خطبة عن من دروس الهجرة ( بناء المسجد .والإصلاح والإخاء )
8 سبتمبر، 2018
خطبة عن ( من دروس الهجرة : الأخوة في الله )
8 سبتمبر، 2018
جميع الخطب

خطبة عن من دروس الهجرة (كتمان السر )

 الخطبة الأولى (من دروس الهجرة ( كتمان السر ) 1

 

 الحمد لله رب العالمين ..اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ..

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه أجمعين

 

  أما بعد    أيها المسلمون 

 

كلما أهل علينا شهر المحرم ، أهلت معه أجمل الذكريات ، وأروع العبر، تأتي هذه الذكرى ، ومعها عبير الجهاد ،والتضحية ، والفداء ، نعم ، التضحية بالنفس والمال والولد ، بالأهل والعشيرة ، كل ذلك من أجل نصرة الحق ، والتمكين للدين

واليوم إن شاء الله أتناول معكم درسا من الدروس التي نستلهمها ونستخلصها من هذا الحادث الجلل ، وهذه الذكرى المباركة

فمن الدروس المستفادة من حادث الهجرة ( كتمان السر )

ففي حديث عائشة رضي الله عنها والذي يرويه البخاري تقول فيه

(فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلاَّ وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا ، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ، إِلاَّ لأَمْرٍ حَدَثَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبِى بَكْرٍ

« أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ . يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ . قَالَ

« أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ » . قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ« الصُّحْبَةَ ». ففي قوله صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر « أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ » ، قبل أن يخبره بأنه أذن له بالهجرة دليل واضح على كتمان السر ، وأنه صلى الله عليه وسلم حريص على أن لا يسمع بهذا الخبر إلا من يكتم سره

 وفي رد أبي بكر عليه بقوله  (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ . يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) ، دليل أيضا على أن أبا بكر يعلم أن ابنتيه خير من يكتم السر ويحفظه ،

ولذا لما علمت قريش بهجرته صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه ، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها : أين أبوك ؟ قالت : لا أدرى والله أين أبي ؟ فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها .

ورغم أنهم ضربوها ، وأسالوا دمها ، إلا أنها لم تفش سر رسول الله وصاحبه ،

وصدق أبو بكر حينما قال (إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ)

 وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقف من مواقف الهجرة كيف نكتم أسرارنا ، ونحفظها من الآخرين ، ولا نطلع على أسرارنا إلا من يكتمها

كيف لا وهو القائل كما في المعجم للطبراني

(استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود)

 

أيها المؤمنون

 إن الناس يخالط بعضهم بعضًا ويفضي بعضهم إلى بعض بما قد يكون سرًا، وإن من الخيانة أن يُستأمن المرء على سر فيذيعه وينشره، ولو إلى واحد فقط من الناس، ففي مسند أحمد (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ

« إِذَا حُدِّثَ الإِنْسَانُ حَدِيثاً وَالْمُحَدِّثُ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ »)

ولأن الكرام ينأون بأنفسهم عن أخلاق اللئام فقد رأينا هؤلاء الكرام يربون أبناءهم على حفظ الأسرار وعدم إشاعتها،

فها هي أم أنس بن مالك رضي الله عنها يتأخر عليها ولدها أنس فتسأله: كما في صحيح مسلم (عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَى عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ – قَالَ – فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ مَا حَبَسَكَ قُلْتُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِحَاجَةٍ. قَالَتْ مَا حَاجَتُهُ قُلْتُ إِنَّهَا سِرٌّ . قَالَتْ لاَ تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحَدًا. قَالَ أَنَسٌ وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ.)

وذات يوم أسرَّ معاوية رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة حديثًا فقال الوليد لأبيه: يا أبتي إن أمير المؤمنين أسرَّ إليَّ حديثًا وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به، فإن من كتم سره كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه. قال الوليد: يا أبتي وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني، ولكن لا أحب أن تُذلِّل لسانك بأحاديث السر. قال الوليد: فأتيت معاوية رضي الله عنه فأخبرته، فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ

 ومن أسوإ الأخلاق أن يفشي الرجل أو المرأة الأسرار الزوجية ، لأنها من الخصوصيات التي لا يطلع عليها أحد غيرهم ، ولكن بعض الناس – هداهم الله – صاروا يتحدثون في مجالسهم بما يكون بين الرجل وامرأته، وإن هذا نوع من إفشاء السر،

وصاحبه – رجلاً كان أو امرأة – هو من شر الناس عند الله تعالى،

ففي صحيح مسلم (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

« إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ».

 بل وصل الأمر إلى أن يشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بشيطان يأتي شيطانة في الطريق والناس ينظرون.

ففي سنن أبي داود  يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه

« هَلْ مِنْكُمُ الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ « ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلْتُ كَذَا ». قَالَ فَسَكَتُوا قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ « هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ ». فَسَكَتْنَ فَجَثَتْ فَتَاةٌ – قَالَ مُؤَمَّلٌ فِى حَدِيثِهِ فَتَاةٌ كَعَابٌ – عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيَرَاهَا وَيَسْمَعَ كَلاَمَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَهْ

فَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ ذَلِكَ ».

فَقَالَ « إِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَانًا فِى السِّكَّةِ فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ )

ومن أقوال أمير المؤمنين  علي بن أبي طالب رضي الله عنه: 

( سِرُّك أسيرك، فإن تكلَّمتَ به صِرْت أسيره )

وقد عبر الشاعر عن مدى كتمانه للسر ، وعدم افشائه للآخرين ،  بقوله : 

ومستودعي سرًا تضمنت سِرَّه.. … ..فأودعته من مُسْتَقَر الحشا قبــرًا

ولكنني أُخفيه عني كأننــي.. … ..من الدهر يومًا ما أحطتُ به خُبرًا

وما السرُّ في قلبي كميت بحفرةٍ.. … ..لأني أرى المدفون ينتظر النشـرا

 

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية  (من دروس الهجرة ( كتمان السر ) 1

 

 الحمد لله رب العالمين ..اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ..

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه أجمعين

 

  أما بعد    أيها المسلمون 

كتم السر وعدم إفشائه من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة ، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه، وقيل صدور الأحرار قبور الأسرار.

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “القلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره”.

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضي الله عنهما:

“يا بُنيّ إن أمير المؤمنين يدنيك ـ يعني عمر ـ فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشينّ له سراً، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا يطلعنّ منك على كذبة”.

ومن صور كتمان السر

(أن تصف المرأة محاسن امرأة أخرى لزوجها أو لغيره من الرجال ) ،

ففي صحيح البخاري (قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم –

« لاَ تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا ، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا »

 ومنها  ( كشف سر المهنة وشؤون التجارة ) فمن الأسرار التي يجب حفظها ولا يحل كشفها لغير أصحاب العمل المعنيين بذلك أيضاً، فلا يحل مثلاً لموظف، ولا مهندس، ولا فني، ولا مدير مبيعات، ونحوهم أن يبيحوا بأسرار المهن المتعلقة بمن يعملون معهم، خاصة عند التخلي عن أصحاب هذه الأعمال، وإن فعلوا ذلك فقد خانوا الأمانة.

ومنها ( عدم  كشف الامتحانات ونتائجها ) فمن أعظم الأسرار التي يجب المحافظة عليها من ائتمنتهم الأمة على وضع الامتحانات، وعلى طبعها، وحراستها، وترحيلها، ومراقبتها، وتصحيحها، فلا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبوح بشيء من ذلك، أو أن يفرط، كي لا يتمكن أحد من ضعاف النفوس أن يسرِّب شيئاً منها.

 ومنها ( كتم الأسرار الطبية  ) فلا يحل للطبيب أو المعالج أن يكشف العاهات والأمراض التي يسرُّ لهم بها بعضُ المرضى

 ومنها أيضا  ( أن لا يبوح المفتي ويكشف ما يخبره به المستفتون )

 وكذلك إذا استشار مسلم مسلماً في أمر من الأمور فلا يحل له كشف ذلك الأمر وإفشائه، فإن فعل ذلك فقد خان الأمانة ولم يكن أهلاً للمشورة.

 إخوة الإسلام

ونختم بما قاله بعض الحكماء لابنه:

 يا بني كُن جوادًا بالمال في مواضع الحق، ضنينًا بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجوه البر، والبخل بمكتوم السر.

ألا فتخلقوا بهذا الخلق ، فإنه من صفات المؤمنين ،  وهذه هي فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (رضي الله عنها ) ، تعطينا درسا في هذا الخلق  

ففي الصحيحين واللفظ لمسلم (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

فَقَالَ « مَرْحَبًا بِابْنَتِي ». فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا فَقُلْتُ لَهَا مَا يُبْكِيكِ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأُفْشِىَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- . فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ. فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ أَخَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ

وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأُفْشِىَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.

 

حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي « أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَلاَ أُرَانِي إِلاَّ قَدْ حَضَرَ أَجَلِى وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ». فَبَكَيْتُ لِذَلِكِ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ

« أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ ». فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ.)

   الدعاء

 

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ