خطبة عن (الإيمانُ والتوحيدُ شرطٌ لدخولِ الجنةِ)
أكتوبر 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الإسلامُ وحقوقُ الانسانِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
«إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ كَرَّمَ بَنِي آدَمَ، وَجَعَلَ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ جَوْهَرَ إِنْسَانِيَّتِهِ، وَلُبَّ بَشَرِيَّتِهِ، وَأَسَاسَ حَيَاتِهِ، وَسِرَّ رِفْعَتِهِ، فَخَلَقَهُ وَاصْطَفَاهُ، وَفَضَّلَهُ وَاجْتَبَاهُ، وَأَعَدَّهُ أَكْمَلَ إِعْدَادٍ وَأَوْفَاهُ، وَهَيَّأَ لَهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ، مِمَّا تَقُومُ بِهِ حَيَاتُهُ، وَيَصْلُحُ بِهِ أَمْرُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَكْرَمَهُ بِالْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ، وَالْعَقِيدَةِ النَّقِيَّةِ، وَحَمَّلَهُ الْأَمَانَةَ الْغَالِيَةَ، وَكَلَّفَهُ بِحَمْلِ الرِّسَالَةِ السَّامِيَةِ، وَأَنْشَأَهُ مِنَ الْأَرْضِ لِيَعْمُرَهَا، وَاسْتَخْلَفَهُ فِيهَا لِيُصْلِحَهَا، فَيُنَفِّذَ رِسَالَتَهُ وَيُطَبِّقَ شَرِيعَتَهُ.
وَهَٰذَا التَّكْرِيمُ هُوَ تَكْرِيمٌ عَامٌّ، يَشْمَلُ كُلَّ بَنِي آدَمَ، وَدَخَلَ تَحْتَهُ جِنْسُ الْبَشَرِ، فَدَخَلَ فِيهِ الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، وَالْعَاصِي وَالطَّائِعُ، وَالصَّالِحُ وَالطَّالِحُ، فَهُوَ تَكْرِيمٌ عَامٌّ، حَصَّلَهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ، وَرُوحِهِ، وَعَقْلِهِ،
فَمِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ: حُسْنُ صُورَتِهِ، وَعَدْلُ قَامَتِهِ، وَقَوْمُ هَيْئَتِهِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4]،
وَمِنْ جِهَةِ رُوحِهِ: جَعَلَهَا قَابِلَةً لِلتَّحَلِّي بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، وَأَطْهَرِ الْأَخْلَاقِ، وَأَزْكَى السِّمَاتِ.
وَمِنْ جِهَةِ عَقْلِهِ: هَيَّأَهُ لِإِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، وَحُصُولِ الْمَعَارِفِ، وَفَهْمِ الدَّقَائِقِ، وَرَبْطِ الْأَسْبَابِ بِمُسَبَّبَاتِهَا وَوُجُوهِ ارْتِبَاطِهَا وَانْفِصَالِهَا.
وَرِسَالَةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَحَمَلَهَا لِلْعَالَمِينَ جَمِيعًا، هِيَ رِسَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، شَمِلَتْ بِرِعَايَتِهَا جَمِيعَ الْحُقُوقِ، الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ كَإِنْسَانٍ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ جِنْسِهِ، أَوْ دِيَانَتِهِ،
فَرَسُولُ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، الَّذِي يَقِفُ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ احْتِرَامًا لَهُ كَإِنْسَانٍ، وَيَجْعَلُ مِنْ نَفْسِهِ خَصِيمًا لِكُلِّ مَنْ يُؤْذِي ذِمِّيًّا، لَجَدِيرٌ بِأَنْ يَتَرَبَّعَ عَلَىٰ عَرْشِ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ، وَأَنْ يَقِفَ وَاضِعُو الْوَثِيقَةِ الْعَالَمِيَّةِ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ صَاغِرِينَ أَمَامَ عَظَمَتِهِ، وَسُمُوِّهِ وَإِنْسَانِيَّتِهِ.
وَلَعَلَّ ذَٰلِكَ مَا جَعَلَ الْعَالِمَ الْمَسِيحِيَّ (مَايْكِلَ هَارْتَ) يَضَعُ الرَّسُولَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَىٰ قِمَّةِ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ “الْعُظَمَاءُ مِائَةٌ أَعْظَمُهُمْ مُحَمَّدٌ” – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَقُولُ عَنْهُ: “إِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْإِنْسَانُ الْوَحِيدُ، الَّذِي نَجِحَ نَجَاحًا مُطْلَقًا، عَلَى الْمُسْتَوَى الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ”.
وَحُقُوقُ الْإِنْسَانِ الَّتِي قَرَّرَهَا الْإِسْلَامُ مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَأَكَّدَهَا الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سِيرَتِهِ وَسُنَّتِهِ، هِيَ لَيْسَتْ مِنْحَةً مِنْ مَلِكٍ أَوْ حَاكِمٍ، أَوْ قَرَارًا صَادِرًا عَنْ سُلْطَةٍ مَحَلِّيَّةٍ، أَوْ مُنَظَّمَةٍ دَوْلِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حُقُوقٌ مُلْزِمَةٌ، بِحُكْمِ مَصْدَرِهَا الْإِلَٰهِيِّ، لَا تَقْبَلُ الْحَذْفَ، وَلَا النَّسْخَ، وَلَا التَّعْطِيلَ، وَلَا يُسْمَحُ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ التَّنَازُلُ عَنْهَا.
يَقُولُ الشَّيْخُ (مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ) – رَحِمَهُ اللَّهُ – فِي كِتَابِهِ “حُقُوقُ الْإِنْسَانِ بَيْنَ تَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَانِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ” يَقُولُ:
“وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ مَبَادِئَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ، الَّتِي طَالَمَا صَدَّرَهَا الْإِسْلَامُ لِلنَّاسِ، يُعَادُ تَصْدِيرُهَا إِلَيْنَا عَلَىٰ أَنَّهَا كَشْفٌ إِنْسَانِيٌّ، مَا عَرَفْنَاهُ يَوْمًا وَلَا عِشْنَا بِهِ دَهْرًا”.
وَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَرِيصًا عَلَىٰ تَأْكِيدِ هَٰذِهِ الْحُقُوقِ، حَتَّىٰ قَبْلَ وَفَاتِهِ، فَقَدْ جَاءَتْ خُطْبَةُ الْوَدَاعِ، الَّتِي خَطَبَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، بِمَثَابَةِ تَقْرِيرٍ شَامِلٍ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ، وَبَيَانٍ وَاضِحٍ لِعِلَاقَاتِ الْمُسْلِمِ، وَمُعَامَلَاتِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ،
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: “فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا”،
فَمِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي أَكَّدَتْهَا هَٰذِهِ الْخُطْبَةُ النَّبَوِيَّةُ: حُرْمَةُ الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَإِقْرَارُ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الظُّلْمِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَبَيَانُ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ.
وَحُقُوقُ الْإِنْسَانِ (كَمَا جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ) حُقُوقٌ أَصِيلَةٌ أَبَدِيَّةٌ، فَرَضَتْهَا الْإِرَادَةُ الْإِلَٰهِيَّةُ فَرْضًا، كَجُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ، حِينَ خَلَقَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ تَقْوِيمٍ، فَحُقُوقُ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ مَوْضُوعَةٌ، وَمُقَرَّرَةٌ سَلَفًا، وَهِيَ تَتَنَاسَبُ مَعَ كَوْنِهِ إِنْسَانًا مُتَمَيِّزًا عَلَىٰ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، إِذْ أُوكِلَ لَهُ دَوْرٌ فِي الْحَيَاةِ، مِمَّا يَعْنِي إِعْطَاءَهُ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ
أيها المسلمون
ومن أهم وأعظم حقوق الانسان في الاسلام: حق الحياة: فحق الحياة مكفول لكل فرد، أيا كانت ديانته أو جنسيته، وهو حق مقدس لا يجوز الاعتداء عليه في ظل الإسلام، إلا بسلطان الشريعة الممثل في الحدود والقصاص،
وقد نهى الإسلام عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فقال تعالى:
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام:151]،
وجعل القران الكريم إزهاق الروح جريمة ضد الإنسانية كلها، فقال تعالى:
{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32].
والحق الذي تزهق به النفس بينه الرسول – صلى الله علية وسلم – في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – :
«لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ»،
وقد حفلت السنة النبوية المطهرة بالعديد من الأحاديث التي تؤكد حرمة النفس فيقول – صلى الله عليه وسلم
في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».
وفيه أيضا: (وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ)،
(وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ»،
وفي الحديث الذي رواه البيهقي وابن ماجه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».
والإسلام يحمي حق الحياة للإنسان من نفسه، كما يحميه من غيره، فنجده يحرم الانتحار، ويعتبره جريمة كبري في حق النفس، قال تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، وقال تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195].
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»،
ومن حرص الإسلام علي حرمة النفس، نجده يحرم إسقاط الجنين بعد أن تدب فيه الحياة، ويضع الضمانات التي تحفظ له حياته، فيرخص لامه بالإفطار في رمضان أثناء الحمل، حتى لا يتأثر هذا الجنين بصومها.
وشرع الإسلام القصاص في القتل، حفاظا على حياة الناس، وحتى لا يسود القتل بينهم، فقال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:179]، والقصاص عقوبة مقررة في جميع الشرائع الإلهية المتقدمة، قال تعالى:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:45].
والمسلم وغير المسلم سواء في حرمة الدم، واستحقاق الحياة، والاعتداء على المسالمين من أهل الكتاب، هو في نكره وفحشه كالاعتداء على المسلمين، وله سوء الجزاء في الدنيا والآخرة، ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»،
(وعن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة» رواه البخاري،
وفى رواية أخرى: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» رواه النسائي.
وقد حرم الإسلام كل عمل ينتقص من حق الحياة، سواء أكان هذا العمل تخويفا، أو إهانة، أو ضربا، أو اعتقالا، أو تعذيبا، أو تطاولا، أو طعنا في العرض، فان حياة الإنسان المادية والأدبية، موضع الرعاية والاحترام، ففي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا».
واعتبر الرسول – صلى الله عليه وسلم- النظرة المجردة داخل بيت الإنسان اعتداء على حرمته، ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا رَجُلٍ كَشَفَ سِتْراً فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً فَقَأَ عَيْنَهُ لَهُدِرَتْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى بَابٍ لاَ سِتْرَ لَهُ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَلاَ خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ»،
ونهى – صلى الله عليه وسلم- عن ترويع المسلم، ففي مسند أحمد: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِماً».
فتعريض الإنسان لأي فزع جريمة، وحق الحياة الآمنة من المخاوف والمظالم لابد من تحقيقه.
بل الاسلام حفظ للإنسان كرامته بعد موته، ففي سنن أبي داود: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا».
وفي صحيح البخاري: (قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»،
فَحَقُّ الْحَيَاةِ مَصُونٌ فِي ظِلِّ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي غِيَابِ هَٰذِهِ الرِّسَالَةِ، وَالْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ، تَنْتَشِرُ الْمَذَابِحُ وَالْمَجَازِرُ الْجَمَاعِيَّةُ، وَيُصْبِحُ قَتْلُ النَّفْسِ كَشُرْبَةِ مَاءٍ، وَمَا يَحْدُثُ فِي الْعَدِيدِ مِنْ مَنَاطِقِ الصِّرَاعِ الْيَوْمَ خَيْرُ دَلِيلٍ عَلَىٰ ذَٰلِكَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ الْمُسَاوَاةِ: وَهُوَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي أَكَّدَهَا الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَدْ سَاوَى الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ جَمِيعًا مُسَاوَاةً مُطْلَقَةً، بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَبَيْنَ الْأَجْنَاسِ وَالشُّعُوبِ، وَبَيْنَ الْحُكَّامِ وَالْمَحْكُومِينَ، وَبَيْنَ الْوُلَاةِ وَالرَّعِيَّةِ، فَلَا قُيُودَ وَلَا اسْتِثْنَاءَاتٍ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّشْرِيعِ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ، وَلَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَلَا بَيْنَ حَاكِمٍ وَمَحْكُومٍ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بَيْنَ النَّاسِ بِالتَّقْوَىٰ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]،
وَقَدْ أَكَّدَ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَٰذِهِ الْمُسَاوَاةَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ»،
فالإسلام يحطم كل المعايير الزائفة للتفاضل بين الناس، كمعيار الجنس، أو العرق، أو اللون أو الغنى، أو الفقر، ويحارب كافة صور التفرقة العنصرية،
وقد بلغت به – صلى الله عليه وسلم- المساواة بين الناس أقصاها حين قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»،
وفي خطبة للخلفة أبي بكر: (ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه)،
وَقَدْ سَاوَى النَّبِيُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَدِيثِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَعَدَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْغُرْمِ وَالْغَنَمِ، وَأَنْصَفَهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّىٰ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَسْتَجِبْ لِمُحَابَاةٍ أَوْ مَحْسُوبِيَّةٍ، وَقَدْ طَعَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً أَحَدَ الصَّحَابَةِ بِقَضِيبٍ فِي بَطْنِهِ، تَسْوِيَةً لِلصَّفِّ فِي الْجِهَادِ، فَشَكَا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي أَنْ يَكْشِفَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ لَهُ: “اسْتَقِدْ يَا سَوَادُ”، وَأُسِرَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَابْنُ عَمِّهِ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَلْزَمَهُمَا بِمَا الْتَزَمَ بِهِ الْأَسْرَى الْآخَرُونَ مِنَ الْفِدَاءِ.
وَقَدْ جَاءَتِ التَّشْرِيعَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ مُعْتَبِرَةً لِهَٰذَا الْحَقِّ الْأَصِيلِ، فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ، فَلَا مَجَالَ لِلْحُظْوَةِ الْخَاصَّةِ، وَلَا لِدَوَاعِي الْقُرْبَىٰ، وَلَا لِلْعَصَبِيَّةِ الْعِرْقِيَّةِ، أَوِ الدِّينِيَّةِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [الأنعام:152].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ الْعَدَالَةِ: وَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِحَقِّ الْمُسَاوَاةِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:58]،
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَعْدَلَ النَّاسِ، وَكَانَ يَتَحَرَّى الْعَدْلَ، وَيُطَبِّقُهُ عَلَىٰ أَهْلِهِ، وَعَلَىٰ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ حَرِيصًا عَلَىٰ تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ، دُونَ نَظَرٍ إِلَىٰ جَاهٍ أَوْ قَرَابَةٍ، وَكَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَنْهَىٰ عَنْ مُصَادَرَةِ حَقِّ الْفَرْدِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، تَحَرِّيًا لِلْعَدَالَةِ،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً». ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ « أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»،
وكان يوصي بالعدل من يتولى الحكم والقضاء بين الناس، ففي سنن أبي داود: (عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلاَ عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلاَ تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ». قَالَ فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الاسلام وحقوق الانسان)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ حُرْمَةِ الْحَيَاةِ الْخَاصَّةِ: فَالْحَيَاةُ الْخَاصَّةُ لِلْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ انْتِهَاكُهَا، أَوِ التَّعَدِّي عَلَيْهَا، وَمِنْ أَجْلِ حِمَايَتِهَا وَصِيَانَتِهَا جَاءَ الْعَدِيدُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ،
فَقَدْ حَرَّمَ الْإِسْلَامُ الزِّنَا وَاعْتَبَرَهُ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكٍ لِلْعِرْضِ، وَانْتِهَاكٍ لِلشَّرَفِ، وَهَدْمٍ لِلْأُسْرَةِ، وَتَضْيِيعٍ لِلْأَخْلَاقِ، وَأَمَرَ الْإِسْلَامُ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَنَهَىٰ عَنْ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، كَمَا نَهَىٰ عَنْ تَبَرُّجِ النِّسَاءِ وَاخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَوَضَعَ أَدَبًا لِلْحِفَاظِ عَلَىٰ حُرْمَةِ الْبُيُوتِ الْخَاصَّةِ وَهُوَ أَدَبُ الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْإِسْلَامُ،
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور:27]،
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: “إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ”، فَالنَّظْرَةُ الْمُجَرَّدَةُ دَاخِلَ بَيْتِ الْإِنْسَانِ يَعْتَبِرُهَا الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اعْتِدَاءً عَلَىٰ حُرْمَتِهِ وَحَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ.
أيها المسلمون
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ: فَنَجِدُ هَٰذِهِ الْحُرِّيَّةَ مَصُونَةً فِي الْإِسْلَامِ، فَالدِّينُ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْإِسْلَامُ لِبَنِي الْبَشَرِ، أَيًّا كَانَتْ دِيَانَتُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ، فَلَا إِكْرَاهَ لِأَحَدٍ عَلَىٰ اعْتِنَاقِ عَقِيدَةٍ مُعَيَّنَةٍ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:256]،
وَقَدْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ وَالْأَمْصَارَ، وَلَمْ يُسَجِّلْ عَلَيْهِمِ التَّارِيخُ حَادِثَةَ إِكْرَاهٍ وَاحِدَةً، مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الْعَقِيدَةِ، بَلْ إِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَدْ عَاشُوا فِي ظِلِّ الْإِسْلَامِ حَيَاةً سَعِيدَةً، وَمَارَسُوا فِيهَا حُرِّيَّتَهُمُ الْكَامِلَةَ، فِي الِاعْتِقَادِ، وَإِقَامَةِ شَعَائِرِهِمْ،
وَحُرِّيَّةُ الِاعْتِقَادِ هَٰذِهِ الَّتِي صَانَهَا الْإِسْلَامُ، لَمْ تَصُنْهَا الشَّرَائِعُ الْوَضْعِيَّةُ، الَّتِي تَغْتَالُ فِي ظِلِّهَا الْحُرِّيَّةُ الدِّينِيَّةُ، وَتُحَرِّمُ الدَّعْوَةَ إِلَى الْأَدْيَانِ، وَتَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ، وَدُورَ الْعِبَادَةِ، وَتَفْرِضُ فِيهَا الْعَقَائِدَ وَالْمَذَاهِبَ.
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حُقُوقُ الْأَقَلِّيَّاتِ: فَمَا دَامَ الْإِسْلَامُ قَدْ احْتَرَمَ حُرِّيَّةَ الْعَقِيدَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْمِيَ أَصْحَابَ الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَىٰ، الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي كَنَفِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَٰلِكَ بِالْفِعْلِ، وَأَكَّدَ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَىٰ حُسْنِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْبِرِّ بِهِمْ، وَالتَّسَامُحِ مَعَهُمْ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِهِمْ، فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».
وقد شهد أحد البطارقة على سماحة الإسلام مع أهل الذمة بقوله: «إن العرب الذين مكنهم الزمن من السيطرة على العالم يعاملوننا بعدالة لا حدود لها».
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حُرِّيَّةُ الرَّأْيِّ وَالتَّفْكِيرِ: فَحُرِّيَّةُ الرَّأْيِّ وَالتَّعْبِيرِ فِي الْإِسْلَامِ أَصْلٌ عَامٌّ، يَمْتَدُّ إِلَىٰ كُلِّ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ، فَقَدْ فَتَحَ الْإِسْلَامُ مَجَالًا رَحْبًا لِلتَّفْكِيرِ، وَإِعْمَالِ الْعَقْلِ، وَكَانَ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَحْتَرِمُ حُرِّيَّةَ الرَّأْيِّ، وَيُشَجِّعُ عَلَيْهَا، وَكَانَ حِينَ يَرَى الرَّأْيَ، وَيَرَىٰ بَعْضُ أَصْحَابِهِ خِلَافَهُ، يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ إِلَىٰ رَأْيِّ مَنْ يُخَالِفُهُ، بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَىٰ ذَٰلِكَ: مَا حَدَثَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، حِينَ نَزَلَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَنْزِلًا، وَأَشَارَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ: “لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِّ”، وَبَادَرَ بِتَنْفِيذِ مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ، وَلَمْ يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ، رَغْمَ أَنَّهُ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ، وَالْإِمَامُ الْمُقْتَدَىٰ بِهِ.
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ الْكِفَايَةِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ: فَحَقُّ الْكِفَايَةِ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا الْإِسْلَامُ، وَلَمْ تَتَطَرَّقْ إِلَيْهَا الْأَنْظِمَةُ الْوَضْعِيَّةُ، وَلَا مَوَاثِيقُ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ حَقٌّ إِسْلَامِيٌّ مُقَدَّسٌ، وَيَعْنِي أَنْ يَحْصُلَ كُلُّ فَرْدٍ يَعِيشُ فِي كَنَفِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَىٰ كِفَايَتِهِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ، بِحَيْثُ يَعِيشُ عِيشَةً كَرِيمَةً، وَيَتَحَقَّقُ لَهُ الْمُسْتَوَى اللَّائِقُ لِلْمَعِيشَةِ،
وَحَقُّ الْكِفَايَةِ هَٰذَا يَتَحَقَّقُ بِالْعَمَلِ، فَإِذَا عَجَزَ الْفَرْدُ عَنِ الْعَمَلِ فَالزَّكَاةُ، فَإِذَا عَجَزَتِ الزَّكَاةُ عَنْ سَدِّ كِفَايَةِ الْمُحْتَاجِينَ، تَأْتِي مِيزَانِيَّةُ الدَّوْلَةِ لِسَدَادِ هَٰذِهِ الْكِفَايَةِ،
وَقَدْ عَبَّرَ الرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ ذَٰلِكَ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ: (أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ)،
وقال مؤكدا هذا الحق كما في سنن البيهقي :(أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ»،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حُقُوقُ الْمَدَنِيِّينَ وَالْأَسْرَىٰ أَثْنَاءَ الْحُرُوبِ: فَالشَّأْنُ فِي الْحُرُوبِ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَيْهَا رُوحُ الِانْتِقَامِ، وَالتَّنْكِيلِ، لَا رُوحُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ،
وَلَٰكِنَّ الرَّسُولَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَضَعُ لِقَادَةِ الْجُيُوشِ مَنْهَجًا إِنْسَانِيًّا، تَحْكُمُهُ الرَّحْمَةُ، فَيَنْهَىٰ عَنْ قَتْلِ مَنْ لَا شَأْنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ: كَالْأَطْفَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالشُّيُوخِ، وَالْعَجَزَةِ، وَعُبَّادِ الصَّوَامِعِ،
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا)،
«وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: “أَلَا لَا يُجْهَزَنَّ عَلَىٰ جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعَنَّ مُدْبِرٌ، وَلَا يُقْتَلَنَّ أَسِيرٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ” أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْبَيْهَقِيُّ.
وَكَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُوصِي أَصْحَابَهُ بِالْأَسْرَىٰ، وَيَحُضُّهُمْ عَلَىٰ إِكْرَامِهِمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ، قال تعالى في وصف المؤمنين: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (8)، (9) الانسان.
فَأَيْنَ هَٰذِهِ الْأَخْلَاقُ السَّامِيَةُ مِنْ حُرُوبِ الْيَوْمِ، الَّتِي تُشَنُّ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ، وَيَذْهَبُ ضَحَايَاهَا الْأَطْفَالُ، وَالنِّسَاءُ، وَالشُّيُوخُ؟!.
وَمِنْ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ: حَقُّ التَّمَلُّكِ وَالْعَمَلِ: فَحَمَى الْإِسْلَامُ مَالَ الْإِنْسَانِ وَجُهْدَهُ، وَحَرَّمَ الْغِشَّ وَالرِّبَا وَالسَّرِقَةَ، وَقَالَ ﷺ: “أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ” رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَوَاجِبُنَا الْيَوْمَ لَيْسَ الْفَخْرَ بِمَا لَدَيْنَا مِنْ تَشْرِيعَاتٍ، بَلْ أَنْ نَكُونَ “نُمُوذَجًا” لِهَٰذِهِ تَشْرِيعَاتِ، فَإِنَّ انْتِهَاكَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا – بِاسْمِ الدِّينِ، أَوِ الْعُرْفِ – هُوَ أَكْبَرُ تَشْوِيهٍ لِصُورَةِ الْإِسْلَامِ، فَكُنْ أَنْتَ السَّنَدَ لِلْمَظْلُومِ، وَالْمُدَافِعَ عَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُحْتَرِمَ لِحُقُوقِ جَارِكَ وَعَامِلِكَ، لِتَكُونَ مُسْلِمًا حَقًّا.
(الدعاء )
