بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ” إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ “
رسالتنا في هذا الموقع : الدعوة إلى الله **** فقد أرسل الله رسله مبشرين ومنذرين، **** وختمهم بأشرف الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، **** بعثه بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً،**** أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومناراً للسالكين، وحُجة على الخلق أجمعين،**** به أتم الله النعمة، وكمُلت به على الأمة المنة، واستبانت معالم الملة، **** فقامت به الحجة، ووضُحت به المحجة، **** دعا إلى الله على بصيرة، وجعل هذا نهجه ونهج أتباعه من بعده، **** كما قال سبحانه: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يوسف:108]. **** فقد أوضحت هذه الآية العظيمة أن رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأتباعه من بعده تتلخص في كلمة واحدة هي: الدعوة إلى الله .**** فنحن دعاة إلى الله ، وهذا الدين هو رحمة للعالمين، **** وأجر كل داع إليه بحسب سعة نيته، **** وقد قام صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله وعبادة الله، مبتدئاً بنفسه، **** ثم أهله، ثم عشيرته الأقربين، ثم قومه، ثم أهل مكة وما حولها، ثم العرب قاطبة، ثم الناس كافة **** فعلى كل داع إلى الله : أن يتعلم الوحي….. وأن يعمل به….. وأن يعلِّمه الناس….. وأن يقيم الناس عليه. **** فالدين خطوتان: خطوة للعبادة، …وخطوة للدعوة، **** وحركة في إصلاح النفس، ….وحركة في إصلاح الغير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.********
تمت إضافة مجموعة من الخطب الجديدة والمتميزة بالموقع خلال هذا الأسبوع
الأخوة الأفاضل ، والأبناء الأعزاء / زوار الموقع من الأئمة والخطباء … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … نرجو التكرم بإحاطة إدارة الموقع علما بأي ملاحظات تجدونها ..أو ترغبون فيها .. وذلك عن طريق الإتصال ( بايميل الموقع ..أو بالمحادثة ..أو صفحة الموقع على الفيس والمدون رابطها أسفله ) .. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
إخواني وأبنائي / يحتوي الموقع على كل الخطب التي تبغونها ..وعلى من لم يجد بغيته منها الاتصال بالموقع ليرشده إلى عنوان الخطبة التي يطلبها أو يبحث عنها ..وهدفنا خدمتكم ،وتيسير الوصول لمبتغاكم ..والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل .
قال الله تعالى : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) **** وقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا » **** وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِكَ **** قَالَ صلى الله عليه وسلم : « طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي **** ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِى » **** ومن أقوال الحكماء : **** لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال ، فتظلموها ، **** ولا تمنعوها أهلها، فتظلموهم ، **** وقالوا : « طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ ، **** وَذَلَّ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْكَنَةٍ **** وَأَنْفَقَ مَالاً جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ **** وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وْالْمَسْكَنَةِ **** وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ **** طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ **** وَطَابَ كَسْبُهُ **** وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ **** وَحَسُنَتْ عَلاَنِيُتُهُ **** وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ **** طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ **** وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ **** وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ ».**** وقالوا : ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان **** من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل **** ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق **** ومن إذا قدر لم يأخذ ما ليس له **** وقالوا : (أربعة يسود بها المرء : الأدب .. والعلم .. والعفة .. والأمانة ) ****وأربعة تؤدى إلى أربعة : الصمت إلى السلامة **** والبر إلى الكرامة **** والجود إلى السيادة ****والشكر إلى الزيادة **** وقالوا : (القلوب أوعية الأسرار**** والشفاه أقفالها ****والألسن مفاتيحها**** فليحفظ كلٌّ منكم مفاتيح سرِّه) **** وقال حكيم لابنه: **** (يا بني : كن جوادًا بالمال في موضع الحقِّ**** ضنينًا بالأسرار عن جميع الخلق**** فإنَّ أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البرِّ**** والبخل بمكتوم السرِّ) ****وقال أحدهم : كلما أدبني الدهر أراني ضعف عقلي**** وكلما ازددت علما زادني علما بجهلي **** لا يحمل الحقد من تسمو به الرتب **** ولا ينال العلا من طبعه الغضب ****وقال آخر : قالوا سَكَتَ وقد خُوصِمت قلت لهم ****ان الجواب لباب الشر مفتاح ****الصمت عن جاهلٍ أو احمقٍ شرف **** فيه لصون العرض اصلاح ****أما ترى الأسود تُخشى وهي صامتةٌ ****والكلبُ يُخسى وهو نباحُ **** وقال حكيم : المال خادمٌ جيد **** لكنه سيدٌ فاسد **** وقال رجل لأحد الحكماء : **** قد خطب ابنتي جماعة فلمن أزوجها ؟ **** قال : ممن يتقي الله **** فإن أحبها أكرمها **** وإن أبغضها لم يظلمها ****وقال الإمام الشافعي ( رحمه الله ) : **** من تعلم القرآن عظمت قدرته **** ومن تكلم الفقه نمى قدره **** ومن كتب الحديث قويت حجته **** ومن نظر في اللغة رقّ طبعه ****ومن نظر في الحساب جزل رأيه **** ومن لم يصن نفسه , لم ينفعه عمله **** وقيل لأحد الحكماء : أي أولادك أحب إليك ؟ قال: **** صغيرهم حتى يكبر ****,ومريضهم حتى يبرأ **** وغائبهم حتى يحضر ****وقال بعض الحكماء : ****إذا رأيت من أخيك عيباَ فإن كتمته عنه فقد خنته **** وإذا قلته لغيره فقد اغتبته **** وإن واجهته به أوحشته **** فقيل كيف نصنع ؟ **** فقال: تكنّى عنه ، وتعرّض به في جملة الحديث **** وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه : أخبروني من أحمق الناس ؟ **** قالوا: رجل باع آخرته بدنياه **** فقال لهم عمر: ألا أخبركم بمن هو أحمق منه ؟،**** قالوا : بلى **** قال: رجل باع أخرته بدنيا غيره *********
خطبة عن (مواقف من حياة الصحابة ) 2
14 أكتوبر، 2017
خطبة عن(الجنة: إنها حلم المؤمنين ،وموعود الصادقين ،ودار المتقين )
14 أكتوبر، 2017
جميع الخطب

خطبة عن (مواقف من حياة الصحابة ) 1

الخطبة الأولى ( مواقف من حياة الصحابة ) 1
الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والإيمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون

يقول الله تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين :
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح:29]،
وروى مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ
وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ
وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِى مَا يُوعَدُونَ ».

إخوة الاسلام

إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هم – أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً ، وأحسنهم خلقاً
واليوم إن شاء الله نريد أن نقترب من أولئك الرجال الأبرار ، لنستقبل فيهم أروع نماذج البشرية ، ولنرى في سيرتهم اسمى ما عرفت البشرية من عظمة ونبل ورشاد
نقترب منهم لنرى إيمانهم ، وثباتهم ، وبطولاتهم ، وولاءهم لله ورسوله
لنرى البذل الذي بذلوا ، والهول الذي احتملوا ، والفوز الذي أحرزوا
نرى الدور الجليل الذي نهضوا به لتحرير البشرية كلها من وثنية الضمير ، وضياع المصير ، حقا ، إنهم فتية آمنوا بربهم ، فزادهم الله هدى
وإن المتأمل لسيرتهم – رضوان الله عليهم – لا يكادُ عجبُهُ ينقضي من عَظَمةِ هؤلاء الصحابة وروعة سيرهم وتعدد مناقبِهِم وفضائلِهِم من خشيتهم لله -جلَّ وعلا- إلى جدٍّ في العبادة وزهدٍ في الدنيا وعدلٍ بين الرعية ومن رحمةٍ للضعيف ونصرةٍ للمظلوم إلى شدّةٍ في الحقِّ وأخذٍ على يدِ الظالم .
وحديثنا اليوم إن شاء الله عن مواقف من حياة الصحابة ، لنجد في مواقفهم وسيرتهم المثل العليا ، والقدوة والأسوة الطيبة

والموقف الأول في لقائنا اليوم يقصه علينا ( أسلم) مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فيقول:
” خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرَّة “واقم” حتى إذا كان بـ “صرار” [اسم مكان] إذا نار، فقال: يا أسلم، إني لأرى ههنا ركبًا قصَّر بهم الليلُ والبردُ ، انطلق بنا،
فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأةٌ معها صبيان، و قِدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون [أي يبكون]
فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، وكره أن يقول: يا أصحاب النار. فقالت: وعليك السلام، فقال: أَدْنُو؟
فقالت: ادْنُ بخير أو دَعْ. قال: فدنا، وقال: ما لكم؟ قالت: قصَّر بنا الليلُ والبردُ.
قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع. قال: فأي شيء في هذه القدر؟
قالت: ماء، أُسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر
قال: رحمك الله. وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا ؟
قال: فأقبل عليّ، فقال: انطلِقْ بنا ، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عِدلا من دقيق، وكُبّة شحم، فقال: احمله عليّ [أي ارفعه على ظهري] ، فقلت: أنا أحمله عنك,
فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك ، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها:
ذرِّي [أي انثري] عليَّ وأنا أُحَرِّك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، ثم أنزلها
فقال: ابغني شيئًا [أي ابحثي لي عن شيء] ، فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أَسْطَح لهم (أَي أَبْسُطه حتى يَبْرُدَ) فلم يزل حتى شبعوا ، وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه،
فجعلت تقول: جزاك الله خيرا، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين
فيقول: قولي خيرًا، إذا جئت أمير المؤمنين، وجدتني هناك- إن شاء الله-
ثم تنحى عنها ناحية، ثم استقبلها فربض مربضًا [أي جلس مجلساً]
فقلتُ: إن لك شأنًا غير هذا. فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون، ثم ناموا وهدأوا.
فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت

أيها المسلمون

أما الموقف التالي من المواقف الخالدة في حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو للصحابي (عبدالله بن حذافة ) مع ملك الفرس( كسرى ) :
ففي السنة السادسة للهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعة من أصحابه بكتب إلى ملوك الأعاجم يدعوهم فيها إلى الإسلام.
فجمع الرسول -عليه الصلاة والسلام- أصحابه، وقام فيهم خطيباً:
فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال:
(أما بعد: فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا علي كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم).
فما كان من أصحابه إلا أن قالوا: نحن يا رسول الله نؤدي عنك ما تريد، فابتعثنا حيث شئت

فاختار عليه الصلاة والسلام ستة منهم ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم،
وكان أحد هؤلاء الستة الصحابي (عبدالله بن حذافة السهمي) ، وقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل رسالته إلى ملك الفرس: كسرى .
فتجهز عبدالله بن حذافة وجهز راحلته، وودع صاحبته وولده، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد ، وتحطه الوهاد ؛ وحيدا فريداً ليس معه إلا الله، حتى بلغ ديار فارس، فاستأذن بالدخول على ملكها، وأخبر حاشية الملك وأعوانه بالرسالة التي يحملها له.
عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزُيِّن، ودعا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا،
ثم أذن لعبدالله بن حذافة بالدخول عليه.

فلما دخل عبدالله بن حذافة على سيد فارس مشتملاً شملته الرقيقة، مرتدياً عباءته الصفيقة ، وعليه بساطة الأعراب، ولكنه كان عالي الهامة ، مشدود القامة، تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام، وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان.
فما إن رآه كسرى مقبلاً حتى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده

فقال عبدالله: لا، إنما أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أدفعه لك يداً بيد، وأنا لا أخالف أمراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده، ثم دعا كسرى كاتباً عربياً من أهل الحيرة ، وأمره أن يفضّ الكتاب بين يديه، وأن يقرأه عليه فإذا فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى…”.

فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار حتى اشتعلت نار الغضب في صدره،فاحمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه ؛ لأن الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدأ بنفسه..فجذب الرسالة من يد كاتبه، وجعل يُمزقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح:
أيكتب لي بهذا، وهو عبدي؟ ثم أمر بعبدالله بن حذافة أن يخرج من مجلسه فأخرج.

خرج عبدالله بن حذافة من مجلس كسرى، وهو لا يدري ما يفعل به. أيقتلُ أم يترك حراً طليقاً؟ ، لكنه ما لبث أن قال:
والله ما أبالي على أي حال أكون بعد أن أديت كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وركب راحلته وانطلق.

ولما سكت عن كسرى الغضب أمر بأن يدخل عليه عبدالله فلم يوجد. فالتمسوه فلم يقفوا له على أثر.. فطلبوه في الطريق إلى جزيرة العرب فوجدوه قد سبق.
فلما قدم عبدالله على النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه الكتاب،
فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال: (مزّق الله ملكه).

أما كسرى فقد كتب إلى “باذان” نائبه على اليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي ظهر بالحجاز رجلين جلدين من عندك، ومرهما أن يأتياني به..
فبعث “باذان” رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحملهما رسالة له، يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كسرى دون إبطاء..
وطلب إلى الرجلين أن يقفا على خبر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأن يستقصيا أمره، وأن يأتياه بما يقفان عليه من معلومات.

خرج الرجلان يواصلان السير حتى بلغا الطائف، فوجدا رجالاً تجاراً من قريش، فسألاهم عن محمد -عليه الصلاة والسلام- فقالوا:
هو في يثرب، ثم مضى التجار إلى مكة فرحين مستبشرين، وجعلوا يهنئون قريشاً ويقولون: قروا عيناً؛ فإن كسرى تصدى لمحمد وكفاكم شره.

أما الرجلان فيمما وجهيهما شطر المدينة حتى إذا بلغاها لقيا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودفعا إليه رسالة: “باذان” وقالا له:
“إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا “باذان” أن يبعث إليك من يأتيه بك… وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه، فإن أجبتنا كلمنا كسرى بما ينفعك، ويكف أذاه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك وإهلاك قومك..

فتبسم الرسول –عليه الصلاة والسلام- وقال لهما: (ارجعا إلى رحالكما اليوم وأتيا غداً).
فلما غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي، قالا له: هل أعددت نفسك للمضي معنا إلى لقاء كسرى؟

فقال لهما النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لن تلقيا كسرى بعد اليوم. فلقد قتله الله، حيث سلط عليه ابنه (شيرويه) في ليلة كذا.. من شهر كذا..).
فحدقا في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبدت الدهشة على وجهيهما، وقالا: أتدري ما تقول؟! ، أنكتب بذلك “لباذان” ؟
قال: (نعم، وقولا له: إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى، وإنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك).

فخرج الرجلان من عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقدما على “باذان” وأخبراه الخبر، فقال:
لئن كان ما قاله محمد حقاً فهو نبي، وإن لم يكن كذلك فسنرى فيه رأيا..
فلم يلبث أن قدم على “باذان” كتاب “شيرويه” وفيه يقول:

أما بعد فقد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا انتقاما لقومنا، فقد استحل قتل أشرافهم، وسبي نسائهم، وانتهاب أموالهم،
فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن عندك.
فما إن قرأ “باذان” كتاب “شيرويه” حتى طرحه جانباً وأعلن دخوله في الإسلام، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن.

أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية ( مواقف من حياة الصحابة ) 1
الحمد لله رب العالمين .. اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والإيمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون

أما الموقف التالي من مواقف الصحابة الخالدة ، فكان لنفس الصحابي (عبد الله بن حذافة) ولكنه بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وفي خلافة أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب رضي الله عنه )
ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشاً لحرب الروم فيه عبدالله بن حذافة السهمي..
وكان قيصر عظيم الروم قد وصلت إليه أخبار جند المسلمين وما يتحلون به من صدق الإيمان، ورسوخ العقيدة، واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله. فأمر رجاله -إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين- أن يبقوا عليه، وأن يأتوا به حياً..

وشاء الله أن يقع عبدالله بن حذافة السهمي أسيراً في أيدي الروم، فحملوه إلى ملكهم وقالوا:
إن هذا من أصحاب محمد السابقين إلى دينه قد وقع أسيراً في أيدينا، فأتيناك به.
فنظر عظيم الروم إلى عبدالله بن حذافة طويلاً ثم بادره قائلاً:
إني أعرض عليك أمراً ، قال: وما هو؟. فقال: أعرض عليك أن تتنصر .. فإن فعلت خليت سبيلك، وأكرمت مثواك.

فقال الأسير في أنفة وحزم: هيهات.. إن الموت لأحبّ إلي ألف مرة مما تدعوني إليه.
فقال قيصر: إني لأراك رجلا شهماً.. فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك أشركتك في أمري، وقاسمتك سلطاني.

فتبسم الأسير المكبل بقيوده، وقال: والله لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت
قال: إذن أقتلك. قال : أنت وما تريد . ثم أمر به فصُلب، وقال لقناصته -بالرومية- ارموه قريباً من يديه، وهو يعرض عليه التنصر فأبى. فقال:
ارموه قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى.

عند ذلك أمرهم أن يكفوا عنه، وطلب منهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب، ثم دعا بقدر عظيمة فصُب فيها الزيت، ورفعت على النار حتى غلت، ثم دعا بأسيرين من أسارى
المسلمين، فأمر بأحدهما أن يلقى فيها فألقي، فإذا لحمه يتفتت، وإذا عظامه تبدو عارية..
ثم التفت إلى عبدالله بن حذافة ودعاه إلى النصرانية، فكان أشدّ إباءً لها من قبل.
فلما يئس منه؛ أمر به أن يُلقى في القدر التي ألقي فيها صاحباه، فلما ذهب به دمعت عيناه،

فقال رجال قيصر لملكهم: إنه قد بكى.. فظن أنه قد جزع، وقال: ردوه إليّ، فلما مثُل بين يديه عرض عليه النصرانية فأباها،
فقال: ويحك، فما الذي أبكاك إذا؟
فقال: أبكاني أني قلتُ في نفسي: تُلقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس فتُلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله.

فقال الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟. فقال له عبدالله: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً؟.
قال: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً.
قال عبدالله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله، أقبل رأسه فيخلي عني وعن أسارى المسلمين جميعاً، لا ضير في ذلك عليَّ. ثم دنا منه وقبّل رأسه، فأمر ملك الروم أن يجمعوا له أسارى المسلمين، وأن يدفعوهم إليه فدفعوا له.

فلما قدم عبدالله بن حذافة على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وأخبره خبره، فسُّر به الفاروق أعظم السرور، ولما نظر إلى الأسرى قال:
حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبدالله بن حذافة.. وأنا أبدأ بذلك.. ثم قام عمر وقبل رأسه
ولنا مع مواقف من حياة الصحبة لقاء آخر إن شاء الله
الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ