خطبة عن (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)
يناير 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (انتبه: فالله يختبرك فيما آتاك)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) المائدة. وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».
إخوة الإسلام
إِنَّنَا نَعِيشُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ العَطَاءَ دَلِيلُ مَحَبَّةٍ، وَأَنَّ المَنْعَ دَلِيلُ سَخَطٍ، وَهَذَا مَفْهُومٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ بِمِيزَانِ الوَحْيِ، لَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الفجر(15): (17). فكَلِمَةُ “كَلَّا” هُنَا زَجْرٌ وَتَنْبِيهٌ؛ أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَعْطَيْتُهُ فَقَدْ أَكْرَمْتُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ مَنَعْتُهُ فَقَدْ أَهَنْتُهُ، بَلْ كِلَاهُمَا فِي مَيْدَانِ الِاخْتِبَارِ،
فيَا عبدَ اللهِ.. “انْتَبِهْ؛ فَإِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُكَ فِيمَا آتَاكَ”، فهَذَا المَالُ الَّذِي فِي يَدِكَ، لَيْسَ لَكَ لِتَطْغَى بِهِ، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ لِيَرَى اللهُ: هَلْ سَتُؤَدِّي حَقَّهُ؟، هَلْ سَتُنْفِقُهُ فِي مَرْضَاتِهِ؟، أَمْ سَتَبْخَلُ وَتَسْتَغْنِي؟، والصِّحَّةُ الَّتِي تَنْعَمُ بِهَا هي اخْتِبَارٌ: فِيمَا أَفْنَيْتَ شَبَابَكَ؟، والجَاهُ وَالمَنْصِبُ اخْتِبَارٌ :هَلْ نَصَرْتَ مَظْلُومَاً، أَمْ دَاهَنْتَ ظَالِمَاً؟، حَتَّى الذَّكَاءُ وَالعِلْمُ، فهُوَ قَرْضٌ مِنَ اللهِ عِنْدَكَ، سَيَسْأَلُكَ عَنْهُ: كَيْفَ صَرَفْتَهُ؟
وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } (48) المائدة. فهَذَا يَشْمَلُ أَدَقَّ التَّفَاصِيلِ، آتَاكَ الله وَقْتَاً، فَهَلْ هُوَ فِي طَاعَةٍ أَمْ فِي لَهْوٍ؟ آتَاكَ أَبْنَاءً، فَهَلْ هُمْ لِلَّهِ ذُخْرٌ، أَمْ لِلشَّيْطَانِ جُنْدٌ؟، وآتَاكَ لِسَانَاً، فَهَلْ هُوَ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللهِ أَمْ مِعْوَلٌ لِهَدْمِ أَعْرَاضِ النَّاسِ؟، وهَذَا الِاخْتِبَارَ مُسْتَمِرٌّ مَعَ كُلِّ أَنْفَاسِكَ، وَالغَافِلُ هُوَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ النِّعَمَ دَائِمَةٌ بِلَا سُؤَالٍ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولِنَقِف وَقْفَةً تدبر مَعَ أَنْوَاعِ مَا “آتَاكُمْ” اللهُ، فقد آتَاكَ اللهُ “العَقْلَ”؛ فَهَلْ يُسْتَعْمِلُ هَذَا العَقْلُ فِي التَّدَبُّرِ وَالبِنَاءِ، أَمْ فِي المَكْرِ وَالخِدَاعِ، وَتَبْرِيرِ المَعَاصِي؟، وآتَاكَ اللهُ “الوَقْتَ”؛ وَهُوَ رَأْسُ مَالِكَ، فَكُلُّ سَاعَةٍ تَمُرُّ هِيَ جُزْءٌ مِنْكَ، فَهَلْ وَفَّيْتَ حَقَّ هَذَا الوَقْتِ فِيمَا يَنْفَعُكَ يَوْمَ العَرْضِ؟، وآتَاكَ اللهُ “الأَبْنَاءَ”؛ فَهَلْ رَبَّيْتَهُمْ لِيَكُونُوا عِبَادَاً لِلَّهِ، أَمْ جَعَلْتَهُمْ شُغْلاً شَاغِلاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ؟، فإِنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَكُلَّ عَطَاءٍ يَنْتَظِرُ مِنْكَ أَدَاءً.
وانْظُرُوا إِلَى الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَيْفَ ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ؛ آتَاهُ الله الوَلَدَ بَعْدَ كِبَرٍ وَشَوْقٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ!، فلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ ذَبْحَ الوَلَدِ فِي ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِبَارُ فِي: “أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟، العَطِيَّةُ أَمِ المُعْطِي؟”، فَلَمَّا انْتَبَهَ الخَلِيلُ، وَأَسْلَمَ، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، نَجَحَ فِي الِاخْتِبَارِ، فَفَدَاهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وهَكَذَا هِيَ الحَيَاةُ؛ اللهُ يُعْطِيكَ لِيَرَى قَلْبَكَ، هَلْ سَيَنْشَغِلُ بِالزُّخْرُفِ الزَّائِلِ، أَمْ سَيَظَلُّ مُعَلَّقَاً بِنُورِ العَرْشِ؟
وإِنَّ النَّجَاحَ فِي هَذَا الِاخْتِبَارِ يَتَطَلَّبُ “الِاسْتِبَاقَ”، قَالَ تَعَالَى: {فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} المائدة:48، فإِنَّ الزَّمَنَ لَا يَنْتَظِرُ، وَالنِّعَمَ لَا تَدُومُ، فإِذَا آتَاكَ اللهُ فَضْلَ مَالٍ، فَسَابِقْ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ، أَوْ كَفَالَةِ يَتِيمٍ، أَوْ سَدِّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ، قَبْلَ أَنْ تَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَالِكَ الأَقْدَارُ، فالِاسْتِبَاقُ هُوَ رُوحُ المُؤْمِنِ الوَثَّابَةِ، الَّتِي تَعْلَمُ أَنَّ المَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَأَنَّ الحِسَابَ يَبْدَأُ لَحْظَةَ انْقِطَاعِ الأَنْفَاسِ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَى غَيْرِكَ وَتَقُولُ: “لِمَاذَا أُعْطِيَ فُلَانٌ أَكْثَرَ مِنِّي؟”، بَلْ قُلْ: “كَيْفَ أُؤَدِّي حَقَّ مَا أُعْطِيتُ أَنَا؟”.
وتَأَمَّلُوا فِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فحِينَ رَأَى عَرْشَ بِلْقِيسَ مُسْتَقِرَّاً عِنْدَهُ فِي لَمْحِ البَصَرِ، وَرَغْمَ كُلِّ هَذَا المُلْكِ وَالقُوَّةِ، لَمْ يَقُلْ: “أَنَا المَلِكُ”، بَلْ قَالَ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} النمل:40. فلَمْ يَرَ نبي الله سليمان النِّعْمَةَ غَنِيمَةً، بَلْ رَآهَا “بَلَاءً” أَيْ اخْتِبَارَاً، وإِنَّ أَخْطَرَ مَرَاحِلِ الضَّيَاعِ: أَنْ يَنْسَى الإِنْسَانُ أَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ هُوَ مَحْضُ فَتْنَةٍ، فَيَتَكَبَّرُ عَلَى الخَلْقِ، وَيَنْسَى الخَالِقَ.
والله تعالى يَبْتَلِي عَبِيدَهُ بِالنِّعَمِ، لِيَسْتَخْرِجَ مِنْهُمْ عُبُودِيَّةَ “الشُّكْرِ”، وَالشُّكْرُ لَيْسَ كَلِمَةً بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ اسْتِعْمَالُ النِّعْمَةِ فِي طَاعَةِ المُنْعِمِ، فَمَنْ آتَاهُ اللهُ بَلَاغَةً، فَلَا يَسْتَعْمِلْهَا فِي البَاطِلِ، وَمَنْ آتَاهُ اللهُ قُوَّةً، فَلَا يَسْتَعْمِلْهَا فِي الظُّلْمِ، وَمَنْ آتَاهُ اللهُ بَصَرَاً، فَلَا يَسْتَعْمِلْهُ فِي الحَرَامِ، فَكُلُّ مَوْهِبَةٍ عِنْدَكَ هِيَ “سُؤَالٌ” مُوَجَّهٌ إِلَيْكَ، وَالإِجَابَةُ هِيَ مَوْقِفُكَ العَمَلِيُّ.
واحْذَرُوا مِنَ “الِاسْتِدْرَاجِ”: وَهُوَ أَنْ يَتَتَابَعَ العَطَاءُ، مَعَ تَتَابُعِ المَعْصِيَةِ، وفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ». ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} الأنعام:44. فلَا تَغْتَرَّ بِسِتْرِ اللهِ عَلَيْكَ، وَتَتَابُعِ نِعَمِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الِاخْتِبَارُ الأَصْعَبُ، الَّذِي رَسَبَ فِيهِ الكَثِيرُونَ،
فانْظُرُوا إِلَى “قَارُونَ”؛ لقد آتَاهُ اللهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ، فَمَاذَا قَالَ؟ قَالَ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} القصص:78. فنَسِيَ الِاخْتِبَارَ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ العَطَاءَ لِعِبْقَرِيَّتِهِ، فَكَانَ الجَزَاءُ: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} القصص:81. فَكُلُّ مَنْ نَسَبَ النِّعْمَةَ لِنَفْسِهِ، أَوْ ذَكَائِهِمْ، أَوْ كَدِّهِمْ، وَنَسِيَ المُعْطِي، فَقَدْ وَقَعَ فِي فِخِّ قَارُونَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
مَا هُوَ المَخْرَجُ وَالنَّجَاحُ فِي هَذَا الِاخْتِبَارِ؟، والجَوَابُ فِي بَقِيَّةِ الآيَةِ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}. فحِينَ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَبْتَلِيكَ بِمَا أَعْطَاكَ، فَلَا تَنْتَظِرْ، وَلَا تُسَوِّفْ، فإِذَا آتَاكَ مَالاً، فَسَابِقْ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْلَبَ مِنْكَ أَوْ تُسْلَبَ مِنْهُ، وإِذَا آتَاكَ جَاهَاً، فَسَابِقْ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ سُلْطَانُكَ، والِاسْتِبَاقُ هُنَا يَعْنِي أَنَّكَ فِي مَيْدَانِ سِبَاقٍ، وَالْمُؤْمِنُ الذَّكِيُّ هُوَ مَنْ يُحَوِّلُ النِّعْمَةَ الفَانِيَةَ إِلَى عَمَلٍ صَالِحٍ بَاقٍ، لِيَكُونَ جَوَابُهُ حَاضِرَاً حِينَ يَقْدَمُ عَلَى رَبِّهِ.
إِنَّ هَذَا الِاخْتِبَارَ يَقْتَضِي مِنْكَ “اليَقَظَةَ الدَّائِمَةَ”، فانْتَبِهْ لِقَلْبِكَ حِينَ تَنْفَتِحُ عَلَيْكَ الدُّنْيَا، هَلْ دَخَلَ حُبُّهَا فِيهِ؟، وانْتَبِهْ لِجَوَارِحِكَ حِينَ تَقْدِرُ عَلَى النَّاسِ، هَلْ طَغَيْتَ؟، وانْتَبِهْ لِصَلَاتِكَ حِينَ تَكْثُرُ أَشْغَالُكَ، هَلْ ضَيَّعْتَ؟،
إِنَّ اللهَ يَبْلُوكَ لِيَظْهَرَ صِدْقُكَ مِنْ كَذِبِكَ، وَشُكْرُكَ مِنْ جُحُودِكَ، فَاللَّبِيبُ مَنْ جَعَلَ مَا آتَاهُ اللهُ سُلَّمَاً لِلْجَنَّةِ، لَا سَبَبَاً فِي دُخُولِ النَّارِ، وإِنَّ الِانْتِبَاهَ لِلِاخْتِبَارِ يَقْتَضِي مِنَّا “المُحَاسَبَةَ الدَّائِمَةَ”. فاسْأَلْ نَفْسَكَ مَعَ كُلِّ دِرْهَمٍ يَدْخُلُ جَيْبَكَ: مِنْ أَيْنَ؟، وَفِيمَ؟، واسْأَلْ نَفْسَكَ مَعَ كُلِّ لَحْظَةِ فَرَاغٍ: كَيْفَ مَضَتْ؟، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا يَسْأَلُنَا عَمَّا لَمْ نَمْلِكْ، وَلَكِنَّهُ حَتْمَاً سَيَسْأَلُنَا عَمَّا مَلَكْنَا.
وانْتَبِهُوا أَيْضَاً إِلَى أَنَّ اللهَ يَخْتَبِرُكُمْ “بِبَعْضكُمْ بَعْضَاً”، قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} الفرقان:20. فالغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ: هَلْ سَيَحْسِدُ أَمْ سَيَرْضَى؟، وَالفَقِيرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ: هَلْ سَيُوَاسِي أَمْ سَيَتَكَبَّرُ؟، والقَوِيُّ فِتْنَةٌ لِلضَّعِيفِ، وَالمَسْؤُولُ فِتْنَةٌ لِمَنْ تَحْتَ يَدِهِ، فكُلُّنَا فِي دَائِرَةِ الِامْتِحَانِ، وَالنَّاجِحُ مَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الخَلْقِ، واجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ دَائِمَاً قَوْلَ اللهِ تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء:35. فلَا تَرْكَنُوا لِلْعَطَاءِ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنَ المَنْعِ، بَلْ كُونُوا عِبَادَاً لِلَّهِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، إِنْ أَعْطَى شَكَرْتُمْ، وَإِنْ مَنَعَ صَبَرْتُمْ، وَإِنْ أَمَرَ أَطَعْتُمْ، هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى النَّجَاةِ يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (انتبه: فالله يختبرك فيما آتاك)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) المائدة. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِكَ المَالَ لِأَنَّكَ الأَذْكَى، وَلَمْ يُعْطِكَ الصِّحَّةَ لِأَنَّكَ الأَقْوَى، وَلَمْ يَمْنَحْكَ الجَاهَ لِأَنَّكَ الأَوْلَى، وَإِنَّمَا قَالَ بِيَقِينٍ لَا لَبْسَ فِيهِ: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (48) المائدة. هَذِهِ اللَّامُ هِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ؛ أَيْ أَنَّ عِلَّةَ العَطَاءِ هِيَ الِاخْتِبَارُ، فَالدُّنْيَا كُلُّهَا بِقُضِّهَا وَقَضِيضِهَا، بِأَفْرَاحِهَا وَأَتْرَاحِهَا، مَا هِيَ إِلَّا قَاعَةُ امْتِحَانٍ كَبِيرَةٍ، وَأَنْتَ فِيهَا مُمْتَحَنٌ إِلَى حِينٍ.
ولَقَدْ أَخْطَأَ الكَثِيرُونَ فَهْمَ سِرِّ الِابْتِلَاء، فَحَصَرُوهُ فِي الجُوعِ وَالفَقْرِ وَالمَرَضِ، وَلَكِنَّ القُرْآنَ يَقُولُ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} الأنبياء:35. بَلْ إِنَّ الِابْتِلَاءَ بِالنِّعْمَةِ أَشَدُّ خَطَرَاً مِنَ الِابْتِلَاءِ بِالنِّقْمَةِ؛ لِأَنَّ البَلَاءَ يَسُوقُ العَبْدَ إِلَى بَابِ مَوْلَاهُ بَاكِيَاً مُنْكَسِرَاً، أَمَّا النِّعْمَةُ فَقَدْ تَسُوقُهُ إِلَى الكِبْرِ وَالطُّغْيَانِ وَنِسْيَانِ المُنْعِمِ سُبْحَانَه، وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِ الشَّيْطَانِ لَعَنَهُ اللهُ: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} الأعراف:17؛ فلَمْ يَقُلْ صَابِرِينَ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَزْلَقَ النِّعْمَةِ دَحْضٌ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ عِنْدَ الرَّخَاءِ يَحْتَاجُ إِلَى يَقَظَةٍ كُبْرَى.
وإِنَّ الِاخْتِبَارَ فِي مَا آتَانَا اللهُ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ “العَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ”: فآتَاكَ اللهُ جِيرَانَاً، فَهَلْ أَمِنُوا بَوَائِقَكَ؟، وآتَاكَ اللهُ أَرْحَامَاً، فَهَلْ وَصَلْتَهُمْ؟، وآتَاكَ اللهُ إِخْوَةً فِي الدِّينِ، فَهَلْ نَصَرْتَهُمْ؟، إِنَّ هَذِهِ المَوَاقِفَ هِيَ مَحَكَّاتُ الصِّدْقِ، فلَيْسَ الِابْتِلَاءُ فَقَطْ فِي العِبَادَاتِ المَحْضَةِ، بَلْ فِي السُّلُوكِ مَعَ الخَلْقِ بِمَا مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهُ، فَالغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالفَقِيرِ: أَيُوَاسِيهِ؟، وَالفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِالغَنِيِّ: أَيَحْسُدُهُ أَمْ يَرْضَى؟، وَالقَوِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالضَّعِيفِ، وَالعَالِمُ مُمْتَحَنٌ بِالجَاهِلِ.
وتَأَمَّلُوا خِتَامَ الآيَةِ: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}(48) المائدة.. فهَذَا وَعِيدٌ لِلمُقَصِّرِ، وَتَبْشِيرٌ لِلمُحْسِنِ، فسَنَقِفُ جَمِيعَاً بَيْنَ يَدَيْ رَبٍّ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وسَيَسْأَلُنَا عَنِ الصَّغِيرِ وَالجَلِيلِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ لَا تُقَرِّبُكَ مِنَ اللهِ فَهِيَ بَلِيَّةٌ، وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ لَا تَسْتَعْمِلُهَا فِي نَصْرَةِ دِينِكَ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْكَ، فانْتَبِهُوا مِنْ غَفْلَةِ الِاسْتِدْرَاجِ، وَمِنْ سَكْرَةِ الوَفْرَةِ، لَقَدْ مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ وَهُمْ يَبْنُونَ كُوخَاً، فَقَالَ: «مَا أَرَى الأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ». ففي سنن الترمذي: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ «مَا هَذَا». فَقُلْنَا قَدْ وَهَي فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ. قَالَ «مَا أُرَى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ»، فهَذِهِ هِيَ اليَقَظَةُ؛ أَنْ تَعِيشَ بَدَنَاً فِي الدُّنْيَا، وَرُوحَاً فِي الآخِرَةِ، وتَعْلَمُ أَنَّكَ مُجَرَّدُ مُسْتَخْلَفٍ، وَأَنَّ يَدَكَ عَلَى الأَمَانَةِ يَدُ عِارِيَةٍ مُسْتَرَدَّةٍ، وإِنَّ صَلَاحَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَبْدَأُ مِنْ شُعُورِ كُلِّ فَرْدٍ فِيهَا بِالمَسْؤُولِيَّةِ عَمَّا آتَاهُ اللهُ.
وانْتَبِهْ؛ فَلَسْتَ مَسْؤُولاً عَمَّا آتَى اللهُ غَيْرَكَ، ولَكِنَّكَ مَسْؤُولٌ تَمَامَ المَسْؤُولِيَّةِ عَمَّا هُوَ فِي قَبْضَتِكَ، فَاجْعَلْ مِنْ بَيْتِكَ، وَمِنْ عَمَلِكَ، وَمِنْ مَالِكَ، وَمِنْ عِلْمِكَ، سَاحَةً لِلتَّنَافُسِ فِي رِضَا اللهِ، ولَا تَدَعِ الدُّنْيَا تَمْلِكُ قَلْبَكَ، بَلْ كُنْ أَنْتَ مَالِكَاً لَهَا، ومُسَخِّرَاً إِيَّاهَا لِخِدْمَةِ دِينِكَ وَأُمَّتِكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ نِهَايَةَ هَذَا الِاخْتِبَارِ، وَإِعْلَانَ النَّتَائِجِ، هُوَ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} المائدة:48. فهُنَاكَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وقَلْبٍ نَجَحَ فِي ابْتِلَاءِ العَطَاءِ فَلَمْ يَبْطَرْ، وَنَجَحَ فِي ابْتِلَاءِ المَنْعِ فَلَمْ يَسْخَطْ، وسَيُنَبِّئُنَا اللهُ بِمَا فَعَلْنَا فِيمَا آتَانَا؛ فَهَلْ كُنَّا خُزَّانَاً لِلْمَالِ أَمْ مُنْفِقِينَ؟، وَهَلْ كُنَّا عَبِيدَاً لِلصُّورَةِ وَالجَاهِ أَمْ عَبِيدَاً لِلَّهِ؟، فلِيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِيمَا آتَاهُ اللهُ؛ ومَنْ كَانَ آتَاهُ عِلْمَاً فَلْيُبَلِّغْ، وَمَنْ كَانَ آتَاهُ مَالاً فلينفق ،وَمَنْ كَانَ آتَاهُ قُوَّةً فَلْيَنْصُرْ ضَعِيفَاً، ولَا تَجْعَلُوا نِعَمَ اللهِ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، بَلْ اجْعَلُوهَا طَرِيقَاً إِلَيْهِ. واسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ، وَتَنَافَسُوا فِي البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَإِنَّ العُمْرَ قَصِيرٌ، وَالحِسَابَ عَسِيرٌ، وَالمَلِكَ بَصِيرٌ.
وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنَ الرُّكُونِ إِلَى النِّعَمِ مَعَ تَرْكِ العَمَلِ، اجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ أَنَّ الِامْتِحَانَ لَا يَنْتَهِي إِلَّا بِآخِرِ نَفَسٍ، فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ نَجَحُوا فِي الِابْتِلَاء، وَشَكَرُوا عِنْدَ العَطَاء، وَثَبَتُوا عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يَلْقَوْكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنْهُمْ، واسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ، وَتَزَوَّدُوا لِيَوْمِ الرَّحِيلِ، فَمَا الدُّنْيَا إِلَّا مَعْبَرٌ، وَالآخِرَةُ هِيَ المَقَرُّ.
الدعاء
