خطبة عن كتمان العلم ( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ)
6 يوليو، 2019
خطبة عن قوله تعالى ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )
6 يوليو، 2019
جميع الخطب

خطبة عن ( من هم العلماء ؟ ، وما هي مكانتهم ؟)

  الخطبة الأولى ( من هم العلماء ؟ ، وما هي مكانتهم ؟)

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين  

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (7) آل عمران

وقال الله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (28) فاطر

وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَرِثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ».

إخوة الإسلام

من هم العلماء؟ ، وما هي منزلتهم ومكانتهم ؟ ، ذلك ما سوف نحاول الاجابة عليه من خلال هذه الخطبة ،            فقد قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في وصف أهل العلم والعلماء :

( هم فقهاء الإسلام ، ومن دارت الفُتيا على أقوالهم بين الأنام ، الذين خُصّوا باستنباط الأحكام ، وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام ،

فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يهتدي الحيران في الظلماء ، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب ، قال الله تعالى :

﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ [ النساء : الآية 59] .

وقال بعض السلف : العلماء : هم الطائفة التي نفرت لطلب العلم ، والتفقه في الدين ، كما جاء في القرآن ، قوله تعالى : ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [ التوبة : الآية 122] .

فالعلماء هم المستمسكون بالسنة ، وهم الثابتون عليها ،وهم الذين لا تُرضيهم كثرة الجموع ، ولا يغرهم ثناء الناس عليهم ، بل هم ثابتون على سنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم –

ولذلك حين جاء رجل إلى مالك بن أنس – وهو إمام دار الهجرة – فقال له :

يا أبا عبد الله أسألك عن مسائل . فسأله عن ثلاثين مسألة ، فلم يُجب مالك إلا في ثلاث ، وفي سبع وعشرين قال : لا أدري .

فقال له : يا أبا عبد الله أضرب إليك أكباد الإبل من العراق لأسألك ، فتقول لي في سبع وعشرين : لا أدري . فقال : اذهب وأخبِر مَن وراءك أن مالكا لا يدري .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أنهم راسخون في العلم :  يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في أوصاف هؤلاء العلماء  : هو الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشُّبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ، ولا قدحت فيه شكّا ، لأنه قد رسخ في العلم ، فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردها حرَس العلم .

والعلماء ، لا يطلب أحدهم العلم دونما ترتيب وتنظيم ، فهو يطلب العلم بجزئياته وتفصيلاته ، حتى ولو لم يكن محتاجا لهذه المسألة في هذا الوقت ، فبعض الناس ربما لا يبحث عن مسألة إلا إذا احتاج إلى معرفتها ، فيرجع إلى كتب أهل العلم .

وقد قال أنصاري لابن عباس : ويحك يا ابن عباس تطلب العلم وفي الناس أمثال عمر وأبي بكر . يعني أن الناس لن يحتاجوا إليه ، وكان صغير السن – رحمه الله ورضي عنه – فقال : بل أفعل ما أمرني به الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو كلمة نحوها .

ثم لما كبر كل من ابن عباس ، وهذا الأنصاري كان الأنصاري يقول : هذا الفتى – يعني ابن عباس – كان أعقل مني . لأن الكبار قد ماتوا واحتاج الناس إلى ابن عباس ، فكان حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، – رضي الله عنه – ورحمه .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أنهم أهل نُسك وخشية : فترى ذلك في عبادتهم ، في صومهم ، في قراءتهم للقرآن ، في ، ذكرهم ، في قيامهم ، لا يُغتاب عندهم أحد ، ولذلك يقول الله – عز وجل –

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [  فاطر : الآية 28] ،

ولهذا قال ابن مسعود – رضي الله عنه – : إنما العلم الخشية .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أنهم مشهود لهم من العلماء : وهذه الصفة لهي من أهم الأمور التي ينبغي مراعاتها في العالم الذي يُسأل ، ويؤخذ عنه العلم ، ويعطى الحقوق ، يقول مالك – رحمه الله تعالى – :

ما ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه ، وما أفتيت حتى سألت ربيعة – يعني ابن أبي عبد الرحمن – ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ، ولو نهياني لانتهيت .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أنهم أهل الفتوى : فالعلماء يبدءون صغارا ، ثم يكبَرون ، ويكبَر معهم علمهم ، ويحتاج الناس إليهم ، وفيهم من الدين والتقوى والورع ما يحجزهم أن يروا أنفسهم شيئا ، حتى يراهم من هو خير منهم ، ويشهد على ذلك .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أن العلماء هم أهل الخشية : يقول الله سبحانه وتعالى –

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [ فاطر : الآية 28] .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أن العلماء أبصر الناس بالشرور ، كما قال الله سبحانه وتعالى – :

﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ ﴾ [ النحل : الآية 27] ، حيث أبصروا ما لم يبصره غيرهم .

وقال الله سبحانه وتعالى – لما ذكر قارون :

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ [ القصص : الآية 79 – 80 ] .

ومن صفات أهل العلم والعلماء :  أن العلماء هم أهل الفهم عن الله – عز وجل – ولذلك يقول – سبحانه وتعالى – ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : الآية 43] .

ومن صفات أهل العلم والعلماء : أن العلماء هم ورثة الأنبياء : ومن ذلك قول رسوله – صلى الله عليه وسلم – :

« مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِى فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِى الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » رواه الترمذي  

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

  الخطبة الثانية ( من هم العلماء ؟ ، وما هي مكانتهم ؟)

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين   

 أما بعد  أيها المسلمون 

والعلماء لهم حق كبير على الناس ، وكيف لا ، وقد نزل في شأنهم وَحْي يُتلى إلى يوم القيامة ، قال الله – عز وجل – : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [ النساء : الآية 59] ،

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أولي الأمر في هذه الآية هم العلماء ،

ويجب التنبيه إلى أن طاعة العلماء ليست مقصودة لذاتها ، وإنما هي تبع لطاعة الله وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – .

وقد أوجب الله – عز وجل – الرجوع إليهم عند طلب العلم ، فقال الله تعالى –

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل : الآية 43] .

والعلماء عظم الله قدرهم دون غيرهم ، وأشهدهم على أعظم مشهود ، حيث قال – سبحانه وتعالى – ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [  آل عمران : الآية 18]

فقرن أهل العلم في الشهادة على أعظم شهادة ، وهي توحيده – سبحانه وتعالى – .

ونفى الله – عز وجل – التسوية بين العالم وغير العالم فقال الله سبحانه –

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [  الزمر : الآية 9] .

وعن بيان  مكانة العلماء : يقول الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في مقدمة كتابه “الرد على الجهمية” كلاما نفيسا في مكانة أهل العلم فكان مما قال :

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون مَن ضَلّ إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يُحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحْيَوه ، وكم من ضالّ تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس )

وبقاء أهل العلم سبب للاهتداء والنجاة بحول الله وقوته ، فعن أبي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه قال : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَالَ :

+« هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ ، حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ » .

فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ : كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ ، فَوَاللهِ لَنَقْرَأَنَّهُ ، وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا ،

فَقَالَ : « ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ ، إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ »

قَالَ جُبَيْرٌ : فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، قُلْتُ : أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، إِنْ شِئْتَ لأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ : الْخُشُوعُ ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعًا) . رواه الترمذي.

فالناس في أمس الحاجة إلى العلماء في كل آن ، وفي كل حين ، يقول الإمام أحمد – رحمه الله – :

الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الطعام والشراب يحتاج المرء إليه في اليوم مرتين أو ثلاثة ، وأما العلم فيحتاج إليه في كل وقت .

  الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ