

ويقول الإمام المناوي : (إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ) ، أو (إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِى )

” أي غلبت آثار رحمتي على آثار غضبي، والمراد بيان سعة الرحمة وشمولها ووصولها للخلائق قبل الغضب؛

فهو إشارة إلى مزيد العناية بعبيده والإنعام عليهم بغايات الفضل ونهاية الرفق والمسامحة)،

 

 فرحمة الله تعالى قد سبقت غضبه – هكذا كتب الله تعالى على نفسه – ويتضح هذا من آي الذكر الحكيم وأحاديث خاتم النبيين ، ففي القرآن الكريم :

قوله تبارك وتعالى :  (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا) الكهف 58 .

وقال عز من قائل :  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر 53 .

 وقال الله تعالى:  (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النور 14.

وقال الله تعالى :  (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور (21)   .

وقوله تعالى :  (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان 70 .

ومما جاء في بيان سعة رحمة الله في السنة النبوية المطهرة :

ما جاء في الصحيحين : (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ – رضى الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ :

« كَانَ فِي بَنِى إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ ، فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لاَ . فَقَتَلَهُ ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا . فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي . وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي . وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا . فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبُ بِشِبْرٍ ، فَغُفِرَ لَهُ »

وفي حديث الشفاعة كما في صحيح مسلم :  « فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَفَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهْرُ الْحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ أَلاَ تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ ». فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ قَالَ « فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ثُمَّ يَقُولُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ.

فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُ رِضَايَ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ».

 

أيها المسلمون

ولبيان مقدار الرحمة التي كتبها الله على نفسه، فلنعلم أن جميع أشكال وصور الرحمة التي تعيش في كنفها جميع المخلوقات منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا وستستمر إلى يوم القيامة ، ما هي إلا جزء واحد فقط من مائه جزء، ففي الصحيحين واللفظ للبخاري :

(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ :

« جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ »

وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :

« إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ » رواه مسلم .

 

ورحمة الله سبحانه وتعالى بجميع خلقه أوسع وأشمل وأكبر من أن تحدد أو يحصيها عدد ولا نهاية لها ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتعدادها،

قال الله تعالى : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (156) ، (157) الأعراف

 

فرحمة الله تفيض على عباده جميعًا ،وتسعهم جميعًا ،وبها يقوم وجودهم ، وتقوم حياتهم ، وهي تتجلى في كل لحظة من اللحظات .

والرحمة من مقاصد بعثة الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون رحمة للعالمين، فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِيْنَ) الأنبياء 107

وفي سنن الدارمي : (  عَنْ أَبِى صَالِحٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُنَادِيهِمْ :

« يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ».

كما وصفه ربه بالرحمة، وقد كانت هذه الصفة هي المهيمنة على سلوكه فقال جل شأنه في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم :

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عزِيْزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَؤُوْفٌ رَّحِيْمٌ) التوبة 128،

وبين سبحانه أنه بسبب رحمته بأصحابه استجابوا له وأطاعوه؛ فقال الله تعالى:

(فَبـِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران 159

أيها المسلمون

 

ومِن معاني : (إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ) ، أن غضبه سبحانه لا يَسَعُ كلَّ شيء، بخلاف رحمته التي وسِعَت كل شيء، قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]،

فثبَت أنه تعالى رب العالَمين، ومُحسِن إلى الخلائق أجمعين، أما غضبه فهو خاصٌّ بمَن شاء من العاصين والمذنبين، وقد يعفو عن العاصي ولا ينتقم منه، وهذا العفو عن الذنب والعصيان كثيرٌ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]،

ومَن مِن الخلائق لم يرحَمْه الله تعالى قط، ولم تَسَعْه رحمته؟! ومَن منَّا أذنب فلم يَستُرْه الله تعالى، بل مَن منا مَن لم يُغدق عليه مِن نعمه لعله يتوب، وإلى ربه يؤوب!

وفي سبق الرحمة – بيانَ أن قسط الخلق ها هنا أكثر مِن قسطهم من الغضب، وأنها تنالُهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالُهم إلا باستحقاق،

وألا ترى أنها تشمل الإنسان جنينًا ،ورضيعًا ،وفطيمًا ،وناشئًا، مِن غير أن يصدر منه طاعة استوجب بها ذلك، ولا يلحقه الغضب ، إلا بما يصدر عنه من المخالفات، قال الله تعالى :

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود: 118، 119]،

 فلله الحمد على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقها

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية ( إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ )

فوضع هذا الكتاب عنده فوق عرشه، فلا يخفى ما في هذا الوضع من إجلالٍ وتعظيم وتكريم للكتاب.، ويدل على أنه لا يمكن لأحدٍ الاطلاعُ على تفاصيل ما في هذا الكتاب المكتوب عند الله تعالى فوق عرشه.

قال الطيبي رحمه الله تعالى :

( والمعنى أنه مكتوب عن سائر الخلائق، مرفوعٌ عن حيز الإدراك،

وقيل: معناه أنه مثبت في علمه سبحانه، وأما اللوح المحفوظ، فقد يطَّلِع على بعضِ معلوماته مَن أراد الله من ملائكته وأنبيائه وخُلَّص أوليائه

وهذا الكتاب الموضوعَ عنده فوق عرشه لا يَعْتريه نسخٌ ولا تبديل ولا تغيير؛ لأن الله تعالى إذا كتب شيئًا على نفسه، فإنه لا ينسخه ولا يُبدِّله ولا يُغيِّره؛ قال تعالى:

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 54]،

أما غيره، فقد يُغيِّره الله تعالى ويمحو منه ما يشاء ويُثبِت، قال تعالى:

﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 39].

أيها المسلمون

والسؤال : هل يمكن أن نبني على تلك الرحمة الإلهية المجزوم بها ترك العمل؟

فالحقيقة أن الرجاء في الله يجب إن يكون مع الاجتهاد في الأعمال؛ لأن من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه ، وأما الرجاء بلا عمل والإقدام على المعاصي فليس برجاء بل أمنيةٌ واغترارٌ مذمومٌ بقوله تعالى : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [الأعراف: 169]؛

كما قال الكرخي: رجاء الجنة بلا عمل ذنبٌ من الذنوب، ورجاء الشفاعة بلا سبب نوعٌ من الغرور، ورجاء رحمة من لا يطاع جهلٌ وحمقٌ،

وقالوا: الرجاء مع الإصرار كطلب النار من الجمر كما في سنن الترمذي :

(عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ »

وقال الحسن: إن قومًا الهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بلا حسنة باعتقاد حسن الظن وهو كاذبٌ فيه؛ فلو كان صادقًا لأحسن العمل، وتلا قوله تعالى:

{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [فصلت: 23]،

 وكتب أبو عمر إلى بعض إخوانه: أما بعد :

فإنك قد أصبحت تأمل بطول عمرك، وتتمنى على الله تعالى الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا. (شرح النووي على مسلم).

  الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ