خطبة عن (الحج – دروس وعبر )
28 يوليو، 2018
خطبة عن ( ترك فريضة الحج مع الاستطاعة من كبائر الذنوب)
28 يوليو، 2018
جميع الخطب

خطبة عن نداء التوحيد (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ )

  الخطبة الأولى (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ )

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

 أما بعد  أيها المسلمون 

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) (27)، ( 28 ) الحج

وروى أبو داود في سننه عن جابر قال : (فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالتَّوْحِيدِ

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

إخوة الإسلام

يبدأ الحاج نسكه بعد احرامه بهذه الكلمات :

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

إنها كلمات رائعة .. كلمات  فيها إسلام واستسلام …. فهي تعني استجابة متكررة لخالق عظيم رحيم .. لبيك استسلاما وخضوعاً وانقيادا لك يا رب ..

وهي تلخص لكل ما في الفريضة من معانٍ ودلالات .. وهى تلبية واستجابة لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام :-

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) الحج 27  

فكانت إجابة البشر من مشارق الأرض ومغاربها طلباً لمرضات الله واستجابة لندائه ..

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

وقد ورد في فضلها الكثير والكثير ..فمن فضل التلبية أن أجرها عظيم :- فعَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ « الْعَجُّ وَالثَّجُّ ». رواه الترمذي  

ويقول الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغنى حول هذا :-

( ومعنى العج :- رفع الصوت بالتلبية .. والثج: إسالة الدماء بالذبح والنحر… )

 

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى إِلاَّ لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ». رواه الترمذي

 

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ». رواه أحمد  

وفي سنن الترمذي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلاَلِ وَالتَّلْبِيَةِ »..

– وقال النبي صلى الله عليه وسلم :- ( ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بُشِّرَ ، قيل يا رسول الله :- بالجنة ؟ .. قال :- نعم ) رواه الطبراني  

أيها المسلمون

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

من كلام الإمام ابن القيم في معناها :- ( أنها تتضمن الخضوع والذل , أي خضوعاً بعد خضوع .. أنا ملب بين يديك , أي خاضع ذليل ) ‏..

وقال 🙁 أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله , وأول من يدعى إلى الجنة أهله , وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها ) ‏..

وقال :- ( أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده , فلا ملك على الحقيقة لغيره ) ..

وكتب مصطفى مشهور :- ( التلبية وما تحمل ألفاظها من معاني الاستجابة لداعي الله وما فيها من تنزيه عن الشرك وأن الحمد له وحده والنعمة والملك له وحده ، ثم إن تكرارها باللسان وانشغال القلب بها فيه تأكيد وتثبيت لمعاني الإيمان والتوحيد والشعور بفضل الله وفقرنا إليه ) ..

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

لقد كان سلفنا الصالح يعيش مع هذا النداء الرباني بكل جوارحهم ،ويستشعرون أثناء ترديده ما فيه من معاني ودلالات ، يستشعرون العظمة التي فيه .. فبها يقدمون على عبادة يرجون من خالقهم قبولها ويخافون من ردها .. فتراهم تتغير ألوانهم ، وترتعد فرائصهم خوفاً ووجلاً من عدم القبول.

– كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا أحرم لم يتكلم في شيء من أمر الدنيا حتى يتحلل من إحرامه.

– وقال سُفيان بن عُيينَة :- حَجَّ عليُّ بن الحسين فلما أَحْرَم واسْتَوتْ به راحلته اصْفَرَّ لَونُه وانْتَفَضَ ووَقَعَتْ عليه الرَّعْدَة ولم يستطع أن يُلَبِّي ، فقيل له :- لِمَ لا تُلَبِّي ؟ ..

فقال :- أخشى أن يُقال لي :- لا لبيك ولا سعديك ، فلمَّا لَبَّى غُشِي عليه ووَقَع من على راحلته فلم يزل يَعتَرِيه ذلك حتى قضى حجَّه . 

– وكان شريح رحمه الله إذا أحرم كأنه حيّة صماء من كثرة الصمت والتأمل والإطراق لله عز وجل

– ولما حَجَّ جعفر الصادق أراد أن يُلبِّي فتغيَّر وجهه ، فقيل له :- مَا لك يا حفيد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .. فقال :- أريد أن أُلَبِّي وأخاف أن أسمع غير الجواب

 « لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

فإن الحاج يشعر وهو يلبي بترابطه مع سائر المخلوقات حيث تتجاوب معه في عبودية الله وتوحيده .

 أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

 

  الخطبة الثانية (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ )

 الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

 أما بعد  أيها المسلمون 

والتلبية وهي شعار الحج – فهي توحيد صريح؛ لأنها تتضمن التصريح بإجابة الله وحده ونفي الشريك عنه والثناء عليه بأن الحمد والنعمة والملك لله وحده لا شريك له، وفي ذلك براءة من تخليط المشركين وتنقصهم لرب العالمين، حيث كانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك). فيشركون في التلبية ويجاهرون بالشرك. ومن أجل ذلك جاء شعار الحج التوحيد الصريح:

« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ »

ففي مسند أحمد (قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-

« إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْىُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».

فجميع هذه الشعائر المعظمة والمشاعر المحترمة إنما تقصد على وجه التعبد لله تعالى، والتقرب إليه سبحانه بما شرع من النسك فيها،

والحج توحيد كله في مقاصده وأذكاره وأعماله، فأهم شروط قبوله أن يبتغي به وجه الله تعالى؛ ذلك لأن الإخلاص شرط لقبول جميع العبادات، قال الله تعالى:

{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97].

وقال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].

فمن جمع بين الإخلاص في القصد واتباع السنة في الكيفية فقد جمع أسباب القبول والمثوبة، قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112].

ومن مقاصد الأذان بالحج أن يأتي الناس من كل جهة رجالاً وركبانًا ليشهدوا منافع لهم، ومن ذلك ذكرهم الله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات والمعدودات ؛ فإن النسك من أعظم مظاهر التوحيد والعبودية لله تعالى من العبيد، وقد جعل الله تعالى النحر قرين الصلاة، وأثنى به على المؤمنين؛ لأنه من أجلِّ الأعمال الصالحات. وبهذا يتجلى أن الحج توحيد كله وجهاد من أجل توحيده

  الدعاء

حامد ابراهيم
حامد ابراهيم
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ