خطبة عن قوله تعالى ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)
9 مارس، 2019
خطبة عن : المسيح عيسى بن مريم عبد الله ورسوله ( مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ )
9 مارس، 2019
جميع الخطب

خطبة عن قوله تعالى ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا)

  الخطبة الأولى ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (19) يونس

إخوة الإسلام

القرآن الكريم : هو كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ،وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله ،

وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه .

وموعدنا اليوم إن شاء الله مع آية من كتاب الله ، نتلوها ، ونتفهم معانيها ، ونسبح في بحار مراميها ، ونعمل إن شاء الله بما جاء فيها ، مع قوله تعالى :

(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (19) يونس

ونبدأ بما قاله علماء التأويل والتفسير :

قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها : وما كان الناس إلا أهل دين واحد ،وملة واحدة ،فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك ،

(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) ، يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم ،

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ” يقول: لقضي بينهم بأن يُهلِك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق . وقيل : في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به .

وفي تفسير ابن كثير : قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام

، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان،

فبعث اللّه الرسل بآياته وبيّناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة:

{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} الانفال 42،

 

وفي تفسير المنار : قيل : إن المراد (بالناس) هنا العرب ؛ فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحي الذي ابتدع لهم عبادة غير الله وصنع لهم الأصنام – كما ثبت في صحيح البخاري – فاختلفوا بأن أشرك بعضهم وثبت على الحنيفية آخرون

 

وقيل : وهو المختار ، إن المراد ( بالناس )الجنس البشري في جملته ، فإنهم كانوا أمة واحدة على الفطرة ، إذ كانوا يعيشون عيشة السذاجة والوحدة كأسرة واحدة ، حتى كثروا وتفرقوا فصاروا عشائر فقبائل فشعوبا تختلف حاجاتها وتتعارض منافعها ، فتتعادى وتتقاتل في التنازع فيها ، فبعث الله فيهم النبيين والمرسلين لهدايتهم ، وإزالة الاختلاف بكتاب الله ووحيه ، ثم اختلفوا في الكتاب نفسه أيضا بغيا بينهم واتباعا لأهوائهم ،

 

والآية تتضمن الوعيد على اختلاف الناس المفضي إلى الشقاق والعدوان ، ولا سيما الاختلاف في كتاب الله الذي أنزله لإزالة الشقاق بحكمه ، وإدالة الوحدة والوفاق منه ،

 

وفي تفسير البغوي “معالم التنزيل”:  َقَالَ الْكَلْبِيُّ:

( هِيَ إِمْهَالُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُهْلِكُهُمْ بِالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾، بِنُزُولِ الْعَذَابِ وَتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَهُمْ، ﴿ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾،

وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ مَضَتْ فِي حُكْمِهِ، أنه يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بالثواب والعقاب دون يوم الْقِيَامَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَأَدْخَلَ الْمُؤْمِنَ الْجَنَّةَ وَالْكَافِرَ النَّارَ، وَلَكِنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ الْأَجَلُ فَجَعَلَ مَوْعِدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

 

وفي الوسيط لطنطاوي: ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة ، لقضي بينهم – سبحانه – في هذه الدنيا . فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه – سبحانه – اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب .

إخوة الإسلام

فالأصل في البشرية هو الاجتماع على التوحيد الخالص لله عز وجل, والأصل أن الناس كانوا مجتمعين على الدين الواحد ،دين التوحيد ،وأنه ما إن دب الشرك في الأمة ، إلا وقارنته الفرقة ،فاستلزم بعثة الأنبياء والرسل رحمة من الله تعالى بالناس ،وإعذارا لهم ، ففي صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وسلم :

« تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ »  

وفي هذا تنبيه لأولي الألباب ،أن تحقق الجماعة المسلمة ،لا يكون إلا على التوحيد لله رب العالمين ،وفيه تحذير من الإخلال بهذا التوحيد ،أو الإتيان بما يؤثر فيه ،أو ينقصه ،أو يذهبه من شركيات وبدع ، لأن ذلك سيؤدي إلى الفرقة المذمومة المحذر منها.

 

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الراغب الأصفهاني : ” والأُمّة : كل جماعة يجمعهم أمر ما إمّا دين واحد ، أو زمان واحد ، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا “

وبناء على هذا التعريف فالأمة الواحدة في القرآن الكريم هي أمة الإسلام ـ لا غير ـ منذ وجود آدم وحواء في الأرض .

فنبي الله آدم  وزوجه عاشا وخلفا أبناء على الفطرة موحدين ، وبدأ يتكاثر البشر ،

ففي صحيح مسلم : (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ « أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا..)

فكانت الحاجة ماسة إلى بعث رسول يبين لهم طريق الحق التي تتجلى في عبادة الله الواحد الأحد واجتناب الطاغوت ، وهكذا توالت الرسل على الأمم ، قال الله تعالى :

( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [النحل:36]

والقرآن يتلخص في كونه رسالة من الله تعالى للبشرية جمعاء لتعريفهم بربهم الحق وهدايتهم إلى ما يصلح أمر دينهم ودنياهم . وفيه خلاصة لكل الرسالات السابقة على مدى التاريخ .

  الدعاء

 

 

 

 

 

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ