خطبة عن «أَحْكَامُ السَّهْوِ وَيُسْرُ الشَّرِيعَةِ»
أكتوبر 16, 2026الخطبة الأولى ( طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِى الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِى الأَرْبَعَةَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام مسلم في صحيحه : (أن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ :سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ :« طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِى الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِى الأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِى الثَّمَانِيَةَ ».
إخوة الإسلام
إن المتأمل والمتدبر لهذا الأدب النبوي الكريم ،يتبين له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشدنا فيه إلى آداب متعددة ،وخصال حميدة ، ففي الحَديثِ : يُرشِدُنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الاجتِماعِ على الطَّعامِ؛ لِمَا فيه مِن بركةٍ عظيمةٍ ،تَجعلُ مِنَ القليلِ كثيرًا، فَينمُو الطَّعامُ ،ويَزدادُ حِسًّا ومعنًى، وتَتضاعفُ قُواه الغذائِيَّةُ، ويَكفي القليلُ منه الكثيرَ؛ فَيكفي طعامُ الواحدِ الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ، فالحديث يؤخذ منه أنَّ الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة». قال ابن القيم ؒ: «وللتسمية في أول الطعام والشـراب، وحمد الله في آخره، تأثيرٌ عجيب في نفعه واستمرائه، ودفع مضـرته، قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحُمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِل» ، وقد حث الإسلام على التعاضد والتكافل بين المسلمين ،ومن ضمن ذلك في الاجتماع على تناول الطعام. ففي ذلك : اختفاء الفوارق، فقد جمعت المائدة بين الغني والفقير وفي الاجتماع على الطعام : شيوع البركة وذلك لمراعاة آداب الطعام: من ذكر لله وتسمية في أوله، ومن حرص الإنسان على أن يأكل مما يليه، ففي ذلك شعور بالشبع وإن قل الطعام، فلا مجال للشيطان ليزاحمهم على الطعام ،وفي الاجتماع على الطعام : فيه صورة من صور الود والتراجم والتعاطف
أيها المسلمون
والحديث يرشدنا أيضا إلى : إطعام الطعام : فإطعام الطعام له فضائل جمة؛ ومنها: إنه خير الأعمال: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (متفق عليه). وقال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ،أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ،أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا» (صحيح الجامع) ،واطعام الطعام خير الناس من يقوم به: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ» (رواه أحمد)،واطعام الطعام له أجر جزيل عند الله: ففي مسند الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ». ،وفي اطعام الطعام : قربة من الله: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» (رواه مسلم) ،واطعام الطعام : له أجر مضاعف مدخر عند الله: ففي سنن الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا». ،واطعام الطعام : به تنال معونة الله: فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما فزع من جبريل عليه السلام في الغار قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ رضي الله عنها: “كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ” (رواه البخاري ومسلم). ، وفي اطعام الطعام : النجاة من أهوال يوم القيامة: قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً} [الإنسان:8-11].
والسؤال : ماذا نطعم؟ ،والجواب : نطعم كل ما يؤكل وينتفع به، ومن إطعام الطعام سقي الماء، فالماء طعام لقول الله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة:249]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَاءٍ» (رواه البيهقي).
والسؤال الآخر : من نطعم؟ ،فقد ورد في القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:27-28]. وقوله في السورة نفسها: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:369 ]. ، وأن تتعاهد جيرانك بالطعام ، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر صلى الله عليه وسلم : «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» (رواه مسلم). وعند الطبراني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ». ، كما يُعنى الإنسان بإكرام الضيف ،بتقديم أطيب ما عنده من الطعام، فهذا من الإيمان. واللقمة في في امرأتك لك بها أجر. ،كما حضنا ديننا على إطعام المسكين. ومن أطعم صائما ففطره فله مثل أجره. وبالجملة ففي كل كبد رطبة أجر، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أنزع في حوضي، حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته، فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فِي كُلِّ ذات كَبِدٍ أَجْرا» (رواه أحمد، وصححه الألباني). وفي إحياء علوم الدين للغزالي: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق
ومن ثمرات إطعام الطعام؛ دخول الجنان، والفوز بالرضوان، ففي سنن الترمذي : (عَنْ عَلِىٍّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا ». فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « لِمَنْ أَطَابَ الْكَلاَمَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ».
أيها المسلمون
ومما يرشد إليه هذا الحديث النبوي الكريم : أنه يحثنا على الإيثار والمواساة، وأن الإنسان حينما يكون عنده شيء من الطعام أولاً ينبغي أن يعلم أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وأن طعام الاثنين يكفي الأربعة، فإذا علم ذلك فإنه لا يضن بما في يده من جهة فيمسك، فهذا الطعام الذي لك يكفي لآخر، هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى: أن الإنسان لا يتقالّ ما يبذله ويقدمه، فإن ذلك يبارك الله تعالى فيه، فيواسي غيره من المحتاجين بما يستطيع، ولو كان ذلك قليلاً، فهذا الحديث يبعث النفوس على الرضا والطمأنينة، وأن يكتفي الإنسان بالقليل،
والإيثار ينشئ عن قوة اليقين والمحبة الأكيدة للمؤمنين والصَّبر على المشقَّة، وجاء في كتب السيرة : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاةٍ فقال: إنَّ أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منَّا، فبعثه إليهم فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، كُلُّ واحدٍ يأتيه الرَّأس يقول: هذا جاري أحوج مني فيرسله والجار يرسله إلى شخصٍ ثالث ورابع وهكذا حتى تداوله سبعةُ أبياتٍ حتى رجعت إلى أولئك يعني إلى الأولين فنزلت (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) ،وفي صحيح البخاري : (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا – رضى الله عنه – قَالَ دَعَا النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا لاَ وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا . فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ قَالَ « فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِى أُثْرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي » ،
وهذا سيد الخلق وخاتم النبيين وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أروع الأمثلة في الإيثار ، ففي صحيح البخاري : (عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ – رضي الله عنه – قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ – قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ فَقِيلَ لَهُ نَعَمْ ، هِيَ الشَّمْلَةُ ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا – قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا . فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – مُحْتَاجًا إِلَيْهَا . فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اكْسُنِيهَا ، فَقَالَ « نَعَمْ » . فَجَلَسَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ . فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ سَائِلاً . فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ . قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ) ،
وأما الإيثار في حياة الصحابة : قال حذيفة العَدَوي: ” انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍّ لي، ومعي شيءٌ من ماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحتُ به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك ؟ فأشار إليَّ أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي إليَّ أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك ؟ فأشار إليَّ أن نعم، فسمع به آخر فقال: آهٍ، فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين ” .
أيها المسلمون
فالإيثار خير دثار، وأفضل شعار، ودليل على رسوخ الإيمان والثقة بما عند الرحمن، وهو علامة حب المرء لإخوانه، وبرهان على سلامة النفس من دغل الأثرة والجشع والأنانية، فالمؤمن الحقيقي والمحب والصادق لإخوانه هو الذي يجود بما في يديه وهو محتاج إليه، يجوع ليشبع غيره، ويكد ليرتاح إخوانه، ويسهر لينام أحبابه، والإيثار يرفع المجتمع إلى قمة الأمن، لأن أفراده ارتفعوا عن حظوظهم الدنيوية، وآثر بها كل منهم أخاه، فهو لا يفكر في أن يستوفي حقه كاملاً فضلاً عن التفكير في الأثرة والاستبداد.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِى الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِى الأَرْبَعَةَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
وللإيثَار -وخاصة في اطعام الطعام- فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخُلُق العظيم ،ومنها: أنَّ التَّحلِّي بخُلُق الإيثَار فيه اقتداءٌ بالحبيب محمَّد صلى الله عليه وسلم ،وأنَّ المؤْثر يجني ثمار إيثاره في الدُّنْيا قبل الآخرة وذلك بمحبَّة النَّاس له وثناؤهم عليه، كما أنَّه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذِّكر، فيكون بذلك قد أضاف عمرًا إلى عمره ،والإيثَار يقود المرء إلى غيره مِن الأخلاق الحسنة والخِلال الحميدة كالرَّحمة وحبِّ الغير والسَّعي لنفع النَّاس، كما أنَّه يقوده إلى تَرك جملةٍ مِن الأخلاق السَّيِّئة والخِلال الذَّميمة كالبخل وحبِّ النَّفس والأَثَرَة والطَّمع وغير ذلك ،وأن الإيثار جالبٌ للبركة في الطَّعام والمال والممتلكات ،وأن وجود الإيثَار في المجتمع دليلٌ على وجود حس التَّعاون والتَّكافل والمودَّة، وفقده مِن المجتمع دليلٌ على خلوِّه مِن هذه الركائز المهمَّة في بناء مجتمعات مؤمنة قويَّة ومتكاتفة ،وبالإيثَار تحصل الكفاية الاقتصاديَّة والمادِّيَّة في المجتمع، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثَّلاثة، والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر مِن أسرة ليس لها بيوت تؤويها وهكذا.
الدعاء
