خطبة عن حديث ( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )
7 أبريل، 2018
خطبة عن حديث (وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُور )
7 أبريل، 2018
جميع الخطب

خطبة عن ( قصة بقرة بني إسرائيل دروس وعبر)

 الخطبة الأولى ( قصة بقرة بني إسرائيل دروس وعبر) 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان ..ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام  .. وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وكشف الله به الغمة .. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

  أما بعد    أيها المسلمون

 

يقول الله تعالى في كتابه العزيز : (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الاعراف 176،

فالهدف والمقصود من القصص القرآني ، هو التفكر والاعتبار والتدبر ، واستخلاص الدروس والعبر من أخبار السابقين، والاستفادة من نجاحات الآخرين أو اخفاقاتهم

 

واليوم إن شاء الله موعدنا مع: (قصة بقرة بني إسرائيل ) ،فقد مكث نبي الله  موسى عليه السلام في قومه من بني إسرائيل يدعوهم إلى الله، ولكن يبدو أن نفوسهم كانت ملتوية بشكل لا تخطئه عين الملاحظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة.

يقول الله تعالى :

( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة (67): (73)

 

وقد جاء في أسباب النزول : قال ابن عباس وغير واحد من السلف : كان رجل في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخًا كبيرًا وله بنو أخ، وكانوا يتمنون موته ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله في الليل، وطرحه في مجمع الطرق، ويقال: على باب رجل منهم، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم، فقالوا: ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله موسى ،فجاء ابن أخيه، فشكى أمر عمه إلى رسول الله موسى عليه السلام، فقال موسى عليه السلام: أنشد الله رجلًا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به، فلم يكن عند أحد منهم علم منه، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه عز وجل، فسأل ربه عز وجل في ذلك، فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة، فقال الله تعالى :

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ، أي قالوا نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول هذا؟، فكان جوابه عليهم :

{ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } أي: أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي، وهذا هو الذي أجابني به حين سألته عما سألتموني عنه ، ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل ، ولا بد أن يعاني من يتصدى لأمر من أمور بني إسرائيل، وهكذا يعاني موسى من إيذائهم له واتهامه بالسخرية منهم، ثم ينبئهم أنه جاد فيما يحدثهم به، ويعاود أمره أن يذبحوا بقرة، فلما أيقنوا ذلك : (  قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ )،

ومن الملاحظ أن في قولهم: ( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) [البقرة:68]، فكأنهم يقولون:

ربك أنت وليس بربنا نحن، وهذا يدل على سوء أدبهم مع الله تعالى ورسوله، ويكشف عن طبيعتهم، ويبين الفرق بينهم وبين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في الأدب مع الله، فصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].

قال ابن عباس، وغير واحد: فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم ، فطبيعة اليهود التلكؤ والمماطلة والجدال جعلتهم يسألونه عن صفات هذه البقرة ، فكانت اجابته وحيا من عند ربه :

(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) البقرة (68) ، (لا فارض) : أي: غير مسنة انقطعت ولادتها،  (وَلَا بِكْرٌ)  أي لم تلد بالمرة، وإنما المراد أنها متوسطة العمر ، ولدت قليلاً ،ولم تلد كثيرًا، (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ) يعني: سنها لا هو صغير ، ولا هو كبير ،

وكونهم بحثوا هكذا في صفاتها ، فهذا تكلف منهم، وكان ينبغي لهم أن يتنزهوا عنه، وأن يمتثلوا الأمر بذبح البقرة، ولو كانت هناك صفة معينة فيها، لذكرها الله لهم على لسان نبيه، ومع ذلك فما زالوا في لجاجتهم وتشددهم ، وفي قوله تعالى ( فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) [البقرة: 68]، تأكيد منه عليهم بالفعل ،لأنه يعلم حالهم، فأكد عليهم الفعل، وكأنه يقول لهم : اذبحوها الآن على هذه الصفة ، ولا تكرروا السؤال ، ولكنهم مع ذلك قالوا لنبيهم  :

( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) البقرة (69)

ومن الملاحظ أن اللون الأصفر الفاقع في البقر هو لون نادرـ ولكن لما شددوا ،شدد الله عليهم، ولعل أهلها لا يبيعونها إلا بثمن مرتفع، والفقوع: هو أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه، والمعنى: أنها بقرة شديدة الصفرة نقية، ولونها أصفر جميل براق فتعجب الناظرون إليها ،

وبعد هذا البيان للونها وصفاتها ، فهل نفذوا ؟ وهل سارعوا إلى ذبحها؟

الجواب: لا، بل إنهم عمدوا إلى سؤال ثالث في مشوارهم من المماطلة، والتلكؤ، والتباطؤ عن تنفيذ أوامر الله، فقد كان الإبهام في العمر، ثم صار الإبهام في اللون والآن يقولون:               ما عمل هذه البقرة، وما هي صفاتها في السقيا والحرث ؟ ، قال الله تعالى :

(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا) البقرة 70 ، 71،

والمعنى : أن هذه البقرة التي أمرتم بذبحها هي بقرة  ليست بذلول تثير الأرض،  وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ ، فلا يستقى عليها الماء لسقي الزرع، ولا يحمل عليها الماء، وإنما هي بقرة مُسَلَّمَةٌ ، سالمة وخالية من العيوب، وهي بقرة عند أهلها للنظر والاستمتاع، وليست للعمل والكد،  وإنما هي  مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ،فلا عيب فيها ،

فلما سمعوا هذه الأوصاف، لم يبق متسع لمزيد من التساؤلات، فإنهم قد عرفوا العمر، واللون، والعمل، فماذا بقي؟

لقد كان الأمر يسيرًا فعسروه، وكان واسعًا فضيقوه، وفي النهاية ذبحوها، قال تعالى :

(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة: 71].

وقيل: أنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارًا بأبيه، فطلبوها منه فأبى عليهم، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه (فيما ذكر السدي) بوزنها ذهبا، فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات، فباعها لهم ، وبعدما انتهت قضية شروط البقرة وذبح البقرة أعلمنا الله لماذا أمروا بذبحها، وهذا تشويق في القصة، وجذب للانتباه أنه أتى بالسبب ثم أتى بالقضية الأصلية، 

(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة: 72].

 

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم 

 

 الخطبة الثانية ( قصة بقرة بني إسرائيل دروس وعبر) 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان ..ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام  .. وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وكشف الله به الغمة .. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

  أما بعد    أيها المسلمون

 

في قصة بقرة بني إسرائيل قُتل شخص، وتنازع فيه الناس، فأراد الله أن يكشف الحقيقة، فأمرهم بذبح البقرة ليضربوه ببعضها، فيحيا القتيل، فيخبر عن قاتله، ومعنى قوله تعالى:  (فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) [البقرة: 72] ، أي : تدافعتم خصاما واتهاما، وكل واحد يدرأ عن نفسه التهمة، ويلقيها على الآخرين ، ويدعي براءة نفسه، ويتهم غيره، والله -تعالى- يريد بيان وفضح سر القاتل والعارفين به، ولذلك قال الله تعالى : (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) [البقرة: 71]، لأنكم تريد التغطية على القاتل، والإيقاع بقوم أبرياء، وتتهمون بالقتل لإخفاء القاتل الحقيقي، والله لا يخفى عليه مكركم، (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: 72-73]،  

فلما ضربوه ببعضها أحياه الله سبحانه بقدرته، فقام القتيل حيا بإذن الله، وكان في ضربه ببعض البقرة المذبوحة حكمة بالغة في تقديم دليل واضح على بعث الله للناس بعد الموت، فالله سبحانه قد بعث لكم واحدًا من الأموات، فهو سبحانه قادر على أن يبعث الأموات كلهم إذا ماتوا، 

(كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) [البقرة: 73]

فمثلما أحيا الله هذا الشخص المقتول،  (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) [البقرة: 73]، أي علاماته الدالة على كمال قدرته ، وأنه قادر على أن يبعث الناس يوم القيامة ، ويحاسبهم على أعمالهم .

أيها المسلمون

وقد تضمنت هذه القصة الكثير والعديد من الفوائد الإيمانية ، والتوجيهات التربوية، ومنها :

– بيان قدرة الله سبحانه التي لا تحدها قدرة، فهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير، وهذا واضح في هذه القصة غاية الوضوح؛ وذلك أنه سبحانه أحيا القتيل بعد موته، وأنطقه بالحق المبين.

– أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطأ والزلل، ومنزهون عن الصفات الذميمة.

– أن السؤال فيما لا يفيد في قليل ولا كثير، ولا يغني من الحق شيئاً لا خير فيه، بل قد يترتب عليه من النتائج ما لا يحمد عقباه.

– أن الحق مهما طال طمسه لا بد أن يظهر ويعلو في النهاية، وأن الباطل مهما طال انتفاشه لا بد أن يُدحر ويُهزم في النهاية.

– وهذه القصة توضح بجلاء تنطع بني إسرائيل، وتشددهم في الأحكام، وكيف أن الله شدد عليهم، وقد كره الله لنا – نحن المسلمين – كثرة السؤال فيما لا نفع فيه ولا فائدة .

  الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ