خطبة عن شمائل الرسول ،وحديث ( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا)
أغسطس 30, 2025الخطبة الأولى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (6) الاحزاب، وروى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ».
إخوة الإسلام
قال السعدي في تفسيره لهذه الآية الكريمة من كتاب الله العزيز: (يخبر الله تعالى المؤمنين، خبرًا يعرفون به حالة الرسول صلى الله عليه وسلم ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة فقال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: أقرب ما للإنسان، وأولى ما له نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه عليه الصلاة والسلام، بذل لهم من النصح، والشفقة، والرأفة، ما كان به أرحم الخلق، وأرأفهم، فرسول اللّه، أعظم الخلق مِنَّةً عليهم، من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على يديه وبسببه.
فلذلك، وجب عليهم إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس، مع مراد الرسول، أن يقدم مراد الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول، بقول أحد، كائنًا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه. وهو صلى الله عليه وسلم أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده. فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام، لا في الخلوة والمحرمية، وكأن هذا مقدمة، لما سيأتي في قصة زيد بن حارثة، الذي كان قبل يُدْعَى: “زيد بن محمد” حتى أنزل اللّه {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} الاحزاب:40، فقطع نسبه، وانتسابه منه، فأخبر في هذه الآية، أن المؤمنين كلهم، أولاد للرسول، فلا مزية لأحد عن أحد، وإن انقطع عن أحدهم انتساب الدعوة، فإن النسب الإيماني لم ينقطع عنه، فلا يحزن ولا يأسف. وترتب على أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، أنهن لا يحللن لأحد من بعده، كما صرح الله بذلك : “وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا” الاحزاب:53.
أيها المسلمون
وقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ فيهم وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: يَعْنِي (إِذَا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَدَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى شَيْءٍ كَانَتْ طَاعَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة أَنْفُسِهِمْ).
والنَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِيمَا قَضَى فِيهِمْ، كَمَا أَنْتَ أَوْلَى بِعَبْدِكَ فِيمَا قَضَيْتَ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْجِهَادِ وَبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ. وهذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الإسلام; منها : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم; كما في صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ».
وهو أولى بهم من أنفسهم; لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا». فهذا مثل لاجتهاد نبينا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا;
فهو أولى بنا من أنفسنا; ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدونا اللعين بنا، صرنا أحقر وأذل من الفراش، وقد قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (128) التوبة. فالنبي الرَءُوفٌ الرَّحيم الذى بذل لنا من النصح، والشفقة، والرأفة، ما كان بنا أرحم الخلق، وأرأفهم، وأعظم الخلق مِنَّةً علينا من كل أحد؛ فكيف يكون حالنا معه، ومع سنته، ورسالته؟.
وقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: محبته مقدمة على حبنا لأنفسنا، ففي صحيح البخاري: (أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «الآنَ يَا عُمَرُ»، وثبت في الصحيحين: (عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”.
فعلى كل مؤمن أن يقدم حب النبي والولاية له على نفسه التي بين جنبيه، فنفسك وكل ما تملك فداءً لنبيك، ومِلك لرسولك ﷺ، وبالتالي عليك أن توقف النفس، وكل ما تملك، لمناصرة دعوته، وحماية شريعته، وفي ظل هذه الولاية، ليس لك أن تبخل بنفسك، أو مالك أو جهدك عن نُصرة النبيّ محمد ﷺ، والعمل لدعوته.
ومما يدخل تحت هذه الأولوية: طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتِّباعه ولزوم نهجه وترسُّم خطاه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران:31]، فليست هذه الأولوية مجرَّد كلمة تقال، وليست المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- مجرَّد أمرٍ يدَّعى، وإنما حقيقة ذلك اتباعه -عليه الصلاة والسلام- والسير على منهاجه القويم ولزوم صراطه المستقيم صلوات الله وسلامه عليه.
ومما يدخل تحت هذه الأولوية: نصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونصرة الدين الذي جاء به -عليه الصلاة والسلام-؛ قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفتح:8–9]؛ وتعزير الرسول -صلى الله عليه وسلم-: نصرته ومنعه. وتوقيره -عليه الصلاة والسلام-: احترامه ومعرفة حقه وقدره.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فمما يدخل تحت هذه الأولوية مراعاة الأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن الأدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينبغي أن يكون أعظم من أدب المرء مع نفسه ومع عموم الناس، ومما يدخل في باب الأدب معه -عليه الصلاة والسلام- تحقيق قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) [الحجرات:1]؛ أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.
فليس من الأدب مع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في شيء أن تُرد سنته، أو أن يُعترض على حديثه، أو أن يُجعل حديثه -عليه الصلاة والسلام- كسائر أحاديث الناس القابلة للأخذ والرد والقبول وعدم القبول، فكل ذلكم ليس من الأدب معه -صلى الله عليه وسلم- في شيء.
وكلما أدرك الناس هذه الأولوية التي خص الله بها رسوله -عليه الصلاة والسلام- وعملوا على تحقيق ما تقتضيه نالوا من السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة بحسب ما عرفوه وحققوه من الإيمان بهذه الأولوية والأحقية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
الدعاء