بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ” إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ “
رسالتنا في هذا الموقع : الدعوة إلى الله **** فقد أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين، **** وختمهم بأشرف الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، **** بعثه بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً،**** أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومناراً للسالكين، وحُجة على الخلق أجمعين،**** به أتم الله النعمة، وكمُلت به على الأمة المنة، واستبانت معالم الملة، **** فقامت به الحجة، ووضُحت به المحجة، **** دعا إلى الله على بصيرة، وجعل هذا نهجه ونهج أتباعه من بعده، **** كما قال سبحانه: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يوسف:108]. **** فقد أوضحت هذه الآية العظيمة أن رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأتباعه من بعده تتلخص في كلمة واحدة هي: الدعوة إلى الله .**** فنحن دعاة إلى الله ، وهذا الدين هو رحمة للعالمين، **** وأجر كل داع إليه بحسب سعة نيته، **** وقد قام صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله وعبادة الله، مبتدئاً بنفسه، **** ثم أهله، ثم عشيرته الأقربين، ثم قومه، ثم أهل مكة وما حولها، ثم العرب قاطبة، ثم الناس كافة **** فعلى كل داع إلى الله : أن يتعلم الوحي….. وأن يعمل به….. وأن يعلِّمه الناس….. وأن يقيم الناس عليه. **** فالدين خطوتان: خطوة للعبادة، …وخطوة للدعوة، **** وحركة في إصلاح النفس، ….وحركة في إصلاح الغير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.********
تمت إضافة مجموعة من الخطب الجديدة والمتميزة بالموقع خلال هذا الأسبوع
الأخوة الأفاضل ، والأبناء الأعزاء / زوار الموقع من الأئمة والخطباء … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … نرجو التكرم بإحاطة إدارة الموقع علما بأي ملاحظات تجدونها ..أو ترغبون فيها .. وذلك عن طريق الإتصال ( بايميل الموقع ..أو بالمحادثة ..أو صفحة الموقع على الفيس والمدون رابطها أسفله ) .. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
إخواني وأبنائي / يحتوي الموقع على كل الخطب التي تبغونها ..وعلى من لم يجد بغيته منها الاتصال بالموقع ليرشده إلى عنوان الخطبة التي يطلبها أو يبحث عنها ..وهدفنا خدمتكم ،وتيسير الوصول لمبتغاكم ..والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل .
قال الله تعالى : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) **** وقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا » **** وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِكَ **** قَالَ صلى الله عليه وسلم : « طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي **** ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِى » **** ومن أقوال الحكماء : **** لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال ، فتظلموها ، **** ولا تمنعوها أهلها، فتظلموهم ، **** وقالوا : « طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ ، **** وَذَلَّ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْكَنَةٍ **** وَأَنْفَقَ مَالاً جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ **** وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وْالْمَسْكَنَةِ **** وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ **** طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ **** وَطَابَ كَسْبُهُ **** وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ **** وَحَسُنَتْ عَلاَنِيُتُهُ **** وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ **** طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ **** وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ **** وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ ».**** وقالوا : ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان **** من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل **** ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق **** ومن إذا قدر لم يأخذ ما ليس له **** وقالوا : (أربعة يسود بها المرء : الأدب .. والعلم .. والعفة .. والأمانة ) ****وأربعة تؤدى إلى أربعة : الصمت إلى السلامة **** والبر إلى الكرامة **** والجود إلى السيادة ****والشكر إلى الزيادة **** وقالوا : (القلوب أوعية الأسرار**** والشفاه أقفالها ****والألسن مفاتيحها**** فليحفظ كلٌّ منكم مفاتيح سرِّه) **** وقال حكيم لابنه: **** (يا بني : كن جوادًا بالمال في موضع الحقِّ**** ضنينًا بالأسرار عن جميع الخلق**** فإنَّ أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البرِّ**** والبخل بمكتوم السرِّ) ****وقال أحدهم : كلما أدبني الدهر أراني ضعف عقلي**** وكلما ازددت علما زادني علما بجهلي **** لا يحمل الحقد من تسمو به الرتب **** ولا ينال العلا من طبعه الغضب ****وقال آخر : قالوا سَكَتَ وقد خُوصِمت قلت لهم ****ان الجواب لباب الشر مفتاح ****الصمت عن جاهلٍ أو احمقٍ شرف **** فيه لصون العرض اصلاح ****أما ترى الأسود تُخشى وهي صامتةٌ ****والكلبُ يُخسى وهو نباحُ **** وقال حكيم : المال خادمٌ جيد **** لكنه سيدٌ فاسد **** وقال رجل لأحد الحكماء : **** قد خطب ابنتي جماعة فلمن أزوجها ؟ **** قال : ممن يتقي الله **** فإن أحبها أكرمها **** وإن أبغضها لم يظلمها ****وقال الإمام الشافعي ( رحمه الله ) : **** من تعلم القرآن عظمت قدرته **** ومن تكلم الفقه نمى قدره **** ومن كتب الحديث قويت حجته **** ومن نظر في اللغة رقّ طبعه ****ومن نظر في الحساب جزل رأيه **** ومن لم يصن نفسه , لم ينفعه عمله **** وقيل لأحد الحكماء : أي أولادك أحب إليك ؟ قال: **** صغيرهم حتى يكبر ****,ومريضهم حتى يبرأ **** وغائبهم حتى يحضر ****وقال بعض الحكماء : ****إذا رأيت من أخيك عيباَ فإن كتمته عنه فقد خنته **** وإذا قلته لغيره فقد اغتبته **** وإن واجهته به أوحشته **** فقيل كيف نصنع ؟ **** فقال: تكنّى عنه ، وتعرّض به في جملة الحديث **** وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه : أخبروني من أحمق الناس ؟ **** قالوا: رجل باع آخرته بدنياه **** فقال لهم عمر: ألا أخبركم بمن هو أحمق منه ؟،**** قالوا : بلى **** قال: رجل باع أخرته بدنيا غيره *********
خطبة عن ( سلامة القلب ) 1
29 يناير، 2017
خطبة ( أمنيات الموتى ) 1
29 يناير، 2017
جميع الخطب

خطبة عن ( مع أسماء الله الحسنى : اسم الله الهادي )

الخطبة الأولى ( مع أسماء الله الحسنى : اسم الله الهادي )
الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين :
(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف 180،
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن لله تسعة وتسعين اسماً مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة»
إخوة الإسلام
من الأسماء الحسنى التي وردت في كتابه الله العظيم: اسمه ( الهادي)
يقول الله تعالى في محكم آياته 🙁 وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )54 الحج
وقال تعالى: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) 31 الفرقان
وروى الترمذي بسند حسن (أَبُو سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضى الله عنها بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ فَقَالَ
« اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ».
فالهادي: هو الله ،الذي يهدي عباده إليه، ويدلهم عليه، وعلى سبيل الخير والأعمال المقربة منه عز وجل.
والهداية إلى الصراط المستقيم ، هي أجل مطلوب ، وهي أعظم مسؤول، ونيلها أشرف المواهب. وهي أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده، وأجل مننه الواصلة إلينا.
فعلى العبد أن يسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم. ولهذا فإن العبد في اليوم والليلة، يسأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم، كما في سورة الفاتحة: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ) [الفاتحة: 6]
أيها المسلمون
وللهداية أنواع ومقامات : قال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد :
إن الهداية أربعة أنواع، وكلها يشملها اسم الله (الهادي):
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق، وهي المذكورة في قوله تعالى { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه: 50] أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه لما خلقه له من الأعمال.
الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجْدَي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك.
وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سببٌ وشرط لا موجِب؛ ولهذا ينتفي الهدى معها، كقوله تعالى { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [فصلت: 17]
الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي المذكورة في قوله تعالى :
{ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [النحل: 93].
الرابع: غاية هذه الهداية، وهي الهداية إلى الجنة أو النار، إذا سيق أهلهما إليهما
قال تعالى (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) (6) محمد،
وقال تعالى : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (22) ،(23) الصافات
والمتدبر للقرآن الكريم يجد أن الله تعالى قد أثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم الهداية في آية ، ونفاها عنه في الآية أخري ، فقال الله- تعالى- عن وصف رسوله (صلى الله عليه وسلم):
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (52) سورة الشورى.
وقال في موضع آخر: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (56) سورة القصص.
ففي الآية الأولى أثبت الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) الهداية، وفي الآية الثانية نفى عنه ذلك،
فكيف نوفق بين الآيتين؟! فبالرجوع إلى كتب التفسير تبيَّن لنا أن الهداية هدايتان:
أ – هداية الدلالة والإرشاد: وهذه هي المثبتة في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) فهو يهدي: أي يدل ويرشد، ويبين الصراط المستقيم، والطرق الموصلة إليه، وكذلك القرآن الكريم، فقد قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراء.
ب – هداية التوفيق والسداد: وهذه هي المنفية عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن غيره، فهي خاصة بالله عز وجل، فهو وحده الذي يوفق، ويسدد من يستحق الهداية والصلاح.
فمن هداه نَصَرَه قال تعالى: {وكفى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31]
أي: أن الله تعالى سيهديك إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعًا.
ولما نزل قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيُّ جمع هذا؟ فتعجب، كيف سنهزم هؤلاء ونحن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا؟ ولا نبيت إلَّا في السلاح، ولا نصبح إلَّا في السلاح!، فلما وقعتْ بدر وهُزِم المشركون، وحُصدت أرواح صناديدهم، قال: صدق الله: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45].
فكيف حدث هذا؟ حدث من هداية الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) لأسباب النصر، والله تبارك وتعالى ينصر بالشيء وضده، ومن لم يهده الله لأسباب النصر لم ينتصر، قال تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (126) آل عمران
أيها المسلمون
وهناك مفهوم أوسع وأشمل للهداية ، يبينه لنا ابن القيم رحمه الله ، فيقول :
«ثم يشهد من ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) 6 الفاتحة ،
عشر مراتب، إذا اجتمعت حصلت له الهداية.
المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان، فيجعله الله عالمًا بالحق، مدركًا له (فيعلم مثلا فضل الصلاة، وأنها فريضة، و…..).
الثانية: أن يُقدِّره الله عليه (أي يقدر ببدنه على القيام بواجب ربه ).
الثالثة: أن يجعله مُريدًا له (يرزقه الله مثلا الرغبة في أداء الصلاة، وإرادتها، فإن قلبه قد يكرهها ولا يطيقها، لولا عون الله).
الرابعة: أن يجعله فاعلًا له (أي أن يقيم الصلاة فعلًا).
الخامسة: أن يثبِّته الله على ذلك، ويستمر به عليه . (فكثير من الناس من يصلي، ثم ينقطع ولا يواظب، وهي آفة الكثيرين) .
السادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له (فقد يكون مثلا مشغولًا بأعماله، أو أمواله، أو تكون مشغولة بعيالها عن صلاتها، وحق ربها)
السابعة: أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة، أخص من الأولى، فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا، وهذه هداية فيها، وفي منازلها تفصيلٌ ( فيكون هذا المهتدي طموحًا في هدايته، فيرجو من الله أن يهديه إلى الخشوع في الصلاة، وأن يهديه إلى قيام الليل، وإلى المحافظة على السنن الرواتب، وصلاة الضحى، والوتر)
الثامنة: أن يُشهِدَه المقصود في الطريق، ويُنَبِّهه عليه، فيكون مطالعًا له في سيره، ملتفتًا إليه، غير محتجب بالوسيلة عنه ( أن يرى في الصلاة صلة بالخالق، وغرضها: بلوغ رضاه، فليس الغرض القيام بمظاهر الصلاة فحسب، بل بلوغ مقاصدها، ورُبَّ مُصَلٍّ وصلاته تدعو عليه، وكم من داعٍ دعاؤه مردودٌ عليه)
التاسعة: أن يُشهِده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة ( فلولا الله ما اهتدى، ولا ركع ركعة، ولا سجد، وهذه الهداية أهم إليه من طعامه وشرابه، فبدونها حسرةٌ وكَبَد في عذاب الأبد) .
العاشرة: أن يشهده الطريقيْن المنحرفَيْن عن طريقها، وهما طريق أهل الغضب، الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدًا وعنادًا( مثل اليهود ) ، وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا( مثل النصارى )، ثم يشهد جمع الصراط المستقيم في طريق واحد عليه جميع أنبياء الله ورسله، وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين
(وأعظم ما يعرِّفه هذه الهداية أن يعرف مثال من انحرف عنها من المغضوب عليهم والضالين، ومثال الذين أنعم الله عليهم بها، فيعلم أن ثمرة صلاته المرجوَّة هي النجاة من غضب الله عليه والضلال، وأن يرزقه نعمة الهداية التي رزقها الأنبياء والصالحين) .
فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم، فمن حصل له هذا الجمع، فقد هُدِي الصراط المستقيم»
أيها المسلمون
لقد عرف ربه الهادي مَن اهتدى، ثم ارتقى في مدارج الهداية، ولم يتوقَّف لحظة عن السير فيها،
وما عرف ربه الهادي مَن توقف في الهداية عند درجة، وسرعان ما نزل عنها وتقهقر.
فالله سبحانه وتعالى هو الهادي ، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وهو الذي هدى ما خلق لما أراد منه في دينه ودنياه، وجميع أمره. وهو المرشد لعباده،
قال سعيد بن جبير في قوله: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) طه 50، قال:
(أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئًا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح)
ومن بديع ودلائل قدرة الله وعظمته في هداية المخلوقان ، أن هناك نباتات خلقها الله تعالى بطريقة عجيبة لتؤمن غذاءها من الحشرات! ‏فلقد زود الله هذه النباتات بغدد خاصة تفرز مادة لاصقة وبنفس الوقت تفرز ‏روائح تجذب الحشرات إليها فتأتي الحشرة لتتغذى على النبات فتلتصق ‏أرجلها بهذا النبات وتعلق وتبقى كذلك لفترة مناسبة ومن ثم تبدأ أوراق ‏النبات بالالتفاف حول الحشرة بطريقة عجيبة. تؤكد أن النباتات تفكر وتعقل ‏وتميز.
إن الطريقة التي يلتف بها النبات حول الحشرة أثارت دهشة العلماء ‏فكيف يستطيع النبات أن يميز هذه الحشرات ويشعر بها ويحني أوراقه في ‏التوقيت المناسب ومن ثم تبدأ عملية الهضم حيث يفرز النبات مواد خاصة ‏تساعده على هضم هذه الحشرة. ويقول العلماء إن هذه النباتات تعتبر ‏نباتات ذكية وحساسة جداً وتعرف كيف تتعامل مع فريستها جيداً.
وهذا ما ‏يدعو العلماء للتساؤل: من أين جاء النبات بهذه المعرفة، ومن الذي علمه ‏وهداه إلى هذا العمل.. ويأتي الجواب من كتاب ربنا تبارك وتعالى على لسان ‏سيدنا موسى : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ ‏شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50].
وتستطيع النملة حمل أشياء تزن عشرين ضعفاً وزن جسمها، وتصور لو أن رجلاً بهذه القوة فإنه سيحمل سيارة وزنها ألف كيلو غرام بسهولة، قارن قوة النملة مع قوتك، لتجد أن النملة أقوى منك بعشرين ضعفاً على الأقل!!
والحشرات من أكثر الأحياء انتشارا علي سطح الأرض فقد ألهمها الله تعالي مقدرة علي البقاء والتأقلم والتكوين البنيوي والتكاثر ومنازلة الخصوم الخ. ينخر “الزنبور” بإبرته السامة في المركز العصبي “للجندب النطاط” بحيث “يخدره”، ويُفقده وعيه، فلا يستطيع الفرار، كما لا يسبب هلاكه، فيبقي لحما محفوظا تبيض عليه الأنثى، ومن ثم تغطي الحفرة وتموت. بعد أن تكون قد وفرت الغذاء لصغارها قبل أن يولدوا، وهكذا الحال مع كل الزنابير منذ أن خلقهم الله تعالي ، فأعظم به من خالق سبحانه وتعالي.
وحشرة” أبي دقيق” عادة لا تتغذي علي أوراق الكرنب، بل تختاره ـ دون غيره ـ لتضع عليه بيضها، ومن ثم تخرج الديدان الصغيرة وتأكل من تلك الأوراق المناسبة لها ، فمن أودع في تلك الحشرة “مهارة” حسن اختيار الغذاء المناسب لديدانها؟.
ومن الذي “هدي” البعوضة لقوانين “ارشميدس” في الطفو، فنجدها تزود كل بيضة من بيوضها بكيسين من الهواء كي تطفو بهما علي سطح الماء؟ .
وانظر للنحل والنمل في بناء بيوته المعقدة الإنشاء، البالغة الدقة، ذات الغرف والدهاليز والمخازن والبدرومات، “هداية ربانية” لقوانين الهندسة المعمارية. فضلا عن نظام العمل الاجتماعي التعاوني المدهش في تلك الخلايا.
فلسبعة أمتار قد يصل ارتفاع عش النمل الأبيض، ونحو 30 ألف بيضة في اليوم من “الملكة”، وما سيتتبعه من بناء غرف جديدة لتسع هؤلاء القادمين الجدد من النمل، فأي هداية وأي جهد وعمل دؤؤب مبذول؟.
وهذه حشرة “الترميت” الإفريقية تبني بيوتا كالقباب والتلال والمسلات وتزودها بقنوات وفتحات خاصة كي يرتفع الهواء الساخن لأعلي ليحل بدلا منه الهواء البارد من أسفل. إنه بين رائع من حيث تكييف الهواء
كما يوجد ما يزيد عن (8000) نوع من الطيور، فهل تعلم أفراخها الطيران أم إن هذه الخاصية “هداية” من الله تعالي؟.
وأجري باحثون ألمان تجربة للإجابة عن مثل هذا السؤال، حيث وضعوا صغار الحمام حديث الفقس في أنابيب ضيق بحيث لا تستطيع تحريك أجنحتها، وعند بلوغها سنا معينة قاموا بإطلاقها فطارت علي الفور .
بيد أن سباع الطير ومن يصطاد في الهواء، تساعد صغارها “وتدربهم” ـ عبر إلقاء قطع الطعام في الهواء ـ كي “يكتسبون” مهارة إتقان فن القنص في الهواء.
وقد أجريت تجربة للتفريخ الاصطناعي لبيض الدجاج، عبر إحاطته من جميع جوانبه بالحرارة المناسبة ولكن دون تقليب، كما هدي الله تعالي الدجاجة لذلك. لكن مضي موعد الفقس دون خروج الفراريج، وفشلت التجربة. ليعلم فيما بعد أن الدجاجة إنما تقلب بيضها منعاً من ترسب المكونات الأولية للفرخ في الأجزاء السفلي منه، ولذا فهي لا تقوم بتقليب البيض في اليوم الأول وكذا الأخير من فترة الحضانة، فمن هداها لذلك؟.
وإذا تركنا الدجاجة وهدايتها في تقليب البيض، فمن الذي هدي الفروج ـ عند موعد فقسه ـ كي يكسر بيضته عند أضعف أجزائها، ومن الذي هدي “العقاب المصري” كي يلتقط الحصى بمنقاره، ومن ثم يرتفع عاليا كي يسقطهاـ بذكاء، وبخاصية من حدة بصر فائقةـ علي بيض النعام العصي علي الكسر
ويقف الطائر المسمى” مالك الحزين” لوقت طويل في الماء، ساكناً هائما لا يأتي بحركات، ليقتنص ـ ببراعةـ فريسته. ولأهمية الريش (كما المناقير والأقدام) بالنسبة للطائر نري كثيراً من الطيور تستحم في الماء أو (تُدحرج) نفسها فوق التراب، ومن ثم تبدأ في عملية ترتيب وتمشيط ريشها ليبقي في حالة جيدة علي الدوام فمن علمها ذلك؟.
وترحل الحيتان لمسافات طويلة وهداه الله تعالي لسماع الأصوات تحت سطح الماء لمسافة 3 أميال، فيتعرف أفراد السرب علي بعضه البعض، وعلي الظروف المحيطة
فصيلة القطط والكلاب لها من “هداية” الله تعالي نصيب وافر، ففي “حواسها” المختلفة في التعرف على البيئة المحيطة، واستكشافها، ومعرفة مخارجها وأماكن الهروب منها، وبخاصة عندما تدخلها للمرة الأولى. فهي “مُعلِم ماهرٌ” في فنون الصيد والقنص فلديها براعة فائقة في مهاراته، وجسد رشيق، وأطراف مستدقه، وعضلات قوية..لتجعل من “الفهد الصياد” أسرع مخلوقات الأرض (نحو 120 كم/ ساعة) دون منازع.
وللكلاب “هداية”، تنعكس في تعدد خدماتها ووفائها للإنسان: حراسة الماشية والمنازل والحدود والأفراد، وإنقاذ المفقودين والمسافرين، وقيادة فاقدي البصر، وفى إغلاق مصابيح الإنارة والغسالات والأبواب وخدمة توصيل بعض الأغراض للمقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، ووسيلة للجر والنقل، ووسيلة للاتصال أيام الحروب والأزمات، ومهمة استكشاف المخدرات والمواد المحظورة، واستكشاف المناجم كأبرع جيولوجي، وفوائد جليلة للبحث العلمي والطبي والجراحي والدوائي كحيوانات للتجارب (وإن كان ذلك يلقى معارضة كبيرة من جمعيات الرفق بالحيوان). وأضف إلى ذلك احدث وظيفة تم تدريب الكلاب عليها وهي عملها “كجرس إنذار” يتنبأ بقدوم نوبات الصرع من خلال نبرات وتعبيرات وجوه مخدوميها، ومن ثم تقفز وتنبح وترقد عند أقدامهم مما يعمل على إيقاظهم وتنبيههم، كما أن بعضها قد تضرب عن الطعام إذا ما مرض صاحبها، وقد تضحي بحياتها في سبيل إنقاذه من أزماته، فمن الذي “هداها” لتفعل كل هذه الخدمات للإنسان؟.
وصدق الله القائل في محكم آياته “قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى” (طه:50).
فسبحان من بهرت حكمته القلوب والعقول، ومن دبر خلقه بمشيئته وحده لا شريك له.
وسبحان من خلق هذه الخلائق، وأسكنهم في ملكه، وأطعمهم من رزقه:
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } [الزخرف: 84].
وكل حي وكل كائن من هذه الحيوانات والطيور والحشرات، مزود بسلاح بتقي به هجمات أعدائه، ويغالب به خطر الفناء، في البر أو في البحر، وتختلف هذه الأسلحة وتتنوع.
أيها المسلمون
فالهادي هو الله ،الذي دل وهدى المؤمنين إلي الدين الحق، وهو الذي يهدي القلوب إلي معرفته، والنفوس إلي طاعته، ومن يؤمن بالله يهد قلبه،
يقول الحق سبحانه:( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) “43” (سورة الأعراف)
فالله سبحانه وتعالى لو لم ينزل منهجاً لما استقامت حركة حياتنا، ولما وصلنا إلي الجنة، ولذلك فنحن نحمد الله على أنه شرع لن ما جعلنا نصل إلي هذا النعيم،
والهداية هي أقصر الطرق الموصلة إلي الغاية، وأن لله هداية ودلالة ومعونة، وهو أن يدلنا على الطريق المستقيم، أي دلنا على أقصر الطرق التي توصلنا للنعيم، وهناك هداية معونة، وهي أن يعين الله من أمن به على طريق الإيمان.
والهداية من الله وحده، لأن البشر أنفسهم لا يعرفون الغاية التي خلقوا من أجلها، والذي يدلهم على هذا الطريق هو الله سبحانه وتعالى، وكل شيء في هذا الكون مصنوع لغاية.
إذن: فالذين يشرعون لأنفسهم أو لغيرهم شرائع وأحكام وقوانين ودساتير بخلاف ما شرع الله ضالون، بدليل أن التشريعات البشرية تتغير وتتبدل كل يوم، لماذا؟
لأن الإنسان علمه محدود، فساعة شرع عرف أشياء وغابت عنه أشياء، ولكن إذا شرع الله فلا يغيب عنه شيء. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
( وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) “43” (سورة الأعراف) ،
ومعناها أننا ما كنا نعرف الطريق إلي الجنة لولا أن هدانا الله إليه وبينه لنا، كيف؟
(لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) .. “43” (سورة الأعراف)
والله سبحانه وتعالى لا يخاطب أحداً مباشرة. إذن: فلابد من رسل ليبينوا لنا الطريق. وأنت إذا كنت ذاهباً إلي طريق تسأل عنه، فيقول لك إنسان: تأخذ الاتجاه الفلاني، وتستريح في المكان الفلاني إلي آخره، فإذا وجدت الطريق كما قال لك نقول: صدق الرجل وقال حقاً
والرسل الذين أرسلهم الله لنا بالمنهج دلونا على الطريق، وعندما مشينا فيه قادنا إلي الجنة، وهم قد قالوا لنا حقاً ولم يكذبوا علينا.
يقول الحق سبحانه:( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) “86” (سورة آل عمران)
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية ( مع أسماء الله الحسنى : اسم الله الهادي )
الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون
وللهداية طرق موصلة إليها ،ومفاتيح متعددة تُفتح بها مغاليقها، ومن مفاتيح الهداية وطرقها ووسائلها :
أولها : المجاهدة: قال أبو حامد الغزالي: «فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها»
والمجاهدة هي الصبر على الطاعات مهما كانت العقبات، وغابت المحفِّزات، والبعد عن المحرَّمات مهما كثرت الإغراءات والشهوات.
فمن جاهد نفسه في حفظ أوامر الله وحدوده؛ حفظه الله تعالى في بدنه، وماله، وأهله، والأهم من كل ذلك: في دينه، وسلَّمه من الزيغ والضلال،
قال تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) محمد (17)
وأعلى درجات المجاهدة: هي جهاد العدو؛ ولذلك فأعظم الناس هداية هم المجاهدون والمرابطون على الثغور، وهذا ما استنبطه شيخ الإسلام سفيان بن عيينة، فقاله لعبد الله بن المبارك: «إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليكَ بالمجاهدين وأهلِ الثغور، فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ العنكبوت 69
وقد عرف ربه الهادي ، مَن جاهَد نفسه لبلوغ هداه، وتحصيل رضا مولاه.
وما عرَف ربه الهادي مَن لم يجاهد هواه لبلوغ هداه، واستسلم لشيطانه، وأرضاه.
ثانيها :من مفاتيح الهداية : التقوى : وقد صرَّح القرآن بأن التقوى مفتاح عظيم من مفاتيح الهداية، فقد وصف الله كتابه بأنه:( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) البقرة (2)
فلا تتعجب بعد اليوم من غياب الهداية ،عمن غابت عنه التقوى، وأشفِق على الفاسقين الذين صنعوا أقفالًا شديدة الإحكام على قلوبهم بفِسْقِهم، وطول بُعدِهم وغيابهم.
ثالثاها : من مفاتيح الهداية : الاعتصام بالله : قال الله تعالى:
(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران: 101).
قال القشيري: «من لم يهدِه الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهداية منه في البداية ، توجب اعتصامك في النهاية، لا (لأن) الاعتصام منك يوجب الهداية
وحقيقة الاعتصام: صدق اللجوء إلى الله، ودوام الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة به.. وإلَّا فالوقوع في بئر الضلال والغواية، قال تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور، وقال سبحانه (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) 97 الاسراء، ، فكيف يفوز بالهداية من لم يعتصم بخالق الهداية وواهبها؟!
ولهذا قال ابن كثير: «فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العُمدة في الهداية، والعُدَّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد» .
رابعها : من مفاتيح الهداية : التخلي عن موانع الهداية :
ومن أهم موانع الهداية : الكفر ، والظلم ، والفسق ، والكذب.
فالكفر: قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) البقرة (264)
ومن أهم موانع الهداية: الظلم: وهو من أكبر موانع الهداية، وفي القرآن آيات ختمها الله بقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة (258)
فالله لا يهدي الظالمين للتوبة والرجوع إلى الإيمان، بل يذرهم في طغيانهم يعمهون؛ حتى يأخذهم بعذاب أليم؛
ولذا قلَّما تجد ظالمًا تاب، أو ردَّ المظالم لأهلها وأناب، وهذا والله من شؤم الظلم على صاحبه، وأشد عقوباته عليه.
وقد عرف ربه الهادي مَن دعا ربه أن يجيره من الظلم، فلا يظلِم ولا يُظلَم.
وما عرف ربه الهادي مَن ظلم غيره فضلَّ طريق الهداية.
ومن أهم موانع الهداية :الفسق: قال الله تعالى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) المائدة (108)
فحين تجِد ضالًّا لا يهتدي ،رغم سطوع شمس الحقيقة بين يديه، وتتابع البراهين والدلائل عليه، فاعلم أن الفسق قد ملأ ما بين جنبيه
ومن أهم موانع الهداية الكذب: قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) الزمر (3) ، وفي صحيح البخاري (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ – رضى الله عنه – قَالَ ،قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالاَ الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ »
فقد عرف ربه الهادي مَن خاف حرمان الهداية، فلم يكذب، ولم يظلم، ولم يفسق.
وما عرف ربه الهادي مَن استوجَب الحرمان من الهداية بكذبه، أو ظلمه، أو فسقه.
خامسها : من مفاتيح الهداية : الدعوة إلى الله : فكلما دعوت غيرك إلى الخير لتهديه؛ كلما كافأك الله بمزيد الهداية. قال ابن القيم: «كما أَن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ بَاب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه هداه الله وَعلَّمه، فيصير هاديا مهديا كما في دعاء النَّبِي (صلى الله عليه وسلم) الَّذي رواه الإمام أحمد وغيره:
(اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ ).
فقم بدلالة الناس على الخير ،مقتفيًا في ذلك أثر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أثنى عليه ربه، فقال تعالى:(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى : 52)
وقال الله تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف : 108).
سادسا : من مفاتيح الهداية : الدعاء : والدعاء من أهم مفاتيح الهداية، ويكفي في فضله قول ربنا في الحديث القدسي كما في صحيح مسلم: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ) أي: اطلبوا مني الهداية، أوفقكم إلى سلوك طريقها.
أيها المسلمون
وإليكم أدعية نبوية ؛ تعينكم على استجلاب الهداية، والمحافظة عليها:
الدعاء الأول: هو دعاء في كل ركعة من ركعات الصلاة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) الفاتحة (7) ، ومعها يقول الله جل جلاله مجيبًا كما في الحديث القدسي : « قَالَ هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ » رواه مسلم ، وهكذا ، فقد فرض الله على عبده أن يسأله الهداية في أفضل أحواله مراتٍ عديدة في اليوم والليلة، وهو ما يدل على رحمة الله بعباده، ويدل كذلك على شدة احتياج العبد وضرورته إلى هذه المسألة، فإنه محتاج إلى الهداية في كل نَفَس وطَرْفَة عَيْن.
وأن الصراط هو صراط واحد، وسبيل متفرِّدة، وإنَّ أي انحراف بضع ملليمترات عنه في أول السير ،كفيلٌ بأن يجعل اتساع الفارق في آخره شاسعًا. ولذلك فالصراط المستقيم : هو الطريق الذي ليس فيه أدنى اعوجاج ولو كان يسيرًا.
ولأنه طريق واحد؛ فقد سلَكَه قبلنا كل الذين أنعم الله عليهم، وقد عرَّفنا الله أصنافهم الأربعة، فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]
الثاني: دعاؤك بالهداية قبل صلاة التهجد، كما جاء في صحيح مسلم (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ « اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ».
الثالث: في الدعاء النبوي الجامع: « اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ اصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ» رواه أحمد .
الرابع: في قنوت الوتر كما في مسند أحمد وغيره (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ « اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ »
الخامس: ما رواه مسلم (عَنْ عَلِىٍّ قَالَ ،قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ ».
أي تذكَّر حال دعائك بهذين اللفظين أن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومُسدِّد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقوِّم سهمه، وكذلك الداعي، ينبغي أن يحرص على تسديد عمله، وتقويمه، وحفظه من الانحراف، وإلَّا لم يصب هدفه.
السادس: ما جاء في صحيح مسلم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ « اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ».

وما أعظمه من دعاء جمع فَوَفّى.. فقد سأل الله (الهداية) الكاملة، و(التقوى) الشاملة، و(العفاف) عن الحرام، وكل ما لا يباح مع الكفِّ عنه، و(الغنى) الذي ينصرف لغنى القلب مع الاستغناء عما في أيدي الناس، إذ أن غنى الأعراض والأموال يحمل بين طياته الفقر من عدة وجوه: منها: الاشتغال بها، وخدمتها، والحاجة إلى رعايتها، وتكثيرها، مما يستعبد كثيرًا من الناس.
السابع: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي، واجعلني هَادِيًا مَهْدِيًّا» وهو دعاء مقتبس من دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) لجرير بن عبد الله كما في البخاري « اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا »
الثامن: كان من دعائه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين : « اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِى ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ » » .
هذا دعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو الهـادي المهدي المعصـوم من الضلال، فكيف بنا نحن الضعفاء المعرَّضـون لفتن الشـبهات والشـهوات!
أيها المسلمون
إن حاجتنا لطلب الهداية من مالكهـا سبحانه وتعالى أشد من حاجتنا آلاف المرات إلى الطعام والشراب، ولكن كثيرًا من الناس في سبات وغفلات..
(اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ » مسلم
فيا هادي.. سيِّرنا على صراطك، ولا تخيِّرنا فنحيد عن مرضاتك.
يا هادي.. خُذْنا منَّا، وتَولَّ أمرنا عنا، واقطع ما يقطعنا عنك، ولا تفتِنَّا.
يا هادي.. تَوَلَّنا، ولا تُوَّلِ علينا غيرك فيُهلِكنا.
الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ