خطبة عن (الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا)
أبريل 12, 2026الخطبة الأولى (أعمال السر بين العبد وربه)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:271]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:١٩]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، قَالَ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [رواه البخاري ومسلم].
إخوة الإسلام
نَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ رُوحِ الْعِبَادَةِ، وَلُبِّ الطَّاعَةِ، وَسِرِّ النَّجَاةِ يَوْمَ لِقَاءِ اللهِ؛ إِنَّهَا “أَعْمَالُ السِّرِّ”، فهَذِهِ الْخَبِيئَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي يَجْعَلُهَا الْعَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا بَشَرٌ، وَلَا تَرَاهَا عَيْنٌ، وَلَا يَبْتَغِي بِهَا صَاحِبُهَا جَاهاً وَلَا سُمْعَةً وَلَا رِيَاءً، فأَعْمَال السِّرِّ هِيَ مِعْيَارُ الْإِخْلَاصِ الصَّادِقِ، وَهِيَ الزَّادُ الْحَقِيقِيُّ، الَّذِي يَدَّخِرُهُ الْمُؤْمِنُ لِلَحَظَاتِ الشِّدَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَلِلْأَهْوَالِ الْعِظَامِ فِي الْآخِرَةِ.
فَالنَّاسُ غَالِبًا مَا يَتَزَيَّنُونَ فِي عَلَانِيَتِهِمْ، وَيُحْسِنُونَ أَعْمَالَهُمْ أَمَامَ الْخَلْقِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الرَّبَّانِيَّ هُوَ مَنْ يَهْتَمُّ بِـ “بَاطِنِهِ” أَكْثَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ.
ولَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ) يَحْرِصُونَ عَلَى إِخْفَاءِ طَاعَاتِهِمْ، كَمَا يَحْرِصُ النَّاسُ عَلَى إِخْفَاءِ عُيُوبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَصُومُ عِشْرِينَ سَنَةً، لَا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُ بَيْتِهِ ؛ويَخْرُجُ بِرَغِيفِهِ لِلْعَمَلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَيَظُنُّ أَهْلُ بَيْتِهِ أَنَّهُ أَكَلَهُ، وَيَظُنُّ أَهْلُ السُّوقِ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي بَيْتِهِ، وهَذِهِ الْقُلُوبُ هِيَ الَّتِي عَرَفَتِ اللهَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، فَاكْتَفَتْ بِاطِّلَاعِهِ عَنْ مَدْحِ الْمَادِحِينَ.
وأَعْمَال السِّرِّ تَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ أَبْوَابِ الْخَيْرِ، فَمِنْهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ حِينَ يَنَامُ النَّاسُ، حَيْثُ تَنْقَطِعُ الْأَصْوَاتُ وَتَسْكُنُ الْحَرَكَاتُ، فَيَقُومُ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ نَادِماً، دَاعِياً، بَاكِياً، لَا يَرَاهُ إِلَّا مَنْ خَلَقَهُ، وَمِنْهَا صَدَقَةُ السِّرِّ الَّتِي تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، حَيْثُ تَمْتَدُّ يَدُ الْمُعْطِي إِلَى الْمَحْتَاجِ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ خَفَاءٍ، فَتَصِلُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ مَنْ أَعْطَى، وَمِنْهَا الذِّكْرُ الْخَالِي، وَمِنْهَا حُبُّ الْخَيْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهَا كَفُّ الْأَذَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ خَشْيَةً مِنَ اللهِ. كُلُّ هَذِهِ أَعْمَالٌ تُرَفِّعُ مَنْزِلَةَ الْعَبْدِ عِنْدَ اللهِ رَفْعاً عَظِيماً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ لِأَعْمَالِ السِّرِّ بَرَكَاتٍ عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَهِيَ أَعْظَمُ سَبَبٍ لِلثَّبَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي لَهُ “خَبِيئَةٌ” مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَا يَخْذُلُهُ اللهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَلَا يَزِلُّ بِهِ الطَّرِيقُ عِنْدَ الْمُغْرِيَاتِ، فالله عَزَّ وَجَلَّ يَقْذِفُ لِأَهْلِ السَّرَائِرِ الصَّالِحَةِ “الْقَبُولَ” فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ؛ فَتَرَى النَّاسَ يُحِبُّونَهُمْ وَلَا يَدْرُونَ مَا السَّبَبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ فِي السِّرِّ، أَصْلَحَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَلَانِيَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: “أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ بِاللهِ أَنَّ ذُنُوبَ الْخَلَوَاتِ هِيَ أَصْلُ الِانْتِكَاسَاتِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ السِّرِّ هِيَ أَصْلُ الثَّبَاتِ”.
إِنَّنَا فِي زَمَنٍ طَغَى فِيهِ “حُبُّ الظُّهُورِ”، وَ “التَّصْوِيرُ”، وَ “النَّشْرُ”، وصَارَ الْبَعْضُ لَا يَعْمَلُ عَمَلاً إِلَّا وَيُرِيدُ أَنْ يُرِيَهُ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ؛ فِي صَلَاتِهِ، فِي صَدَقَتِهِ، حَتَّى فِي بُكَائِهِ وَدُعَائِهِ! وَهَذَا مَزْلَقٌ خَطِيرٌ يَمْحَقُ بَرَكَةَ الْعَمَلِ،
إِنَّ الْقَلْبَ يَحْتَاجُ إِلَى “زَاوِيَةٍ خَاصَّةٍ” مَعَ اللهِ، لَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ، فحَافِظُوا عَلَى أَعْمَالِكُمْ مِنَ الرِّيَاءِ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ خَبَايَا لَا تَعْلَمُهَا زَوْجَاتُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ، وكُنْ صَاحِبَ سِرٍّ مَعَ اللهِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ فِي السِّرِّ أَبْعَدُ عَنِ الشَّيْطَانِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْقَبُولِ، وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ.
وَمَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ طَاهِرَةً، عَامِرَةً بِحُبِّ اللهِ وَخَوْفِهِ، ابْيَضَّ وَجْهُهُ وَأَفْلَحَ سَعْيُهُ، وَمَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ صَلَاحاً، وَبَاطِنُهُ خَرَاباً، كَانَتِ النَّدَامَةُ حَلِيفَهُ.
وإِنَّ أَعْظَمَ مَا يُمَيِّزُ أَعْمَالَ السِّرِّ أَنَّهَا “تَرْبِيَةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى التَّوَاضُعِ”، فَالْمُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَادُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ دُونَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ، يَتَحَرَّرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ “الْمَدْحِ” وَ “الثَّنَاءِ”، ولَا يَهُمُّهُ إِنْ شَكَرَهُ النَّاسُ أَوْ جَهَلُوا فَضْلَهُ، لِأَنَّ نَظَرَهُ مُعَلَّقٌ بِالسَّمَاءِ، وهَذَا الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْخَلْقِ هُوَ جَوْهَرُ الْعِزَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، فَكُنْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ مِمَّنْ إِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، وَإِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَلَكِنَّ اسْمَهُمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى مَعْرُوفٌ وَمَذْكُورٌ.
وإِنَّ لِأَعْمَالِ السِّرِّ دَوْراً حَاسِماً فِي “سُوءِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ”، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَهَذَا لِأَنَّ سَرِيرَتَهُ كَانَتْ مُلَطَّخَةً بِمَا لَا يُرْضِي اللهَ، وَفِي الْمُقَابِلِ، قَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ مَغْمُوراً لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّ لَهُ مَعَ اللهِ خَبَايَا أَوْصَلَتْهُ إِلَى أَعْلَى الْجِنَانِ. لِذَا، كَانَ الْخَوْفُ مِنَ النِّفَاقِ هُوَ دَيْدَنُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مِحَكَ الْإِيمَانِ هُوَ مَا يَكُونُ فِي الْخَلَوَاتِ. فَطَهِّرُوا خَلَوَاتِكُمْ، يُطَهِّرِ اللهُ حَيَاتَكُمْ وَمَمَاتَكُمْ.
فانْظُرُوا فِي صَحَائِفِ أَعْمَالِكُمْ: هَلْ فِيهَا صَفَحَاتٌ لَا يَقْرَؤُهَا إِلَّا اللهُ؟، هَلْ لَدَيْكَ سَجْدَةٌ بَاكِيَةٌ لَمْ يَرَ نُورَهَا بَشَرٌ؟، هَلْ لَدَيْكَ خَصْمٌ عَفَوْتَ عَنْهُ فِي سِرِّكَ ابْتِغَاءَ رِضَا اللهِ؟، هَلْ لَدَيْكَ مِسْكِينٌ تُطْعِمُهُ دُونَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيْهِ بِفَضْلِكَ؟، إِنَّ هَذِهِ الْخَبَايَا هِيَ الَّتِي سَتُؤْنِسُكَ فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَهِيَ الَّتِي سَتُظِلُّكَ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، فلَا تَجْعَلُوا اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُمْ، بَلِ اجْعَلُوهُ أَعْظَمَ الْمَقْصُودِينَ بِكُلِّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ.
إن أعمال السر هي برهان صدق الإيمان، فمن راقب الله إذا خلا بنفسه، فهذا هو المؤمن الصادق، أما من يُظهر الصلاح في العلن، ويخالفه في السر، فهذه من علامات النفاق، ففي سنن ابن ماجه وصححه الألباني: (عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ : «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا».
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (أعمال السر بين العبد وربه)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الامام مسلم في صحيحه: (كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ».
فالعبد الخفي هو الذي يعمل في صمت، لا يطلب ثناءً ولا شهرة، لا يحب أن يُذكر اسمه، بل يكفيه أن الله يعلم عمله، قد لا يُعرف في الأرض، ولكنه معروف في السماء، فالصدقة الخفية تطفئ غضب الرب، والركعات في جوف الليل ترفع الدرجات، والدعاء في الخلوة أقرب للإجابة، والذكر إذا كان في الخفاء كان أصدق وأبلغ في تزكية النفس.
واعلموا أن العمل العلني قد يُخالطه الرياء، وقد يكون فيه حب السمعة، أما العمل الخفي فهو أبعد ما يكون عن ذلك، ومع ذلك فإظهار العمل أحيانًا مطلوب إذا كان فيه قدوة للناس أو تشجيع لهم، لكن مع سلامة النية، قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾، ولكنه قال بعدها: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:271]..
فالله الله في السرائر، الله الله في الخلوات، فإنها ميزان العبد عند الله. قال بعض السلف: “إذا أردت أن تعرف منزلة العبد عند الله، فانظر في حاله إذا خلا بربه”، فإن كان ذا طاعة ومناجاة ودعاء فهو قريب، وإن كان ذا غفلة ومعصية فهو بعيد، ولو كان عند الناس في أعلى المراتب، فأعمال السر هي البرهان على صدق الإيمان، فمن راقب الله في الخلوات، وأحسن في الطاعات، وترك المعاصي ولو لم يره أحد، فهذا هو المؤمن الصادق.
واعلموا أن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وتذكروا أن الله عز وجل مطّلع عليكم حيث كنتم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14]. فمن علم أن الله يراه استحيا أن يعصيه، وأقبل على طاعته،
الدعاء
