خطبة عن (الصَّبْرُ فِي رَمَضَانَ)
فبراير 20, 2026الخطبة الأولى ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (14) ،(15) الجاثية
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله- مع هذه الآية الكريمة من كتاب الله العزيز ، نتلوها ،ونتدبرها ،ونتفهم معانيها ،ونسبح في بحار مراميها ،ونرتشف من رحيقها المختوم ،مع قوله تعالى : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الجاثية (14)،
وفي البداية تعالوا بنا نتعرف على أقوال العلماء والمفسرين ،ففي تفسيرالقرطبي قال : ذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق ، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها (المريسيع) فأرسل عبد الله غلامه ليستقي ،وأبطأ عليه فقال : ما حبسك ؟ قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر ،فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي – صلى الله عليه وسلم – وقرب أبي بكر ،وملأ لمولاه .فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك .فبلغ عمر – رضي الله عنه – قوله ،فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله ،فأنزل الله هذه الآية .
وجاء في تفسير الطبري : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين صدّقوا الله واتبعوك, يغفروا للذين لا يخافون بأس الله ووقائعه ونقمه إذا هم نالوهم بالأذى والمكروه ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) يقول: ليجزي الله هؤلاء الذين يؤذونهم من المشركين في الآخرة ,فيصيبهم عذابه بما كانوا في الدنيا يكسبون من الإثم, ثم بأذاهم أهل الإيمان بالله.
ويقول السعدى :يأمر تعالى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون. فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابا جزيلا.
فالله تعالى يأمر عباده الصالحين بحسن الخلق و التصبر على كفر الكافرين ومعاندة المعاندين ,وهذا التصبر وحسن الخلق أدعى للابتعاد عن التنفير والصد عن سبيل الله ,وسيجمع الله الخلق مؤمنهم وكافرهم ليجزي كل نفس بما كسبت. فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم ،حتى يأتي الله – تعالى – بأمره ، الذى فيه النصر للمؤمنين ،والخسران للكافرين ،وأمر الله المؤمنين بذلك ،ليجزيهم يوم القيامة بما سكبوا في الدنيا من الأعمال الصالحة ،التي منها الصبر على أذى أعدائهم ،والإِغضاء عنهم ،واحتمال المكروه منهم
وقد قيل: أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية السيف، وذلك حين أمر الله عز وجل بالجهاد، فقال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة:5] فأمر الله المؤمنين بجهاد الكافرين، فقالوا: هذه الآية نسخت كل ما كان فيه من موادعة مع الكفار ومن متاركة وتفويت لهم، فقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا) يعني: يتركونهم كأنهم لم يسمعوا ما قالوه، وقيل: بل إذا كان يرجى من هؤلاء الإسلام فيتجاوز عنهم ليدعوا إلى الله عز وجل، وهذا المعنى صحيح، ولا ينافيه أن يكون الأمر بعموم ما نزل بعد ذلك، وهو أمر الله عز وجل المبين بأن يقاتلوا المشركين وأن يجاهدوهم في كل مكان. فقال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا) فالإنسان إذا دعا إنساناً قد يكون هذا المدعو يجادل بحق ويجادل بباطل، ولكن يرجى منه خير، فيجادل ويفوت عليه شيء، ويتنزل معه في مقام المناظرة .فإذا كان هناك مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله، سيقول: لا إله إلا الله، ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5] فقيل للمؤمنين: اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله عز وجل، بل وقال للمؤمنين: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108]
إذاً: فالمؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة، فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله سبحانه وتعالى فاصبر في وقت الدعوة إليه.
والقرآن الكريم سواء في مكة أو المدينة من أول البعثة إلي آخرها من أول آية في القران إلي آخرها لم يسلب حق الفرد في رد العدوان الواقع عليه بمثله وعندما يدعو إلي العفو والصفح والتسامح فلا يدعو بذلك إلا عند القدرة علي رد العدوان وإلا كانت الدعوة إلي العفو والتسامح عند العجز دعوة إلي الاستكانة والذلة والمهانة وهذا لا يليق بالمسلم فان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ففي سورة الشورى وهي مما نزل في العهد المكي يقول تعالي : ” وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ(41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (40) : (42) الشوري ,فالذي ينتصر بعد ظلمه، ويرد السيئة بالسيئة، دون عدوان ،ليس عليه من جناح. ولا يلام علي ذلك ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد. إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق, ثم يدعو بعد ذلك الي ضبط النفس والصبر والعفو في الحالات الفردية، وعند المقدرة على الدفع كما هو مفهوم فعندها يكون الصبر والسماحة استعلاء لا استخذاء, وتجملا لا ذلا, وهذه مبادئ ثابتة في شخصية المسلم لا يجري عليها نسخ ولا تحويل او تبديل ،فهذه الآية هي إزالة اثر ما يصدر من هؤلاء المجرمين من إهانات وإساءات من نفوس المؤمنين ،فعليهم أن يتجاوزوها ولا يشغلوا أنفسهم بها ,ولا تصبح هذه الاهانات محددات لسلوك المؤمنين نحوهم فالأصل أن ينطلق المؤمنون في حركتهم من تعليمات الوحي لا من سفاهات وبذاءات هؤلاء المنحرفين في حق المؤمنين فلا حاجة إلى ذلك لان الله سيتكفل بمجازاتهم عن ذلك وان الله كاف المؤمنين ،فتكون الآية نظيرة لقوله: ” فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (94) (95) الحجر ،وقوله تعالى : (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (89) الزخرف ، وقد كان لهذا التجاوز والمغفرة لبذاءات المنحرفين اثره في عدم إعاقة مسيرة المؤمنين في دعوتهم كما كان له أثره أيضا كما يقول السدي في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة بين المسلمين والمشركين وما ترتب عليه من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم على ما يبدونه من إعراض واستكبار واستهزاء فتتهيأ نفوسهم إلى الدخول في الدين عند زوال ممانعة سادتهم
أيها المسلمون
ومن خلال التدبر لما تحمله هذه الآية من معاني ، يتبين لنا أن الداعين إلى الله لا بد أن يمتحنوا ويبتلوا، فأمرهم الله أن يصبروا حين يبلغون دين الله عز وجل ورسالته، وأن يتحملوا الأذى في سبيل ذلك، وقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة الأذى الشديد، حتى أذن الله عز وجل له بأن يهاجر إلى المدينة. وفي المدينة كذلك تحمل أذىً شديداً من الكفار حتى أسلم الكثيرون منهم، وتحمل الأذى الشديد من المنافقين ومن أنصارهم من اليهود، فكان يصبر صلوات الله وسلامه عليه حتى أمره الله عز وجل بأن يجاهد في سبيله سبحانه، فجاهد صلوات الله وسلامه عليه، فنصر الله عز وجل دينه بجهاد نبيه وجهاد المؤمنين ،
فالداعي حين يدعو إلى الله عز وجل عليه أن يتسم بالحلم وبالصبر، يقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل:125] فإذا استجاب المدعو فلله الحمد، وإذا لم يستجب فإما أن هذا المدعو يرجى من ورائه الخير، أو لا يرجى من ورائه الخير، بل يتسبب في أذى، فالأول يصبر عليه لعله يدخل في دين الله عز وجل، والثاني الذي يؤذي الإسلام والمسلمين ،ويتعرض لدين الله عز وجل بالمنع والأذى؛ فهذا يجاهد بالسيف والسنان وبالقوة واللسان، بحسب ما يقدر عليه. فالمؤمن الذي يدعو إلى الله عز وجل ينبغي عليه ألا يؤاخذ الكافرين أو المدعوين على كل خطأ يصدر منهم، وإنما عليه أن يتغافل عنهم لعلهم يستجيبون إلى دين الله عز وجل، ويدخلون فيه. وكم من كفار كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذون المسلمين سواء في مكة أو في المدينة، ثم من الله عز وجل عليهم بعد ذلك فأسلموا لله رب العالمين سبحانه وحسن إسلامهم. فالذي يدعو إلى الله عليه أن يتحمل في سبيل الدعوة إلا أن تنتهك حرمات الله فلا صبر ولا حلم ولا انتظار، فالله قد شرع دفع المضرة من الكفار بالجهاد في سبيله سبحانه، فيكون الصبر على الشيء الذي مثله يصبر عليه، أما إذا كان شيئاً قد أوجب الدين الجهاد في سبيل الله بسببه، فإنه يجب على المسلمين أن يجاهدوا كما أمرهم الله سبحانه، وقد أمرهم أن يعدوا، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال:60].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
إن أعداء المسلمين كثيرون، وقد يكونون معروفين وقد لا يكونون كذلك، والمعروفون قد يكونون أصدقاءً للمسلمين، أو معهم في ديارهم، ويظهرون لهم المحبة، ولكن الله أعلم بما في قلوبهم، وأنها ليست مع المسلمين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر، ولذلك حذر الله عز وجل نبيه وحذر المؤمنين من المنافقين، الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر، وذكر أوصافهم ،وقول الله عز وجل: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)، فيه أن هذا الكافر لا يرجو حساباً، ولا بعثاً، فإذا دعي أن يدخل في الدين يقول: لا، (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية:24] ، فيجادل بالباطل، فالله يدعو الدعاة إلى الصبر إزاء هؤلاء وإلى الجدال بالحكمة والموعظة الحسنة. وليس ذلك لمن ينكر أشياء من الدين، أو يتعرض لسب الدين، إنما الجدال للكفار الذي يقول مثلاً: إن الآلهة متعددة وليس هناك إله واحد، كقول الكفار من قبل: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص:5]. فيجادل بالتي هي أحسن كما جادل إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وكما جادل النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: يَغْفِرُوا أي: يتجاوزوا عن هذا الذي يقوله الكفار، ويستمرون في دعوتهم، لعل هؤلاء يستجيبون إلى الله عز وجل .
الدعاء
