خطبة عن قوله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )
21 يوليو، 2018
خطبة عن ( الحج: حقائق وأسرار ومعاني )
28 يوليو، 2018
جميع الخطب

خطبة عن ( من أهداف الحج ومقاصده وغاياته )

  الخطبة الأولى ( من أهداف الحج ومقاصده وغاياته

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (97) آل عمران

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

« بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ                                     وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ».

 

إخوة الاسلام

الحج عبادة عظيمة ، شرعها الله على عباده المؤمنين؛ وذلك لما فيها من المنافع العظيمة ، وما تهدف إليه من المقاصد الجليلة ، ولما يترتب عليها من خير في الدنيا والآخرة،

والحج فريضة على جميع المكلفين في أقطار الدنيا، رجالاً ونساءً ، إذا استطاعوا إليه سبيلا

وللحج مقاصد وأهداف وغايات ، ينالها الحاج من خلال هذه الرحلة الطويلة :

فمن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: تحقيق التوحيد الخالص لله : وذلك من خلال تعظيم الله تعالى بالعبادة في جميع شعائر الحج، من التلبية، والطواف، والسعي، والنحر، والحلق، ورمي الجمار، ونحوها من أنواع العبادات التي لا يجوز صرف شيء منها لغير الله عز وجل، قال تعالى:                  {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}، [البقرة:١٩٦].

وفي التلبية وقول الحاج “لبيك اللهم لبيك” ، يعني: أنا عبدك ، مقيم لعبادتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك على دين رسولك وخليلك إبراهيم وعلى دين حفيده محمد عليه الصلاة والسلام ومجيب لذلك إجابة بعد إجابة، أقصد وجهك ، وأخلص لك العمل، وأنيب إليك في جميع

الأعمال، من صلاة وحج وغير ذلك ،

وفي قول الحاج “لبيك لا شريك لك” يريد إخلاص العبادة له وحده، يريد توجيه قلبه وعمله لله سبحانه وتعالى ، ويكرر: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

فأول شيء يبدأ به قاصد البيت العتيق ، إخلاص العبادة لله وحده، والتوجه إليه، والإقرار بأنه سبحانه الواحد الأحد، لا شريك له في الخلق والتدبير والملك

ومن مقاصد الحج الكبرى تحقيق الانقياد للشرع المطهر واتباعه؛ فكثير من أفعال الحج غير مفهومة المعنى، كالطواف والسعي وأعدادهما، والرمي وعدده وتكرره، وتقبيل الحجر، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ومع ذلك تُفعل؛ اتباعاً لأمر الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، لا غير. وقد روى البخاري في صحيحه أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ لِلرُّكْنِ (الحجر الأسود ): “أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ”، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: “فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ! إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ”، ثُمَّ قَالَ: “شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ”.

فالحج تربية مكثفة لتحقيق ذلك الاتباع ولو لم تُفهم حكمة التشريع. وذلك مقتضى العبودية والرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – نبياً ورسولاً.

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: إقامة ذكر الله تعالى: فذكر الله تعالى هو الهدف الاسمى في كل مناسك الحج ، بل وكل العبادات ، قال تعالى

(فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (198): ( 200)  البقرة

وقال  سبحانه: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}، [البقرة: ٢٠٣].

وفي مسند أحمد (قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-                                                  « إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْىُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: تحصيل التقوى: فالحج مظهر من مظاهر التقوى؛ لما فيه من فعل طاعات متنوعة قد تشق على النفس، وما فيه من اجتناب كثير مما تعود عليه المرؤ في حياته اليومية من المباحات، فضلا عن المكروهات والمحرمات، قال تعالى:

{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}، [الحج:٣٧].

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: اكتساب مكارم الأخلاق: ففي الحج تعويد للنفس على الصبر، والحلم، والسخاء، والعفة، والتواضع، والتسامح، قال تعالى:

{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، [البقرة:١٩٧]؛

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: الشعور بالانتماء: فيشعر المسلم في الحج بانتمائه إلى أمة عظيمة، تقطن شتى بقاع الأرض، وتتألف من مختلف الشعوب، قال تعالى:

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}، [الحج:٢٧]، وهذا التجمع لا شك في أنه يذكي جذوة الشعور بالانتماء.

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: تبادل المنافع: وتشمل المنافع الدينية والدنيوية، كما قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}، [الحج:٢٨]،

ففي بيت الله العتيق ، وفي عرفات، والمزدلفة، ومنى، المسلمون يتعارفون ويتناصحون ، ويعلم بعضهم بعضاً، ويرشد بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا ويواسي بعضهم بعضاً، فهي مصالح عاجلة وآجلة ويسمعون من العلماء ما فيه من الهداية والإرشاد إلى طريق الرشاد، وذلك بجانب منافع البيع والشراء ، واكتساب الخبرات ، وتبادل المصالح.

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: ما يتجلى في الحج من الوحدة الإسلامية والمساواة بين المسلمين، فالجميع قد طرح الملابس، وظهروا في زي واحد، الغني والفقير، والقوي والضعيف، في وحدة تامة في الشعائر والهدف والعمل والقول، لا إقليمية، ولا عنصرية، ولا عصبية للون أو جنس أو طبقة،

قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 92،

 وقال صلى الله عليه وسلم: « النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ » » أخرجه أحمد ،

وقال صلى الله عليه وسلم:  « يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ ».                 قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-  ) أخرجه أحمد.

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية ( من أهداف الحج ومقاصده وغاياته

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 أما بعد  أيها المسلمون 

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: أن الحج يربي فينا قوة التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباعه، وتلقي التشريعات من سنته، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤدي مناسكه، ويوقف أصحابه على كل جزئية، ففي مسند أحمد أن (جَابِراً يَقُولُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ يَقُولُ لَنَا

« خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لاَ أَدْرِى لَعَلِّى أَنْ لاَ أَحُجَّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ ».

 فلا تصح عبادة لم يتحقق فيها هذا الشرط، وهو الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} آل عمران: 31،

ويقول جلَّ وعلا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: 7.

ومنها: أن في الحج تذكيراً باليوم الآخر، فتجرد الإنسان من ملابسه، ولبس الملابس البيضاء يذكِّره باليوم الذي يجرد فيه من ملابسه بعد موته، ويكفن في قطعة من القماش هي كل ما يأخذه من دنياه، وقبل ذلك السفر عن الأوطان، ووداع الأهل والأبناء يذكّر بسفر طويل إلى الدار الآخرة، وزحمة الطواف والسعي والرمي تذكّر بذلك الازدحام الرهيب، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، ويقوم الناس لرب العالمين، ويتذكّر التعب والضنك والعرق المنصب من الأجساد، ذلك اليوم العصيب، والموقف المهول، يوم يبلغ الناس في العرق مبلغاً عظيماً على قدر أعمالهم، فمنهم من يصل العرق كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وهكذا بقية المواقف في عرفة والمزدلفة كلها تذكّر بالأهوال المقبلة،

ومن مقاصد الحج وأهدافه وغاياته: مغفرة الذنوب ، وحط الخطايا، ودخول الجنة ، والعتق من النار ، ففي صحيح البخاري أن (أَبَا هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ « مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ »

وفي الصحيحين (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ

« الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ »

 ومن منافع الحج العظيمة إيفاء ما عليك من نذور ، قال تعالى :

(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الحج (29)  

ومن المنافع العظيمة أن تجتهد في الدعاء إلى ربك والضراعة إليه أن يتقبل منك، وأن يصلح قلبك وعملك، وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يعينك على أداء الحمد الذي عليك على الوجه الذي يرضيه ، وأن يعينك على الإحسان إلى عباده ونفعهم، وأن تكون في منفعتهم وفي مواساتهم وفي إعانتهم على الخير ، وأن لا يتأذوا منك بشيء

وفي الحج تصفو النفوس ، وترق القلوب ، وتسمو الارواح ، ويزداد المؤمنون إيمانا مع إيمانهم ،

أما زيارة مكة والمدينة فهي تذكِّر المسلمين بسيرة نبيهم – صلى الله عليه وسلم – بولادته، ونشأته، وبهجرته، وهجرة صحابته – رضي الله عنهم – وكيف أنهم ترَكوا بلدَهم وأموالهم وأولادهم وأهليهم من أجل أن يوصلوا إلينا هذا الدِّينَ كما أُنزِلَ من رب العباد.

 وفي هذا التذكُّرِ استحضارٌ لمآثِر الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، فيزدادُ الحُجَّاج المسلمون إيمانًا على إيمانهم، وتزداد مشاعر حبهم للنبي – صلى الله عليه وسلم – وللرعيل الأول من المسلمين – رضي الله عنهم.

   الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ