خطبة عن (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ)
أبريل 9, 2026الخطبة الأولى ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (27) الرعد
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع هذه الآية الكريمة من كتاب الله العزيز ،نتلوها ،ونتدبرها ،ونتأمل معانيها ،ونسبح في بحار مراميها ،ونرتشف من رحيقها المختوم ،وقد جاء في (التفسير الميسر) أنه : يقول الكفار عنادًا: هلا أُنزل على محمد معجزة محسوسة كمعجزة موسى وعيسى. فقل لهم يا محمد : إن الله يضل مَن يشاء من المعاندين عن الهداية ولا تنفعه المعجزات ،ويهدي إلى دينه الحق مَن رجع إليه وطلب رضوانه. وفي تفسير (الوسيط لطنطاوي) يقول إن المعنى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم : إن الله – تعالى – يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه – سبحانه – ورجع إلى الحق الذى جاء به رسوله – صلى الله عليه وسلم – بقلب سليم ،وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد .فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التي أعطاها الله – تعالى – لرسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى رأسها القرآن الكريم الذى هو آية الآيات ، وحض لهم على الإِقلاع عما هم عليه من العنو والعناد .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) قوله (قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ) ؟ قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التي أوتيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية . فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعاً للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ( ويهدي إِلَيْهِ مَنْ ) كان على خلاف صفتكم (أَنَابَ) أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير
أيها المسلمون
إن الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، فالقلوب ليست بأيدينا، ،وإنما القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث يشاء ،ففي صحيح مسلم : (أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ».
ولا بد أن نعلم أن هنالك سننا تحكم الناس، وقد رأينا أناسًا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يتَّضح لهم الحق ومع هذا يكفرون، من بعد ما تبيَّن لهم الحق، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل:14]، فبعد البيان يضلُّ الله مَنْ يشاء ويهدي من يشاء. وقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فبعض الناس يريد أن يجعل من مثل هذه الآيات دليلاً على الجبْر، ودليلا على أن الإنسان مُسيَّر لا مُخيَّر، وأنه مجبورٌ لا مُختار، وأنَّ الله هو الذي يضل ويهدي وأن الهداية بيده، وهذا الكلام ليس صحيحًا، إنَّما الهداية من الله، إنه يعطي نَفَحات لمن يشاء، ولكنه وضَّح للجميع الحق، وأقام الحُجَّة، وأبْطَلَ التَّعِلاتَّ والأعذار، ليس لأحد أن يقول: أنا لم أعرف الحقيقة، لا، بل عرفت وكل شيء كان أمامك، كل شيء كان واضحًا. ما الذي منعك من الإيمان كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق:20 -21] ،وقال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء:39] ،وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الحديد:8] ،
فالأمور واضحة، فقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ليست معناها: أنَّ الأمر فيه جَبْر أو اختيار، بل الأمر مَوْكولٌ إلى إرادة الإنسان واختياره، قال الله تعالى : {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام:104]، وقال الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء:15]، وقال الله تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. فالإضْلال والهداية بحَسَب ما في النفوس كما قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة:26 – 27] ، وقال الله تعالى : {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد:27]، وقال الله تعالى : {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13].
فهنالك إذن استعدادات في النفوس تأتي الهداية والإضلال بحسبها ،فالذي يشاء هو الله عزَّ وجل، {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}، أي: الله يُضِلُّ مَنْ يشاء له الضلالة، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي: له الهداية، ولكن الهداية والضلالة تأتي وَفْق سُنن الله. قال الله تعالى : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (8) :(10) الشمس ، فالله سبحانه وتعالى قد أعطاك المشيئة والإرادة في كل شئون حياتك حتى الإيمان بالله فأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلنها صريحة واضحة فقال عز وجل. (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ( الكهف: 29) ،ولم يجبرك على اختيارك، بشرط أن تتحمل نتيجة اختيارك ،فالجنة للمؤمن، والنار للكافر، قال الله تعالى 🙁 إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) (الكهف: 29- 31) ،
فالاختيار بين أن يسلك الإنسان طريق الخير أو الشر بيد الإنسان كما جاء في الآيات الكريمة: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} (يونس: 108)، فإن إضلال الله لشخص في قوله تعالى ( يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ) معناه: إن هذا الشخص آثر الغي على الرشاد, فأقره الله على مراده, وتمم له ما ينبغي لنفسه . قال الله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (الصف: 5)، وكذلك الحال في ( َيَهْدِي من يشاء): ( أي من أراد الهدى من الناس فإن الله يهديهم بناء على اختيارهم طريق الهدى. وأنظر قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) ( محمد: 17)، وانظر إلى قيمة الإرادة الإنسانية في قول الحق وهو يتكلم عن إرادته: ( قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ( الرعد: 27-28ا).
فالله سبحانه وتعالى معنا في خيارنا سواء للخير أو العكس ، فباختيارك ، ونيتك، وسعيك لما تريد يكن الله معك فيه، سواء للخير، أو عكسه.، قال الله تعالى : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (4) :(10) الليل ، والله تعالى يسرع إليك كلما هممت بالقرب منه، ففي الصحيحين : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
وقد قسم العلماء الهداية إلى نوعين :القسم لأول : هداية دليل وإرشاد. بمعنى أن الله تعالى يبين الطرق ويدل عليه وعلى الإنسان الاختيار بين أن يقبل أو يرفض. قال الله تعالى : {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } (17) فصلت. مما يعني أن الهداية هي بيان وإرشاد للحق. قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) [محمد : 25]،
أما القسم الثاني : هداية زيادة وفضل ومعونة. قال الله تعالى :{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} (17) محمد ،فالله تعالى يبين الطريق إلى صراطه المستقيم، ومن يأخذ بهداية الدلالة يزده الله بهداية المعونة والزيادة.
الدعاء
