خطبة عن (الناس والحساب)
أبريل 28, 2023خطبة عن أحوال أهل القبور وحديث (إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ)
أبريل 29, 2023الخطبة الأولى : عن الصدقة ، وحديث (هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام البخاري في صحيحه : (عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ :انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ : « هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ » قُلْتُ مَا شَأْنِي أَيُرَى فِيَّ شَيْءٌ مَا شَأْنِي ،فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ ، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ ، وَتَغَشَّانِي مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقُلْتُ مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً ،إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»
وفي رواية لمسلم: قَالَ :(فَلَمَّا رَآنِي قَالَ :« هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ». قَالَ فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ قَالَ :« هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا – مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ – وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ،مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلاَ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ ،تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا ،كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ».
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله- مع هذا الحديث النبوي الكريم ،والذي يبين لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأموال فيها حقوق ومسؤوليات، وأن الإنسان سوف يُسأل عنها يوم القيامة ، كما جاء في صحيح الترمذي : (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ». وفي هذا الحديث الذي هو بين أيدينا اليوم ، يروي لنا الصحابي الجليل أبو ذرٍّ (رضِي اللهُ عنه)، أنَّه سمِع النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ وهو في ظِلِّ الكعبةِ: (هُمُ الأخسرونَ ورَبِّ الكعبةِ، همُ الأخسرونَ وربِّ الكعبةِ) ، فقال أبو ذرٍّ (رضِي اللهُ عنه) لِمَّا سمعَه يقول ذلك : ما شأنِي ،أيُرَى فِيَّ شيءٌ، ما شَأني؟ ،وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصده هو بهذه الكلمات ، فتساءلَ رضِي اللهُ عنه عن حالِ نفْسِهِ، وهل يَرى فيهِ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا جعلَه يَنعَتُه بأنَّه مِنَ الخاسرينَ؟ وظلَّ هكذا حتَّى تَغشَّاهُ ما شاءَ اللهُ، أي: أصابَه مكروهٌ مِن خوفِه، فما استطاعَ أنْ يَسكُتَ ، حتَّى سألَ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن مَقصودِه بِالأخسرينَ، فقالَ له: مَن هم بِأبي أنتَ وأمِّي؟ أي فِداك أبي وأمِّي، فقال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأكثرونَ أموالًا، إلَّا مَن قال هكذا، وهكذا، وهكذا»، أي: الأَخسرونَ- الَّذين خَسِروا أموالَهم ،أو ثوابَ زَكاتِهم- هم أصحابُ المالِ الكثيرِ، إلَّا الَّذين يُنفقونَ منه ويُخرجونَ حَقَّه، وأشارَ صلَّى الله عليه وسلَّم أمامَه وعنْ يمينِه وعن شِمالِه، وهو إشارةٌ إلى تَعدُّدِ وُجوهِ البِرِّ والنَّفقةِ الَّتي يجبُ أن يُنفقَ فيها أصحابُ الأموالِ الكثيرةِ.
وهكذا يتبين لنا جليا أن المال سبب موصل إما إلى الجنة ، وإما إلى النار، فالاستعانة به على طاعة الله، وإنفاقه في سبل الخيرات، يعد سبباً موصلاً إلى رضوان الله ، والفوز بالجنة، والاستعانة به على معصية الله، وإنفاقه في تحصيل الشهوات المحرمة، والاشتغال به عن طاعة الله، يكون سبباً في غضب الله عليه واستحقاقه العقاب الأليم. كما قال الله تعالى : {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (34) التوبة.
كما أخبر الله سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله في الصد عن سبيل الله، فسوف يلحقه الخزي والندامة يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) الأنفال. وقال سبحانه عن الذين استعانوا بالمال على طاعة الله وأنفقوه في مرضاته: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (29-30) فاطر. ، كما أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أن كنز المال وعدم إنفاق الواجب منه سبب في تحقق الخسران في الآخرة، فقد روى الامام مسلم في صحيحه : (أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ قَالَ « وَلاَ صَاحِبُ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لاَ يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلاً وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ « وَلاَ صَاحِبُ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلاَ جَلْحَاءُ وَلاَ عَضْبَاءُ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ قَالَ « الْخَيْلُ ثَلاَثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِىَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِىَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلاَ رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ وَلاَ تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ وَلاَ مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلاَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ قَالَ « مَا أُنْزِلَ عَلَىَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ».، كما روى الامام البخاري في صحيحه : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ – يَعْنِى بِشِدْقَيْهِ – يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ » . ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ( وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (180) آل عمران ، فالرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم.
أيها المسلمون
فطوبى لمن وقاه الله شح نفسه ، وآتاه الله الجود والسخاء والكرم ،والصبر علي ذلك ، طوبى لمن آتاه الله مالاً ، ووفقه لإنفاقه في مرضاته ، فقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ” رواه البخاري ومسلم ، فهذا الرجل الغني الذي لا يتوقف عن الصدقة ، والتي تقع موقعها الحق ، كما في الحديث الآخر :” فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ” فعينه دائماً علي ماله ، يريد أن يهلكه في أبوابه الحق. فعلي كل مسلم أن يغبط هذا الرجل ،ويتمني أن يكون مثله موُفقاً ، صاحب قلب قوي ثابت ، وعند إخراج الصدقة لا يرتجف ولا تتردد يداه ، ولا يتبعها بصره ولا يتبعها بمّن ولا أذى ، ولا يرائي الناس ، ولا يريد منهم جزاء ولا شكورا ، قال الله تعالي :” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” البقرة 261، فالله تعالى عليم بحال المنفق وإخلاصه وصدقه ، وهو عليم بحال النفقة هل هي طيبة أم خبيثة ، وهو عليم بموقعها فيما يرضي الله أو يغضبه ، لأن الصدقة لا تجوز علي من يستعملها أو يستعين بها علي المعصية .
والله سبحانه تعالي واسع في عطائه ومثوبته ، واسع في رحمته وعفوه ومغفرته ، واسع في كرمه وإحسانه ، واسع في عزته وكمالاته ، يعطي بالدرهم سبعمائة ، ثم يضاعف العطاء أكثر من ذلك إلي ملايين الأضعاف حيث يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ “(في صحيح الجامع). والمعني كما بينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن الفقير التقي الذي ليس عنده إلا درهمين ،فعمد إلي نصف ما معه ،وهو درهم واحد ،فأنفقه لله ،فكان هذا الدرهم عند الله أكثر من صدقة رجل غني عنده مليون درهم ،فعمد إلي عشر ما معه وهو مائة ألف درهم فأنفقها لله ، فالذي سبق هو صاحب الدرهم ،لأن الله عليم يعلم أن هذا الفقير قد آتي ما معه مع حبه له ، ومع حاجته إلي درهمه ، هذا كما في الحديث الصحيح ” أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ ” رواه البخاري ومسلم . أي مع رغبته الشديدة في المال ،وحاجته الملحة إليه ،وقلة ما في يده ،فقد أنفقه ثقة بالله تعالي، وحباً له ،وتقرباً إليه ، فالله تعالي واسع عليم ، في الحديث الصحيح :” مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ” رواه البخاري، وقال الله تعالي: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (7) ابراهيم ،والشكر هو الاعتراف بالنعمة، والثناء علي الله بها ،والإنفاق منها في سبيله ، أما الزيادة من الله تعالي فهي واسعة : زيادة في النعمة ، وزيادة التوفيق في شكرها ، وزيادة الحياة الطيبة بها “من صلاح البال ، وسكينة النفس وطمأنينة القلب ، والرضى والقناعة مع الأيمان بالقدر وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ” . أما كفر النعمة : فعذاب الله شديد في الدنيا والآخرة ، والحرمان من الحياة الطيبة ، وإحلال المعيشة الضنك محلها ، وذهاب النعمة أو حشوها بالأنكاد والمنغصات ، ومحق البركة فيها فلا تستعمل في شيء إلا كان وبالاً عليه ،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية : عن الصدقة ، وحديث (هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
قال الله تعالي : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (195) البقرة ،والمعنى: إن أمسكتم عن الإنفاق فقد ألقيتم أنفسكم بأيدكم إلي التهلكة . فماذا تنتظر بعد ذلك يا صاحب المال ؟ هل تفرح بتخزينه للورثة لتضمن سعادتهم من بعدك ؟ فأعلم أن سعادتهم بيد الله وحده ،ولا تكون إلا بالحياة الطيبة المشروطة بالعمل الصالح ، وبغير ذلك فليس إلا المعيشة الضنك ، وفي صحيح البخاري : (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ . قَالَ « فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ » . ، فما عند الله أضمن للورثة مما عندك ، قال الله تعالي : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (9) النساء، وفي الأثر أن أبا حازم الصحابي الجليل لما حضرته المنية قال له أصحابه ماذا أبقيت لأبنائك – وقد أنفق ماله لله – قال : ادخرت مالي لنفسي عند ربي وادخرت ربي لأبنائي ، وقال مالك بن أنس لما حضرت المنية عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حصروا تركته فوجدوها سبعة عشر درهما ،فقالوا ماذا أبقيت لأبنائك يا أمير المؤمنين ، فقال : أبنائي أحد أثنين : إما صالحون فالله يتولى الصالحين ، وإما عصاة ، فلا أعطي مال الله لعاصي ،فيستعين به علي معصية الله . قال مالك : لقد رأيت أحد أبناء عمر بن عبد العزيز بعد موت عمر يجهز جيشاً للمسلمين من ماله الحلال ، فضمان مستقبل الأبناء بطاعة الله وتقواه والإنفاق في سبيله ،وليس بكنز المال وحجبه ، ظناً من البخيل أن مستقبل الأبناء بالمال وحده . الدعاء