خطبة حول قوله تعالى ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
يناير 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (اللَّهُ كَافٍ عَبْدَهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [الزمر:36-37]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي].
إخوة الإسلام
قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ): فهَذَا الِاسْتِفْهَام التَّقْرِيرِيّ، هُوَ بَلْسَمُ القُلُوبِ الـمُنْكَسِرَةِ، وَعِمَادُ النُّفُوسِ الـمُضْطَرِبَةِ، لأنه إِعْلَانٌ رَبَّانِيٌّ بِأَنَّ مَنْ تَحَقَّقَ بِعُبُودِيَّةِ اللهِ، كَفَاهُ اللهُ كُلَّ مَا أَهَمَّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فالكِفَايَةُ هُنَا تَامَّةٌ، عَامَّةٌ، شَامِلَةٌ؛ كِفَايَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَكِفَايَةٌ فِي الحِمَايَةِ ،وَكِفَايَةٌ فِي الهِدَايَةِ، فَإِذَا كَانَ اللهُ مَعَكَ، فَمَنْ عَلَيْكَ؟، وَإِذَا كَفَاكَ الجَبَّارُ، فَكيف يَضُرُّكَ مَكْرُ الـمَاكِرِينَ، أَوْ كَيْدُ الكَائِدِينَ؟، فإن الهَمَّ يَدْخُلُ القَلْبَ حِينَ يَنْقُصُ يَقِينُ العَبْدِ بِكِفَايَةِ رَبِّهِ، فَيَرْتَهِنُ لِلْأَسْبَابِ، وَيَنْسَى مُسَبِّبَهَا، فقوله تعالى: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ”؛ هِيَ مَشْرُوطَةٌ بِالـعُبُودِيَّةِ، فَكُنْ للهِ كَمَا يُرِيدُ، يَكُنْ لَكَ فَوْقَ مَا تُرِيدُ.
وقوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ): سُؤَالٍ لَا يَنْتَظِرُ جَوَاباً بِاللِّسَانِ، بَلْ يَنْتَظِرُ يَقِيناً يَمْلأُ الجَنَانَ، فنقول: بَلَى يَا رَبِّ، أَنْتَ كَافٍ لِعَبْدِكَ، فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وفِي رِزْقِهِ وَفي صِحَّتِهِ، وفِي نَصْرِهِ وَثَبَاتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ وَالمُشْرِكُونَ يُخَوِّفُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَصْنَامِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذَا الضَّمَانَ الإِلَهِيَّ، (وَالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ)؛ فَهِيَ رِسَالَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَشْعُرُ بِالخَوْفِ، أَوْ يَمُرُّ بِضِيقٍ، أَوْ تُحِيطُ بِهِ كُرُوبُ الحَيَاةِ.
وقوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ): فتَأَمَّلُوا لَطَائِفَ الآيَةِ؛ لَقَدْ قَالَ اللهُ: {بِكَافٍ عَبْدَهُ}، وَلَمْ يَقُلْ “بِكَافٍ الإِنْسَانَ”؛ فَقَدْ رَبَطَ الكِفَايَةَ بِـ “العُبُودِيَّةِ”، فَبِقَدْرِ مَا تَتَحَقَّقُ فِيكَ مَعَانِي العُبُودِيَّةِ لِلهِ تعالى، وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، بِقَدْرِ مَا تَتَنَزَّلُ عَلَيْكَ الكِفَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
وكِفَايَةُ اللهِ لِعَبْدِهِ لَا حُدُودَ لَهَا: فهو كَافٍ لَكَ فِي هَمِّكَ: فإِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَيْكَ الهُمُومُ، وَظَنَنْتَ أَنْ لَا مَخْرَجَ، قال تعالى: “فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) التوبة (129) “، أَيْ: اللهُ كَافِينيَّ، وهو كَافٍ لَكَ فِي رِزْقِكَ: فإِذَا خِفْتَ مِنَ الفَقْرِ أَوْ تَعَسُّرِ الأَسْبَابِ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ الفَمَ كَفِيلٌ بِالرِّزْقِ، قال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (38) الزمر، وهو كَافٍ لَكَ من أَعْدَائِكَ، إِذَا كَادَ لَكَ الكَائِدُونَ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة:137.
وإِنَّ كِفَايَةَ اللهِ لَكَ هِيَ أَمْنُكَ النَّفْسِيُّ، فحِينَ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مَعَكَ، يَسْقُطُ مِنْ عَيْنِكَ كُلُّ عَظِيمٍ، إِلَّا اللهَ، وَيَصْغُرُ فِي قَلْبِكَ كُلُّ خَوْفٍ، إِلَّا مِنَ اللهِ، قال تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} الزمر: 36؛ فَكُلُّ مَا دُونَ اللهِ فهو هَبَاءٌ، وَكُلُّ مَا دُونَ اللهِ فهو ضَعِيفٌ، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، وتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ العَلَاقَةِ: فكُلَّمَا ازْدَادَتْ عُبُودِيَّتُكَ لِلَّهِ تعالى، ازْدَادَتْ كِفَايَةُ اللهِ لَكَ، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قَالَ- يَعْنِى إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ- بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. يُقَالُ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ. وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ ». وفي سنن ابن ماجه: (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ – أَوْ مِنْ بَابِ دَارِهِ – كَانَ مَعَهُ مَلَكَانِ مُوَكَّلاَنِ بِهِ فَإِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ. قَالاَ هُدِيتَ. وَإِذَا قَالَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. قَالاَ وُقِيتَ. وَإِذَا قَالَ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ قَالاَ كُفِيتَ قَالَ فَيَلْقَاهُ قَرِينَاهُ فَيَقُولاَنِ مَاذَا تُرِيدَانِ مِنْ رَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ ». وفي سنن الترمذي وغيره: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَكْفِكَ آخِرَهُ».
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
وإِنَّ الِاسْتِغْنَاءَ بِاللهِ عَمَّنْ سِوَاهُ هُوَ ذِرْوَةُ الإِيمَانِ، فانْظُرُوا إِلَى الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ: “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”، فَكَانَتِ الكِفَايَةُ الإِلَهِيَّةُ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَانْظُرُوا إِلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فِي غَزْوَةِ حَمْرَاءِ الأَسَدِ، حِينَ قِيلَ لَهُمْ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}، فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}. قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (173): (175) آل عمران،
وفي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ قَالُوا (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ». فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُمْ «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا»، وفي الصحيحين: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ – رضي الله عنه – قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا. قَالَ «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»، فَالنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- لَيْسَتْ بِتَعَدُّدِ الحُلَفَاءِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ، بَلْ بِيَقِينٍ يَمْلأُ السَّوَيْدَاءَ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الكَافِي.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نَنَالُ هَذِهِ الكِفَايَةَ؟، وكَيْفَ نَصِلُ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي نَقُولُ فِيهَا بِكُلِّ ثِقَةٍ: “اللهُ كَافِينا”؟، والجواب: فإِنَّ مِفْتَاحَ ذَلِكَ هُوَ “صِدْقُ التَّوَكُّلِ على الله”، فالتَّوَكُّلُ لَيْسَ كَلِمَةً بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ اعْتِمَادُ القَلْبِ عَلَى اللهِ، مَعَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، فإِذَا صَلَّيْتَ الفَجْرَ، فَأَنْتَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، وَهَذِهِ كِفَايَةٌ، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلاَ يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»،
وإِذَا قُلْتَ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ بَيْتِكَ: “بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”، نُودِيتَ مِنْ قِبَلِ المَلَائِكَةِ: «هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ»، وفي سنن أبي داود: (عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ)،
وفي حديث الملك والراهب والغلام، كما في صحيح مسلم: (ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلاَمِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاطْرَحُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَقَالَ لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي).
فَيَا مَنْ ضَاقَ صَدْرُكَ، وَيَا مَنْ كَثُرَ دَيْنُكَ، وَيَا مَنْ تَخَافُ عَلَى مُسْتَقْبَلِ أَوْلَادِكَ، انْزِعِ الخَوْفَ مِنْ قَلْبِكَ، وَأَنْزِلْ حَاجَتَكَ بِالوَاحِدِ الأَحَدِ، (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ).
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الـمُعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالبَشَرِ!، أَتَطْلُبُ الكِفَايَةَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟، أَتَخَافُ مِنَ الـمُسْتَقْبَلِ وَرَبُّكَ يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]؟ فإِنَّ مَعْنَى “حَسْبُهُ” أَيْ كَافِيهِ. فَاللهُ يَكْفِي عَبْدَهُ الـمُؤْمِنَ شَرَّ الأَعْدَاءِ، وَيَكْفِيهِ هَمَّ العَيْشِ، وَيَكْفِيهِ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ. وَإِنَّمَا يُخَوِّفُنَا الشَّيْطَانُ بِأَوْلِيَائِهِ، لِيَصْرِفَنَا عَنْ بَابِ الكَرِيمِ، فَإِذَا قُلْتَ بِيَقِينٍ: “حَسْبِيَ اللهُ”، انْهَدَمَتْ حُصُونُ الخَوْفِ فِي صَدْرِكَ. قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (175) آل عمران
ووَيْحَكَ أَيُّهَا الـمُعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالبَشَرِ!، كَيْفَ تَضِيقُ بِكَ السُّبُلُ، وَمَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ؟، فإِنَّ اللهَ يَكْفِي العَبْدَ هَمَّ الدُّنْيَا، إِذَا جَعَلَ هَمَّهُ الآخِرَةَ. ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ»، فَلْنُجَدِّدْ مِيثَاقَ التَّوَكُّلِ، وَلْنُنْزِلْ حَاجَاتِنَا بِمَنْ لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ، فَمَنْ وَجَدَ اللهَ فَمَاذَا فَقَدَ؟، وَمَنْ فَقَدَ اللهَ فَمَاذَا وَجَدَ؟.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (اللَّهُ كَافٍ عَبْدَهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:2-3]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» [رواه مسلم].
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
والسؤال: مَتَى تُحْرَمُ هَذِهِ الكِفَايَةَ؟، والجواب: تُحْرَمُ حِينَ تَعْصِي اللهَ وَتَنْتَظِرُ نَصْرَهُ، أَوْ حِينَ تَتْرُكُ دِينَهُ وَتَنْشُدُ عِزَّهُ، ففي مسند أحمد: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- «مَنِ احْتَكَرَ طَعَاماً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى»، وفي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ»، فالكِفَايَة تَنْقُصُ بِنَقْصِ العُبُودِيَّةِ لله تعالى.
ونَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَنِ نُحَاطُ بِأَخْبَارِ الأَزَمَاتِ، وَتَقَلُّبَاتِ العَالَمِ، وَيُخَوِّفُنَا النَّاسُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ القُوَّةِ، وَالمَادَّةِ، ولَكِنَّ رَدَّ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ هُوَ: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟”، فإِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ النَّفْسِيَّةَ لَا تُشْتَرَى بِالمَالِ، بَلْ تُسْتَمَدُّ مِنْ ثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ بِالخَالِقِ، فالنَّجَاةُ أَنْ نَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللهِ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَنَا، وَمَا أَخْطَأَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَنَا، ففي سنن ابن ماجه: (قال صلى الله عليه وسلم : (وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ». فَاتَّقُوا اللهَ، وَعَظِّمُوا رَغْبَتَكُمْ فِيمَا عِنْدَهُ. اِجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ مَعْلُوقَةً بِالخَالِقِ لَا بِالمَخْلُوقِ. وَتَذَكَّرُوا دَائِماً هَذَا النِّدَاءَ الرَّبَّانِيَّ الَّذِي يَمْلأُ الأَرْضَ طُمَأْنِينَةً: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟، واجْعَلُوا “حَسْبِيَ اللهُ” مَنْهَجَ حَيَاةٍ، لَا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ بِاللِّسَانِ، وإِذَا أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ، فَبَابُ اللهِ مَفْتُوحٌ، وَإِذَا انْقَطَعَتِ الأَسْبَابُ، فَحَبْلُ اللهِ مَوْصُولٌ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، ولَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَلَّيْتَهُمْ بِرَحْمَتِكَ وَكَفَيْتَهُمْ بِقُدْرَتِكَ.
الدعاء
