خطبة عن قوله تعالى ( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ )
22 يونيو، 2019
خطبة عن من دعاء النبي ( أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا)
29 يونيو، 2019
جميع الخطب

خطبة عن قوله تعالى ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ )

  الخطبة الأولى ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين   

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

 (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (23 ) الحجر

أيها المسلمون

القرآن الكريم : هو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ،والصراط المستقيم ،من عمل به أجر، ومن حكم به عدل ،ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم .

وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه

القرآن الكريم: أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزغ عنها إلا هالك

وموعدنا اليوم إن شاء الله مع آية من كتاب الله ، نتلوها ، ونتفهم معانيها ، ونسبح في بحار مراميها ، ونعمل إن شاء الله بما جاء فيها ، مع قوله تعالى :

 (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (23) الحجر

فقد جاء في تفسير ابن كثير : (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ  ) قال : 

هذا إخبار من الله عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته ، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع .

وأخبر أنه – تعالى – يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون .

وفي التفسير الميسر : وإنَّا لنحن نحيي مَن كان ميتًا بخلقه من العدم، ونميت من كان حيًا بعد انقضاء أجله، ونحن الوارثون الأرض ومَن عليها.

وفي الوسيط لطنطاوي : أي : وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة في المخلوقات ، والقادرون على سلبها عنها ، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه ، الباقون بعد زواله .

 أيها المسلمون

فالله يرث الأرض ومن عليها ، ويعلم ما في باطنها ، من رفات الجبابرة والملوك والأكاسرة وسيجمع الله كل هذا في يوم معلوم ، ليحاسب الجميع ، فيجازي ويمنح ويعاقب .

فالموت مرحلةٌ يمرُّ بها الإنسان، ومنزلة يَرِدُها، وحقيقة لا يتخطَّاها، وكأس يتجرَّعها، ومنهلاً يسقى منه،

وللموت حكم كثيرة؛ ومنها:

أولا :  في الموت يتجلَّى كمال قدرة الله الخالصة – سبحانه – وعظيم حكمته في تصريف أطوار الخلق؛ فهو الذي أنشأ هذا الإنسان من عدم، ثم أوجده طورًا بعد طور، وخلقًا بعد خلق؛ حتى صار بشرًا سويًّا يسمع ويبصر ويعقل، ويتكلم ويتحرك، ويسالم ويخاصم، ويتزاوج ويتناسل، ويعيش على أرض الله، وينال من رزق الله،

ثم بعد ذلك كله يُمِيته الله – تعالى – فلا يأكل ولا يشرب، ولا يسمع ولا يبصر، ولا يعقل ولا يتحرَّك، فيزول بعد بقاء، ويفنَى بعد وجود، وكل ذلك بتصريف الله وقدرته، وبالغ حكمته في خلق الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، قال الله تعالى -:

﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الواقعة: 86، 87].

ثانيا : أن الله تعالى خلق الموت والحياة ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم؛ ليعلم مَن يطيعه ممَّن يعصيه، قال الله تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2].

ثالثا : بالموت تصلُ النفس إلى اليقين، وتتعرَّف على حقيقتها؛ من حيث إنها مخلوقة للخالق – سبحانه – وأنها مخلوقة لغاية.

رابعا : لم يخلقِ اللهُ البشرَ في الدنيا على خِلْقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضًا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف؛

خامسا : في الموت نِعَم عظيمة لا تتأتَّى للناس إلا به، فلولا الموت لما هنأ لهم العيش، ولا طاب في هذه الأرض، ولا وَسِعتْهم الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن، والأسواق والطرقات.

سادسا : الموت يخلِّص المؤمن من نكد هذه الحياة التي حشيت بالغُصَص، وحُفَّت بالمكاره والآلام الباطنة والظاهرة، إلى نعيم لا ينفد، وقرَّة عين لا تنقطع، وسعادة لا تنتهي في ظلال وارفة، وبساتين مؤنقة، وجنات دائمة، مع خيرة الرفقاء، وأطيب الأصفياء”؛

وجاء في “تفسير ابن كثير”  عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أنه قال:

“ما من مؤمنٍ إلا والموت خير له، وما من كافرٍ إلا والموت خير له، ومَن لم يصدِّقني؛

فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 198]،

ويقول الله تعالى : ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [آل عمران: 178]؛

 أيها المسلمون

وقد كان السَّلف الكِرام يُذكِّر أحدُهم أخاه بالموت وما بعدَه؛ حتى يتأهَّب لهذه اللَّحظة ولا يغفل عنها، فالموت خير واعظ.

وكان الفُضيل رحمه الله يقول: “كفى بالله محبًّا، وبالقُرآن مُؤنسًا، وبالموت واعظًا، وكفى بخشية الله عِلمًا، والاغترار بالله جهلاً”.

وجاء في كتاب “التذكرة” للقرطبي  :

“أنَّه قيل لبعض الزُّهَّاد: ما أبلغ العِظات؟ ، قال: النظَر إلى الأموات”.

 وكتب محمَّدُ بن يوسف بن معدان الأصبهاني إلى أخيه عبدالرحمن بن يوسف فقال له:

”  فإنِّي مُحذِّرك مُتحوَّلك من دار مُهْلتك إلى دار إقامتك وجَزاء أعمالك؛ فتَصِير في قَرار باطن الأرض بعدَ ظاهِرها، فيأتيك مُنكرٌ ونَكير، فيُقعِدانك وينتَهِراك، فإنْ يكنِ الله معك فلا بأسَ ولا وحشة ولا فاقة، وإنْ يكن غير ذلك فأعاذني الله وإيَّاك من سُوء مصدع، وضِيق مضجع، ثم تتبعك صيحةُ الحشر، ونفخ الصُّور، وقيام الجبَّار لفصْل قَضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها، والسَّماوات من سُكَّانها، فباحت الأسرار، وسُعِّرَتِ النار، ووُضِعت الموازين، وجِيء بالنبيِّين والشُّهَداء، ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75]،

فكم من مُفتضح ومَستور، وكم من هالكٍ وناج، وكم من مُعذَّب ومرحوم! فيا ليت شعري… ما حالي وحالك يومئذ؟ ، ففي هذا ما هَدَم اللذَّات، وسلا عن الشَّهوات، وقصَّر الأمل؛ فاستَيْقَظ النائمون وحذَّر الغافلون.

أعانَنَا الله وإيَّاك على هذا الخطَر العظيم، وأوقع الدُّنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها من قُلوب المتَّقين، فإنما نحنُ به وله

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين   

 أما بعد  أيها المسلمون 

وجاء في كتاب “حلية الأولياء” عن القعقاع بن عجلان قال:

خطَب عمر بن عبدالعزيز، فحَمِدَ الله تعالى وأثنى عليه، وقال:

“أيها الناس، إنَّكم لن تُخْلَقُوا عبثًا، ولن تُتْرَكُوا سُدًى، وإنَّ لكم معادًا يجمعكم الله للحُكم فيكم، والفصل فيما بينكم، فخابَ وشقي عبدٌ أخرَجَه الله من رحمته التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، وجنَّته التي عرضها السَّماوات والأرض، وإنما يكونُ الأمان غدًا لِمَن خاف الله واتَّقى، وباع قليلاً بكثير، وفانيًا بباقٍ، وشقوة بسعادة، ألا ترَوْن أنَّكم في أسلاب الهالكين، وسيخلف بعدكم الباقون؟!

ألا ترَوْن أنَّكم في كُلِّ يومٍ تُشيِّعون غاديًا أو رائحًا إلى الله، قد قضى نحبَه وانقطع أملُه، فتضعونه في بطن صدعٍ من الأرض غير موسَّد ولا مُمهَّد؟! قد خلَع الأسباب وفارَق الأحباب، وواجَه الحساب؟!

وايمُ الله إنِّي لأقولُ لكم مَقالتي هذه، وما أعلم عندَ أحدٍ مِنكم من الذنوب أكثر ممَّا أعلم من نفسي، ولكنَّها سننٌ من الله عادلة، أمَر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، واستغفَرَ الله ووضَع كُمَّهُ على وجهه؛ فبكَى حتى لَثِقَتْ لحيته، فما عاد إلى مجلسه حتى مات – رحمه الله.

وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله لأبي حازم: “أوصِني، فقال له أبو حازم:

اضَّجِع ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظُر إلى ما تحبُّ أنْ يكون فيك تلك الساعة فخُذْ به الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدَعْه الآن، فلعلَّ تلك الساعة قريبة”.

وقال أبو حازم أيضًا: “انظُر كل عمل كرهت الموت لأجله فاترُكه، ولا يضرُّك متى متَّ”.

ودخَل يزيد الرقاشي على عمر بن عبدالعزيز فقال له: “عِظني، فقال يزيد الرقاشي:

لست أوَّل خليفة تموت يا أمير المؤمنين،

قال: زِدني، قال: لم يبقَ أحدٌ من آبائك من لدُن آدم إلى بلغت النوبة إليك إلا وقد ذاق الموت،

قال: زِدْنِي، قال: ليس بين الجنَّة والنَّار منزل والله… ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13، 14]،

وأنت أبصَرُ ببرِّك وفُجورك، فبكى عمر حتى سقَط عن سريره.

وحقا ما قال ربنا في كتابه العزيز : (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (23)الحجر 

  الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ