خطبة عن ( من أهداف الحج ومقاصده وغاياته )
28 يوليو، 2018
خطبة عن ( في الحج وحدة وتوحيد )
28 يوليو، 2018
جميع الخطب

خطبة عن ( الحج: حقائق وأسرار ومعاني )

  الخطبة الأولى ( الحج: حقائق وأسرار ومعاني

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (197): ( 200)  البقرة

إخوة الإسلام

للحج معانٍ كبيرة ، وحِكَمٌ عظيمة . ومِن معاني الحج :

 أنك إذا ذهبت إلى الديار المقدَّسة خلعت عنك كل الأقنعة المُزَيَّفَة . فالناس هناك سواسيةٌ كأسنان المشط ، لا فرق بين غنيّهم وفقيرهم ، ولا بين قويِّهم وضعيفهم ، ولا بين صحيحهم ومريضهم ، كلهم على صعيدٍ واحد ، كلهم يرتدي ثياباً موحَّدة ، غير مخيطة ، ليعرف الإنسان مصيره ، ويعرف الإنسان ضعفه ، ولتزول عنه هذه الحُجُب التي تحجب عنه الحقائق ،

 ومن هذه المعاني العظيمة ما يتعلق بالطواف بالبيت الحرام، حيث يتذكر المسلم عظمة الله عز وجل، لأن هذا البيت هو بيت الله في الأرض، وقد بنته الملائكة، وهو أول بيت وضع للناس كما ورد في قوله عز وجل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران 96-97].

وعندما ينظر المسلم إلى هذا البيت ويرى كيف يطوف الناس حوله، مع أنه حجارة صماء لا تضر ولا تنفع، يتذكّر كيف تطوف ملائكة السماء بالبيت المعمور وتطوف بالعرش، فيستشعر المسلم عظمة الخالق جلّ جلاله، ويستشعر معنى الطاعة والانقياد له سبحانه ويتذكر كيف أن الملائكة العظيمة تهلّل وتسبح بحمده سبحانه ليل نهار لا تفتر أبداً، وهي تطوف بالعرش الكريم!!..

وقد شرع الإسلام للطائفِ حول الكعبة استلام الحجر الأسود وتقبيله؛ ذلك أن هذا الحجر رمز لتوحيد المسلمين. وورد في الأحاديث النبوية أن الحجر الأسود نزَل من الجنة، وكان أشدَّ بياضًا من اللبنِ فسوَّدتْه خطايا بني آدم. ففي سنن الترمذي بسند صحيح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

« نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِى آدَمَ ».

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْحَجَرِ

« وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ » رواه الترمذي وقال: حديث حسن،

واستلامه بحق: أن يعلَمَ أنه حجرٌ لا يضر ولا ينفَعُ، ولكنه يفعَلُ ذلك تقربًا إلى الله واقتداءً برسول الله – صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح البخاري (عَنْ عُمَرَ – رضى الله عنه – أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ ، فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ ، وَلَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)

وورد في الأحاديث النبوية أيضًا أن الحجَر الأسود يمينُ الله – عز وجل – في الأرض، يصافح بها خَلْقه، وأنه شافع ويشهَدُ لِمَن استَلَمه.

ومن المعاني العظيمة في الطواف اجتماع قلوب المسلمين من كل لون وجنس على هذا النسك في دائرة واحدة، في مكان واحد يردّدون نفس الكلمات والمعاني؛ في تمجيد الله عز وجل، وهذا مدعاةٌ لتذكّر معنى وحدة الأمة رغم كلّ دعوات الفرقة والتفريق التي تصيبها.

ومن معاني الطواف أيضاً تذكّر معنى الذنوب، وما تفعله في القلوب وذلك عندما ينظر إلى الحجر الأسود (الأسعد) ويتذكّر قصة هذا الحجر وكيف سوَّدته ذنوب العبادْ بعد أن نزل من الجنة أبيض من اللبن الصافي،  فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (رواه الترمذي)  

ويتذكر أيضاً أن الذنوب تسوّد قلب الإنسان كما سودت الحجر الأسود؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ، (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » (أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح).

ومن معاني الطواف كذلك النظر إلى المسلمين وقد تجرّدوا من كل شيء من زينة الدنيا، وصاروا بلونٍ واحدٍ، وبلباسٍ واحدٍ هو لباس الإحرام، لا فرق بين عجمي أو عربي ولا بين فقير أو غني.. الجميع حالهم واحدٌ في ظلّ رحمة الله تعالى وعبادته!!..

أما السعي بين الصفا والمروة فإن فيه معاني عظيمة وذلك بتذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع زوجته هاجر وولده إسماعيل، وكيف أحضرهما إلى هذه البقعة الخالية من أي أثرٍ للحياة؛ وذلك امتثالاً لأمر ربه عز وجلّ!، وكيف أن هاجر عليها السلام قد اطمأنت إلى أمر الله وذلك عندما أراد إبراهيم الرجوع وقد وضع معهما قليلاً من الزاد والماء، فقالت:

إلى أين يا إبراهيم؟ قال: إني عائد يا هاجر!!، فقالت وإلى من تتركنا في هذه البقعة القفراء يا إبراهيم؟؟!، قال: إن الله معكما يحفظكما ويرعاكما، وهو خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين ، وهو أرحم بكما مني!! قالت: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟! قال: نعم،

قالت: إذن لن يضيعنا الله. اذهب يا إبراهيم في رعاية الله وحفظه!..

أما المعنى الثاني في هذا المسعى فهو: شفقة الأمّ على ولدها، وسعيها بين الصفا والمروة لإنقاذ طفلها من الهلاك، وهذا فيه تذكيرٌ بحقيقة شفقة الأم على ولدها، وتعلق قلبها به، ومدعاة لتذكّر معنى البرّ لهذه الأم التي تضحي من أجل إنقاذ ابنها،

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟

قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (رواه مسلم)…

وقال عليه الصلاة والسلام: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

  الخطبة الثانية ( الحج حقائق ومعاني

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

أما المعنى الثالث من معاني السعي بين الصفا والمروة : فهو رحمة الله عز وجل بالناس في تفجير الماء من بين قدمي إسماعيل عليه السلام، وإنقاذ حياته وحياة أمه في معيّته!… واليسر بعد العسر والفرج بعد الضيق ، ومن توكل على الله حفظه وكفاه ، ومن كان مع الله كان الله معه مؤيدا وحافظا ومعينا ،

فماذا كان سيحصل لهاجر ولإسماعيل لو لم يفجّر الله عز وجل الماء من هذه البقعة القفراء؟!

وفي هذا أيضاً تذكّر لمعنى الرحمة الإلهية بهذا الولد الصغير؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم):

أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (رواه مسلم).

أما الوقوف بعرفة فإن فيه معاني عظيمة أيضاً تتمثل أولاً في تذكّر معاني المحشر والمنشر حين يقف الناس في صعيد واحد بين يديه سبحانه ينتظرون الحساب، ويتذكر المسلم أيضاً معاني الوحدة لهذه الأمة، فالأصل أن يختلط المسلمون جميعاً عرباً وعجماً ليعرفوا أنهم أمة واحدة من دون الناس، ويسمعوا همومهم وقضاياهم والمخاطر التي تحيط بهم كأمة واحدة، ويتشاوروا في كيفية حلّ هذه القضايا..

ومن المناسك أيضاً رمي الجمار في ثلاثة مواضع: العقبة الصغرى، والوسطى، والكبرى، وأن لهذا النسك دلالات ومعاني عظيمة في إعلان الحرب على الشيطان بعد أن أدى المسلم أغلب مناسك الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة ومزدلفة؛ وأول هذه المعاني هو: عصيان الشيطان، وإعلان الحرب عليه وعلى أتباعه وأشياعه من بني البشر، مستعيناً بالله عز وجل، حيث يقول المسلم عند كل جمرة يرميها: بسم الله؛ أي أستعين بالله عزّ وجل في هذه الحرب ومعصية الشيطان، والله أكبر ؛ أي أكبر منك أيها الشيطان، وقادر عليك وعلى أشياعك وأتباعك من الإنس والجن!!..

وأثناء هذا العمل العظيم يتذكر المسلم تضحية إبراهيم عليه السلام بفلذة كبده إسماعيل عندما أخذه ليذبحه في هذا المكان، وكيف تصدّى له الشيطان، وحاول صدّه عن هذه الطاعة الكبرى، فتصدّى إبراهيم له بالحجارة يرجمه في كل مرة عند موضع الجمرات الثلاث، وبعد ذلك أنعم الله عزّ وجل على ذريته من بعده، وعلى البشرية جميعاً بالفداء العظيم بدل إسماعيل عليه السلام ، وظلت هذه السنّة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي شعيرة الأضحية والنحر في يوم العيد (عيد الأضحى).

   الدعاء

 

 

 

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ