خطبة حول معنى حديث ( فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأُعْطِى الرَّجُلَ ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ ، وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الَّذِى أُعْطِى)
13 أبريل، 2019
خطبة عن حديث ( كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ )
16 أبريل، 2019
جميع الخطب

خطبة عن ( من فضائل شهر شعبان )

                          الخطبة الأولى ( من فضائل شهر شعبان )  

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

                                    أما بعد  أيها المسلمون    

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)التوبة (36)

وروى النسائي في سننه ، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي :

(قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ . قَالَ « ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ».

إخوة الإسلام

شهر شعبان هو الشهر الثامن من شهور السنة الهجرية، حيث يأتي بعد رجب ، وقبل رمضان ، وقد قيل أنه سُمي شهر شعبان بهذا الاسم ، لأن العرب كانوا يتشعّبون فيه بالأرض، أي ينتشرون فيها بحثاً عن الماء،

وقد فضّل الله تعالى بعض الأزمنة، وميّزها على غيرها ،بالعديد من الخصائص،

وشهر شعبان من تلك الأزمنة التي فضلها الله تعالى ، كما في الحديث المتقدم ،

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأنه :

« ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ».

وقد يكون السبب في رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في أن ترفع أعماله إلى الله -تعالى- وهو صائم،  إلى أن الصوم من الصبر، وقد قال الله تعالى : (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر 10، .

ومن المعلوم أن رفع الأعمال لا يقتصر على شهر شعبان ، وإنما هناك أربع صور لرفع الأعمال وهي :

الرفع اليومي ، والأسبوعي ، والسنوي ، والختامي، وقد بينها ابن القيم رحمه الله ، فقال :

فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق، أنه ترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس، وعمل اليوم يرفع في آخره قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار، فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع العام، وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل.”

وفائدة هذا التقسيم السابق لرفع الأعمال : أن نجتهد أكثر في هذه الأوقات ، ونملأها بالطاعات ، كي يرفع عملنا ونحن في صيام ،أو ذكر ، أو استغفار .

ويعتبر شهر شعبان كالمقدمة لشهر رمضان ، فحسن أن يكون فيه شيء مما يكون في شهر رمضان من صيام ، ففي الصحيحين واللفظ للبخاري :

(عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ . فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ )  

وفي مسند أحمد والنسائي وغيرهما وصححه الألباني :(أن عَائِشَةَ(رضي الله عنها ) تَقُولُ:

(كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانَ ثُمَّ يَصِلَهُ بِرَمَضَانَ).

وقال ابن رجب في ( لطائف المعارف) :صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة و كلفة ،بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة و نشاط ، فلما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام و قراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان و ترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن. )

ولقد ثبت علميا أن الجسم في أيام الصوم الأولى يبدأ باستهلاك مخزونه الاحتياطي من الدهون والبروتينات وغيرها ، فينتج بسبب ذلك سموما تتدفق في الدم(هرمون الأدرينالين) قبل أن يتخلص منها الجسم مع الفضلات ، مما يؤدي إلى شعور الصائم ببعض الأعراض : كالصداع والوهن وسرعة الغضب وانقلاب المزاج وقد يشتم ويسب …الخ ، مما قد يضطره لأن يترك الصيام أحيانا ، وهذه الأعراض تزول بعد أن تعود نسب الهرمونات إلى وضعها الطبيعي في الدم خلال أيم من بدء الصوم –بإذن الله تعالى- (وهذا ملاحظ لدى الصائمين) .

فصيام شعبان ما هو إلا كالتمرين على صيام رمضان ، حتى لا يدخل المسلم في صوم رمضان على مشقة وكلفة ، فحتى يوفقك الله لصيام وقيام رمضان , فعليك أن تدرب نفسك على الصيام والقيام قبله , ليرزقك الله التوفيق والإعانة في رمضان بأذن الله , فالسعيد من وفقه الله لعمل الطاعات في الأوقات والأماكن الفاضلة ..                                                والخسران أن يخذلك الله ويثبطك عن العمل الصالح في مثل هذه المواسم

أيها المسلمون

ولنا مع شهر شعبان ثلاث وقفات : الوقفة الأولى : فضيلة شهر شعبان الكريم :

فشهر شعبان شهر فضيل، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يصوم أكثره، ولا يترك من صيام أيامه إلا القليل، والنبي صلى الله عليه وسلم أسوتنا ، فلما خص النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشهر بمزيد من العبادة علم أن لهذا الشهر مكانه خاصه، وهي أنه شهر عاده ما يغفل عنه الناس بين رجب الحرام ورمضان شهر الصيام، وأنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، والاجتهاد في العبادة في شعبان بمثابة التوطئة للدخول في رمضان والاستعداد لشهر الفريضة، فصوم شعبان مفضل، مرغوب فيه، مضاعف أجره. قال ابن رجب رحمه الله:

“صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه” (لطائف المعارف).  

الوقفة الثانية : “أن شهر شعبان هو شهر السقي”

وهذه مقولة هامة، وهي لأحد سلفنا الصالح وهو أبو بكر البلخي رحمه الله حيث قال :

“رجب شهر الزرع وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع” (لطائف المعارف).

فكيف لمن لم يزرع ، ولم يسقي زرعه ، أن يحصد ، وأن ينتج ، وهل هو كمن زرع وسقى وانشغل واهتم ، فلا يستوي هذا وذاك، ولا يستوي من جاهد نفسه وعلت همته وقويت إرادته، ومن بلغت به الدنيا مبلغ التيه والضياع قال الله عز وجل :

{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) العنكبوت

فمن بذل وسعه في الحصول على الخير واغتنام الوقت يسر الله له الأجر ،ومن أراد طاعة الله وفقه الله لذلك، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أي : اجتهد في الوصول إلى الحق، يسر الله له الحق، قال الله تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}        (5) :(7) الليل

فالعجل العجل قبل فوات الأجل، فأين هي النية الصالحة؟ وأين هو وردك في القرآن؟                  وأين هي العزيمة والإصرار على المنافسة؟

“فقد جعل الله الحياة ميدان سباق؛ فمن حاز قصب السبق حاز رضوان الله، ومن حاز رضوان الله فقد فاز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين”.

نعم : إنه سباق شريف نزيه ،غايته نبيلة ،ومراده طيب ،وهو رضوان الله تبارك وتعالى

                              أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

                        الخطبة الثانية ( من فضائل شهر شعبان )  

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

                                    أما بعد  أيها المسلمون    

ونواصل الحديث حول وقفات مع شهر شعبان :  

الوقفة الثالثة : حاجتنا إلى التطهير، وأعني بالتطهير (التوبة النصوح) فهي هدية من الله عز وجل إلينا أن نتوب فيمح الله عنا ما مضى، يغفر الزلات ويقيل العثرات ، ويضاعف الأجور والحسنات، عن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ :

(إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ

«رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني)

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا حاله مع التوبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هو، هو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يتوب في المجلس الواحد مائة مرة، وما هذا إلا ليلفت أنظارنا إلى منزلة التوبة وأهميتها وحاجتنا إليها؛ لهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

«كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطًّائينَ التَّوَّابونَ» (رواه الترمذي ، وحسنه الألباني).

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

« لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ثُمَّ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِى كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ ».

فمهما حدث من أخطاء، فربنا كبير ،يحب عبده التائب ،ويفرح به ويغفر له، فنحن بحاجة إلى أن ندخل رمضان ونحن على طهارة تامة من كل الذنوب، ولن يكون هذا إلا بالتوبة النصوح.

أيها المسلمون  

وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن ليلة النصف من شعبان ؟

وهل لها صلاة خاصة ؟

فأجاب : ليلة النصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح ، وكل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها ، وهي ليلة ليس لها خصوصية ، لا قراءة ولا صلاة خاصة ولا جماعة ..

وما قاله بعض العلماء أن لها خصوصية فهو قول ضعيف ، فلا يجوز أن تخص بشيء

                                       الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ