خطبة عن (اللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)
يناير 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) (19): (35) المعارج. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ: شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ» [رواه أبو داود].
إخوة الإسلام
إِنَّنَا الْيَوْمَ أَمَامَ تَشْرِيحٍ رَبَّانِيٍّ لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَكَشْفٍ لِأَسْرَارِ الْخِلْقَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ، فالله عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ، وَيَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، لذا فهو يُخْبِرُنَا بِحَقِيقَةٍ كُبْرَى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} المعارج:19، فَمَا هُوَ الْهَلَعُ؟: إِنَّهُ ذَلِكَ الِاضْطِرَابُ النَّفْسِيُّ، وَالْقَلَقُ الدَّائِمُ، الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ شِدَّةِ الْجَزَعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَبَيْنَ شِدَّةِ الْإِمْسَاكِ وَالْبُخْلِ عِنْدَ النِّعَمِ، وهَذِهِ الْجِبِلَّةُ بِمَا فِيهَا مِنْ ضَعْفٍ، هِيَ اخْتِبَارُ اللهِ لَنَا؛ لِيَرَى كَيْفَ نُهَذِّبُ أَنْفُسَنَا بِالْإِيمَانِ، لِنَرْتَقِيَ منْ مَقَامِ الْهَلَعِ، إِلَى مَقَامِ الطُّمَأْنِينَةِ، ومن مقام اشح والبخل، إلى مقام الكرم والانفاق، والبذل والعطاء.
وتَأَمَّلُوا معي فِي وَصْفِ اللهِ تعالى لِهَذَا الْهَلَعِ، فقال تعالى: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا}: إِنَّهُ ذَلِكَ الصِّنْفُ مِنَ النَّاسِ، الَّذِي إِذَا نَزَلَ بِهِ أَدْنَى مَكْرُوهٍ، أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، أَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ رِزْقٌ، سَخِطَ وَتَبَرَّمَ، وَظَنَّ أَنَّ اللهَ قَدْ نَسِيَهُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، فالْجَزَعُ هُوَ فَقْدُ الثَّبَاتِ، وَهُوَ الِانْهِيَارُ أَمَامَ الِابْتِلَاءَاتِ، وَفِي الْمُقَابِلِ: {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}: فَإِذَا أَعْطَاهُ اللهُ الْمَالَ وَالصِّحَّةَ وَالْجَاهَ، بَخِلَ بِحَقِّ اللهِ، وَأَمْسَكَ يَدَهُ عَنِ الْبَذْلِ، وَظَنَّ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ نِعْمَةٍ، هُوَ بِمَحْضِ كَدِّهِ وَذَكَائِهِ، وهَذِهِ هِيَ طَبِيعَةُ النَّفْسِ إِذَا تُرِكَتْ لِهَوَاهَا، بَعِيداً عَنْ نُورِ الْوَحْيِ، وَتَرْبِيَةِ الدِّينِ.
والْهَلَع هُوَ أَصْلُ كُلِّ تَعَبٍ نَفْسِيٍّ، يَعِيشُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، فالْخَوْفُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْقَلَقُ عَلَى الْأَرْزَاقِ، وَالْحَسْرَةُ عَلَى مَا فَاتَ؛ كُلُّهَا صُوَرٌ لِلْهَلَعِ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْآنُ، والْإِنْسَانُ الْهَلُوعُ يَعِيشُ فِي سِجْنِ نَفْسِهِ، لَا يَشْبَعُ إِذَا أُعْطِيَ، وَلَا يَصْبِرُ إِذَا حُرِمَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَوْ سَيْطَرَتْ عَلَى الْمُجْتَمَعِ، لَأَفْسَدَتِ الْعَلَاقَاتِ، وَانْتَشَرَ الشُّحُّ، وَضَاعَتِ الْأَمَانَةُ، لِذَا، كَانَ لِزَاماً عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ نُعَالِجُ هَذَا الْهَلَعَ الْفِطْرِيَّ، لِنَحْوَّلَهُ إِلَى قُوَّةٍ إِيمَانِيَّةٍ، تَدْفَعُنَا لِلْعَمَلِ وَالرِّضَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وانْتَبِهُوا إِلَى مِفْتَاحِ النَّجَاةِ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ هَذَا التَّشْخِيصِ: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}، فَقَدِ اسْتَثْنَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهَلَعِ طَائِفَةً مَخْصُوصَةً، بَدَأَهَا بِأَهْلِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ أَيَّ صَلَاةٍ، بَلْ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي قَالَ اللهُ عَنْهَا: {الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}، فالصَّلَاة هِيَ حَبْلُ الِاتِّصَالِ بِالْقَوِيِّ الْعَزِيزِ، فَالَّذِي يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، يَسْتَمِدُّ مِنْ غِنَاهُ مَا يُغْنِيهِ عَنِ الطَّمَعِ، وَمِنْ قُوَّتِهِ مَا يُثَبِّتُهُ عَنِ الْجَزَعِ، فالصَّلَاةُ تَنْزِعُ الْهَلَعَ مِنَ الْجُذُورِ، لِأَنَّهَا تُرَبِّي الْعَبْدَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ، فَلَا دَاعِيَ لِلْهَلَعِ، مَا دَامَ اللهُ هُوَ الرَّبُّ وَالْمُدَبِّرُ.
وعِلَاج الْهَلَعِ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ صِفَاتٍ أُخْرَى، ذَكَرَتْهَا السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ، فَمِنْهَا: إِخْرَاجُ حَقِّ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، لِكَسْرِ صِفَةِ “الْمَنُوعِ”. وَمِنْهَا: التَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ، لِتَصْغُرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِ الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَجْزَعَ عَلَى فَوَاتِهَا. وَمِنْهَا: الْإِشْفَاقُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَحِفْظُ الْفُرُوجِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَاتِ، إِنَّهَا حُزْمَةٌ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْعِبَادَاتِ، الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي الْإِنْسَانِ، نَقَلَتْهُ مِنْ حَالِ الْهَلَعِ الْبَشَرِيِّ، إِلَى حَالِ الرُّقِيِّ الْمَلَائِكِيِّ، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ: هُوَ الَّذِي رَاضَ نَفْسَهُ وساسها، حَتَّى صَارَ شُكْرُهُ عِنْدَ النِّعْمَةِ أَسْبَقَ مِنْ مَنْعِهِ، وَصَبْرُهُ عِنْدَ الْمِحْنَةِ أَعْظَمَ مِنْ جَزَعِهِ.
فلِنَنْظُرْ فِي مِرْآةِ هَذِهِ الْآيَاتِ: كَيْفَ حَالُنَا مَعَ الْهَلَعِ؟، هَلْ نَحْنُ مِمَّنْ تَتَقَاذَفُهُمُ الْأَمْوَاجُ عِنْدَ كُلِّ أَزْمَةٍ مَالِيَّةٍ، أَوْ بَلَاءٍ كَوْنِيٍّ؟، وهَلْ نَحْنُ مِمَّنْ يَبْخَلُونَ بِفَضْلِ اللهِ وَهُمْ يَرَوْنَ حَاجَةَ الْمُحْتَاجِينَ؟، فالْهَلَع مَرَضٌ يُعِيقُ السَّيْرَ إِلَى اللهِ، وَالْقَلْبُ الْهَلُوعُ قَلْبٌ مَشْغُولٌ بِالْخَلْقِ عَنِ الْخَالِقِ، فَتَجَرَّدُوا مِنْ هَذَا الْهَلَعِ بِتَجْدِيدِ الثِّقَةِ بِاللهِ، وَبِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَبُّنَا فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ؛ لِنَكُونَ مِنَ النَّاجِينَ مِنَ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} هُوَ بَابُ الرَّجَاءِ الْوَاسِعِ، فَالإِنْسَانُ وَإِنْ خُلِقَ هَلُوعاً، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالْبَقَاءِ فِي هَذَا السِّجْنِ، لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الْإِرَادَةَ، وَأَنْزَلَ لَكَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ لَكَ الرَّسُولَ ﷺ، لِيُعَلِّمَكَ كَيْفَ تَنْتَصِرُ عَلَى نَفْسِكَ، فصَلَاحُ الْبَالِ، وَسَكِينَةُ النَّفْسِ، هِيَ ثَمَرَةُ مُجَاهَدَةِ هَذَا الْهَلَعِ، فَالْمُصَلِّي الَّذِي يَخْشَعُ فِي صَلَاتِهِ، يَنْزَعُ اللهُ مِنْ قَلْبِهِ الْخَوْفَ مِمَّا سِوَاهُ، فَيَعِيشُ عَزِيزاً، مَسْرُوراً، مُطْمَئِنّاً.
وانْتَبِهُوا، فَإِنَّ الْهَلَعَ يُورِثُ “الشُّحَّ”، وَالشُّحُّ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، ففي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ»، فالْهَلُوعُ يَخْشَى الْفَقْرَ فَيَمْنَعُ الْمَاعُونَ، وَيَخْشَى الْمَوْتَ، فَيَجْبُنُ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ، أَمَّا الَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ هَلَعِهِ، فَإِنَّهُ يَبْذُلُ مَالَهُ بِيَقِينِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} سبأ (39)، وفي الصحيحين: (أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ، فحَقِيقَة النَّجَاحِ فِي الدُّنْيَا هِيَ: أَنْ تَمْلِكَ الدُّنْيَا فِي يَدِكَ، لَا فِي قَلْبِكَ، فَإِذَا كَانَتْ فِي يَدِكَ، لَمْ تَجْزَعْ لِفَقْدِهَا، وَلَمْ تَمْنَعْ لِأَجْلِهَا، هَذَا هُوَ التَّوَازُنُ الْإِيمَانِيُّ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُحَقِّقَهُ فِينَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وقد يتبادرُ للذهنِ سؤال: لماذا خَلَقَ اللهُ الانسان “هلوعاً”، ثم ذَمَّ الهلَع؟، والجوابُ: إنَّ اللهَ خَلَقَ فينا هذه الطباعَ لِتكونَ “مادةَ الامتحان”، فاللهُ لم يَخلقنا متمحضين للخيرِ كالملائكة، بل جعلَ فينا نوازعَ الضعفِ، لكي نُجاهدَها ونرتقيَ فوقَها، فخَلَقَ فيكَ “الهلع” لكي تَلجأَ إليهِ عندَ الجزع، وتَتصدقَ لمواجهةِ الشُّح، فالكمالُ ليسَ في أصلِ الخِلقة، بل في “المجاهدةِ والتهذيب قال الله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (7): (10) الشمس
فالهلع هو الوقودُ الذي يَدفعُك لطلبِ الأمانِ عندَ الله، فالمؤمنُ يُحَوِّلُ طاقةَ “الخوفِ من الدنيا” إلى “خَشيةٍ من الله”، ويُحَوِّلُ طاقةَ “الحرصِ على المال” إلى “سعيٍ للآخرة”، ويحول صفات النفس المذمومة، إلى صفات ممدوحة،
واعلموا أنَّ علاجَ “القلقِ النفسي”، والاضطرابِ الذي يَعصفُ بالعالمِ اليوم، ليس في العياداتِ فحسب، بل هو في “مِحرابِ سورة المعارج”،
وتأملوا في حالِ الناسِ اليوم؛ فكم قَتَلَ “الهلعُ” من قلوب؟، وكم هَدَمَ من بيوت؟، فالهلعُ في الرزق: جعلَ الناسَ يَتسابقونَ على الحرام، ويأكلونَ الربا، ويغشُّونَ في التجارة؛ ظنّاً منهم أنَّ الهرولةَ سَتمنعُ الفقر، والهلعُ في الأزمات: جعلَ الناسَ يَقنطونَ من رحمةِ الله، ويَكفرونَ بالنعمِ عندَ أولِ ابتلاء، والهلعُ في العلاقات: جَعَلَ الشُّحَّ يَدبُّ بين الإخوة، فَيُقاطعُ الأخُ أخاهُ، من أجلِ درهمٍ أو مِيراث، فإنَّنا نعيشُ “زَمَنَ الهَلَعِ” المادي، حيثُ انقطعتِ القلوبُ عن مُسببِ الأسباب، وتعلَّقتْ بالأسبابِ الموهومة.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ
فكُنْ من هؤلاءِ المُستثنَيْن، تخرجْ من سجنِ الهَلَعِ، إلى رحابةِ الإيمان، ولِنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا “رِبَاطاً” لِلْقُلُوبِ الْمُهْتَزَّةِ، فِي زَمَنِ الْأَزَمَاتِ وَالِاضْطِرَابَاتِ، ويَكُونُ الْمُؤْمِنُ هُوَ الرَّكْنُ الشَّدِيدُ ،لِأَنَّهُ لَيْسَ هَلُوعاً، ويَرَى النَّاسَ يَجْزَعُونَ فَيُثَبِّتُهُمْ، وَيَرَاهُمْ يَمْنَعُونَ فَيُعْطِيهِمْ، فكُونُوا صُوَرًا حَيَّةً لِلَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ، وطَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ مِنْ مَظَاهِرِ الْقَلَقِ الْمُذْمُومِ، وَامْلَؤُوهَا بِذِكْرِ اللهِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا حُدُودُ اللهِ، لَا يَعْرِفُ الْهَلَعُ إِلَيْهَا سَبِيلاً.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا أَصَابَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكُمْ، وَمَا أَخْطَأَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكُمْ، وجَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ، لِتَخْرُجُوا مِنْ وَصْفِ “الْهَلَعِ” إِلَى مَقَامِ “الرِّضَا”، وَاجْعَلُوا الصَّلَاةَ مَلَاذَكُمْ، وَالصَّدَقَةَ دِثَارَكُمْ، وَالصِّدْقَ شِعَارَكُمْ، ونَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا بَرْدَ الْيَقِينِ، وَحَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ هَلَعٍ يُضِلُّنَا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، اللهم إنا نعوذُ بكَ من الهمِّ والحَزَن، ونعوذُ بكَ من العجزِ والكسل، ونعوذُ بكَ من الجُبنِ والبُخل. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنتَ خيرُ من زكاها. اللهم اجعلنا من المُصلين الدائمين، والمنفقين المخبتين، والذين هم لأماناتهم راعون. اللهم طهّر قلوبنا من الشُّح، وألسنتنا من لغو القول، واجعلنا من الراضين بقضائك، الصابرين على بلائك، الشاكرين لنعمائك.
الدعاء
