خطبة عن (رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ)
فبراير 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الصَّبْرُ فِي رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» (رواه الترمذي وابن ماجه).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ بِحَقٍّ، وَالصَّبْرُ هُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَضِيَاءُ كُلِّ قَلْبٍ، ولَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِـ “شَهْرِ الصَّبْرِ”، وَذَلِكَ لِأَنَّ العَبْدَ فِيهِ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا تَهْوَى، طَلَباً لِمَرْضَاةِ المَوْلَى، فإِنَّ الصَّبْرَ فِي رَمَضَانَ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَنْوَاعُ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا: صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ: بِأَدَاءِ الفَرِيضَةِ وَالقِيَامِ، وَصَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ: بِالِابْتِعَادِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَاللَّغْوِ، وَصَبْرٌ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ: مِمَّا يَلْحَقُ الصَّائِمَ مِنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَتَعَبٍ، فَهو مَدْرَسَةٌ لِإِعْدَادِ النُّفُوسِ وَتَقْوِيَةِ العَزَائِمِ.
ومِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الصَّبْرِ فِي رَمَضَانَ: “الصَّبْرُ عَنِ الغَضَبِ”، فحِينَ تَمْتَحِنُكَ المَوَاقِفُ، وَتَسْتَفِزُّكَ الأَخْلَاقُ الضَّيِّقَةُ، يَأْتِي التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ لِيَكُونَ لَكَ زِمَاماً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري ومسلم).
فمَنْ لَمْ يَصْبِرْ لِسَانُهُ عَنِ الرَّدِّ بِمِثْلِ الإِسَاءَةِ، فَلَمْ يُحَقِّقْ مَقْصُودَ الصَّبْرِ فِي شَهْرِهِ، فَالقُوَّةُ لَيْسَتْ فِي الِانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ، بَلْ فِي قَهْرِهَا وَإِلْجَامِهَا بِحِلْمِ الصَّائِمِينَ، وفي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»
والصَّبْر فِي رَمَضَانَ يُورِثُ “الحَلَاوَةَ” فِي القَلْبِ، فَكُلَّمَا اشْتَدَّتِ المَشَقَّةُ، وَتَأَخَّرَ الإِفْطَارُ، كُلَّمَا كَانَتْ فَرْحَةُ العَبْدِ بِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ أَعْظَمَ، وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (رواه البخاري ومسلم). فهَذِهِ الفَرْحَةُ هِيَ ثَمَرَةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ،
فَاصْبِرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى بَقِيَّةِ شَهْرِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً، وَأَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ جَزَاءَ الصَّبْرِ فِي رَمَضَانَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَكُلُّ عَمَلٍ لَهُ أَجْرٌ مَعْلُومٌ، إِلَّا الصَّبْرَ وَالصِّيَامَ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الصَّابِرِينَ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]. وَقَالَ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ عَنِ الصَّائِمِ: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (رواه البخاري ومسلم). فَاجْتَمَعَ لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ فَضْلَانِ، وَجَزَاءَانِ، مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ، لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ، فصَبْركَ عَلَى مَشَقَّةِ الجُوعِ، وَطُولِ القِيَامِ، يُرَبِّي فِيكَ نَفْساً أَبِيَّةً، تَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ صِعَابِ الحَيَاةِ بِثَبَاتٍ وَيَقِينٍ.
ويَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200]. وَفي الحديث: (قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (رواه البخاري ومسلم).
ونَحْنُ الآنَ فِي هذا الزمان وَالحَيَاةُ مِنْ حَوْلِنَا تَتَسَارَعُ، وَالفِتَنُ تَتَزَايَدُ، وَلَا سَبِيلَ لِلثَّبَاتِ إِلَّا بِزَادِ الصَّبْرِ الَّذِي نَتَزَوَّدُ بِهِ فِي رَمَضَانَ، فإِنَّ الصَّبْرَ الَّذِي نَتَعَلَّمُهُ فِي الصِّيَامِ يَجِبُ أَنْ يَمْتَدَّ مَعَنَا إِلَى طُولِ العَامِ؛ صَبْراً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي زَمَنِ المُتَغَيِّرَاتِ، وَصَبْراً عَلَى قِيَمِ الإِسْلَامِ وَأَخْلَاقِهِ، فلَا تَجْعَلُوا صَبْرَكُمْ يَنْتَهِي مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، بَلْ اجْعَلُوهُ سَجِيَّةً لَكُمْ وَخُلُقاً دَائِماً.
وتَذَكَّرُوا أَنَّ شهر رَمَضَانَ “أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ”، فَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ وَتَنْقَضِي المَشَقَّةُ، وَيَبْقَى الأَجْرُ، فالصَّبْرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ هُوَ عُبُورٌ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ. فَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى تَمَامِ الخَتْمَاتِ، وَعَلَى كَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ، وَعَلَى بِرِّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، فَالصَّابِرُ فِي رَمَضَانَ هُوَ مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ، وَأَلْزَمَهَا بِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ.
وليكن معلوما لديكم أنه فِي خِتَامِ شَهْرِ الصَّبْرِ، يَفُوزُ الصَّابِرُونَ بِالْجَائِزَةِ الكُبْرَى، وَهِيَ العِتْقُ مِنَ النَّارِ، فَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ اللهِ أَنْ نَكُونَ مِنَ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الصَّابِرِينَ عَلَى بَلَائِكَ، الشَّاكِرِينَ لِنَعْمَائِكَ، الرَّاضِينَ بِقَضَائِكَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِيمَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَاجْعَلِ الصَّبْرَ لَنَا ضِيَاءً، وَالتَّقْوَى لَنَا زَاداً، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الصَّبْرُ فِي رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ شهر رَمَضَانَ هُوَ “دَوْرَةٌ تَدْرِيبِيَّةٌ” عَلَى الصَّبْرِ، والصَّبْر فِي رَمَضَانَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي تَرْكِ الأَكْلِ، بَلْ هُوَ صَبْرٌ اجْتِمَاعِيٌّ أَيْضًا، فمنها: الصَّبْرُ عَلَى جَهْلِ الجَاهِلِينَ: فقد عَلَّمَنَا ﷺ أَنَّ مَنْ شَتَمَنَا وَنَحْنُ صِيَامٌ فَلْنَقُلْ: “إِنِّي صَائِمٌ”. فهَذَا صَبْرٌ يُهَذِّبُ المُجْتَمَعَ وَيَمْنَعُ الخُصُومَاتِ. ومنها: الصَّبْرُ عَلَى التَّعَبِ فِي سَبِيلِ النَّفْعِ: فمَنْ يَقُومُ بِخِدْمَةِ الصَّائِمِينَ، أَوْ يُجَاهِدُ فِي عَمَلِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، فهُوَ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الصَّبْرِ. ومَنْ تَعَوَّدَ الصَّبْرَ فِي رَمَضَانَ، سَهُلَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا فِي بَقِيَّةِ العَامِ، فرَمَضَانُ يَقُولُ لَكَ: إِنَّ بَعْدَ الجُوعِ شِبَعًا، وَبَعْدَ الظَّمَإِ رِيًّا، وَبَعْدَ التَّعَبِ رَاحَةً، كَذَلِكَ الدُّنْيَا؛ صَبْرُ سَاعَةٍ، ثُمَّ نَعِيمُ الأَبَدِ فِي الجَنَّةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وشهر رمضان شهر الصبر: فمن أشق العبادات وأعظمها أجرا: الصوم في شدة الحر، وقد صام المسلمون رمضان في حر شديد، فكتب لهم أجر الصائمين، وأجر الصابرين، وقد نقلت إلينا آثار كثيرة عن السلف في طلب الصيام في الحر الشديد، ومنهم من لا يحب البقاء في الدنيا إلا من أجله، وهذا من أعظم مراتب العبودية: أن يخالف العبد مشتهى نفسه في ألذ شيء وهو الماء البارد في شدة الحر طاعة لله تعالى؛
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ” رواه الشيخان.
وكان عبد لله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لا يكاد يفطر في الحضر، ولما احتضر رضي الله عنه قال: (ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل)،
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ. وافَرِّغْ عَلَيْنَا صَبْرًا، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ. وتَقَبَّلْ صِيَامَنَا، وَاجْعَلْ لَنَا مِنهُ حَظًّا وَافِرًا مِنْ رَحْمَتِكَ.
الدعاء
