خطبة حول ( الأخلاق :هل هي جبلية أم مكتسبة ؟ )
يناير 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (187) البقرة، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ) الظَّالِمُونَ) (229) البقرة، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (13)، (14) النساء. وقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1]. وَفي الحديث: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ… أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ» [رواه البخاري ومسلم].
إخوة الإسلام
حديثنا اليوم -إن شاء الله تعالى- عن حدود الله، وقوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، وبداية: فإن الْحَدّ أَصْلُهُ: (مَا يَحْجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَيَمْنَعُ اخْتِلَاطَهُمَا)؛ وحدود الله تعني: (أوامر الله ونواهيه، وهي الخطوط الفاصلة بين الحلال والحرام، وتُطلق الحدود على محارم الله التي نهى عن انتهاكها، وعلى العقوبات المقدرة التي شرعت للزجر، وتُشير الحدود أيضاً إلى: الفرائض والشرائع الإلهية: مثل أحكام الميراث، والصيام، والزواج، والهدف منها: هو حفظ النظام، وتحقيق الاستقرار والاطمئنان في المجتمع، وتحقيق الطهارة).
والله (عَزَّ وَجَلَّ) حِينَمَا خَلَقَ الخَلْقَ، لَمْ يَتْرُكْهُمْ هَمَلًا، بَلْ شَرَعَ لَهُمْ شَرِيعَةً، وَسَنَّ لَهُمْ أَحْكَاماً، وَضَرَبَ لَهُمْ “حُدُوداً”، وهَذِهِ الحُدُودُ لَيْسَتْ قُيُوداً لِحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ، كَمَا يَزْعُمُ الواهمون، بَلْ هِيَ “سِيَاجٌ”، يَحْمِيهِ مِنَ التَّرَدِّي فِي مَهَاوِي الشَّقَاءِ، فاللهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- جَعَلَ لِهَذَا الدِّينِ مَعَالِمَ وَاضِحَةً، وَحُدُودًا فَاصِلَةً، تَحْمِي الْمُؤْمِنَ مِنْ مَزَالِقِ الْهَوَى، وَتَحْفَظُ لِلْمُجْتَمَعِ أَمْنَهُ وَاسْتِقَامَتَهُ
ف”حُدُودُ اللهِ” هِيَ: أَحْكَامُهُ التِي أَنْزَلَهَا، وَشَرَائِعُهُ التِي حَدَّهَا؛ فَمِنْهَا مَا أَمَرَ بِهِ فَلَا نَتَجَاوَزُهُ بِالنُّقْصَانِ أَوْ التَّحْرِيفِ، وَمِنْهَا مَا نَهَى عَنْهُ فَلَا نَقْرَبُهُ بِالِاجْتِرَاءِ وَالِانْتِهَاكِ، ومن المعلوم أنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ هُوَ جَوْهَرُ الْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ مِعْيَارُ التَّقْوَى، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ: هُوَ الذِي يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَخَطِ اللهِ حَاجِزًا مِنْ الِامْتِثَالِ، فَلَا يَطْغَى وَلَا يَعْتَدِي.
أيها المسلمون
وتَأَمَّلُوا فِي دِقَّةِ التَّعْبِيرِ الْقُرْآنِيِّ: فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- تَارَةً يَقُولُ: {فَلَا تَعْتَدُوهَا}، وَتَارَةً يَقُولُ: {فَلَا تَقْرَبُوهَا}، فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ، فَقَالَ فِيهَا “فَلَا تَعْتَدُوهَا”: لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْبَقَاءُ دَاخِلَهَا، وَتَنْفِيذُهَا كَمَا أُمِرْنَا، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» [رواه الدارقطني، والنووي في الأربعين]. فقوله تعالى: {فَلَا تَعْتَدُوهَا}؛ فهَذَا فِي الأَوَامِرِ وَالحُقُوقِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَأَحْكَامِ المِيرَاثِ، وَالطَّلَاقِ، فَالوَاجِبُ فِيهَا أَنْ نَقِفَ عِنْدَ مَا حَدَّهُ اللهُ فَلَا نَزِيدَ وَلَا نَنْقُصَ.
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ، وَحِمَى السُّوءِ، فَقَالَ فِيهَا “فَلَا تَقْرَبُوهَا”: لِأَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الْعَبْدُ، فالتحذير: {فَلَا تَقْرَبُوهَا}؛ هَذَا فِي المَنَاهِي وَالمُحَرَّمَاتِ؛ كَالزِّنَا، وَالرِّبَا، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ، فَالشَّارِعُ هُنَا لَا يَنْهَاكَ عَنِ الفِعْلِ فَحَسْبُ، بَلْ يَنْهَاكَ عَنِ الاقْتِرَابِ مِنْ “حِمَى” المَعْصِيَةِ وَدَوَاعِيهَا، وَفي الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا.. قَالَ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» [رواه ابن ماجه]. وفي موطإ مالك: (أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِسَوْطٍ فَأُتِىَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ «فَوْقَ هَذَا». فَأُتِىَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ «دُونَ هَذَا». فَأُتِىَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجُلِدَ ثُمَّ قَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِى لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ»، وفي صحيح البخاري: (أن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ – رضي الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ!، أَتَجْتَرِئُ عَلَى حُدُودِ مَنْ خَلَقَكَ؟، أَتَتَجَاوَزُ خُطُوطًا رَسَمَهَا لَكَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِصَلَاحِ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ؟، فإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى حُدُودِ اللهِ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً لِلْخَالِقِ، وفي سنن أبي داود: (عَنْ يَحْيَي بْنِ رَاشِدٍ قَالَ جَلَسْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَجَلَسَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ». وفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ دَارَانِ لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ عَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَهُ (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وَالأَبْوَابُ الَّتِي عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ يَقَعُ أَحَدٌ فِي حُدُودِ اللَّهِ حَتَّى يُكْشَفَ السِّتْرُ وَالَّذِى يَدْعُو مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ رَبِّهِ»، وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإِذَا أَوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) إِلَى قَوْلِهِ (عَذَابٌ مُهِينٌ)
أيها المسلمون
إِنَّ التَّعَدِّيَ عَلَى حُدُودِ اللهِ هُوَ عَيْنُ الظُّلْمِ: ظُلْمُ النَّفْسِ بِتَعْرِيضِهَا لِلْعِقَابِ، وَظُلْمُ المُجْتَمَعِ بِإِشَاعَةِ الفَوْضَى، وانْظُرُوا إِلَى “حُدُودِ اللهِ” فِي مَجَالِ المَالِ؛ ققد حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا وَالغِشَّ لِيَحْفَظَ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَانْظُرُوا إِلَى “حُدُودِهِ” فِي الأَعْرَاضِ؛ فقد حَرَّمَ الزِّنَا وَالقَذْفَ لِيَحْفَظَ الأَنْسَابَ وَالكَرَامَةَ، ومَنْ يَتَجَاوَزُ هَذِهِ الحُدُودَ، فَكَأَنَّمَا يَعِيثُ فِي الكَوْنِ فَسَاداً، وَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ “مَخَارِجَ” لِيَحْتَالَ عَلَى شَرْعِ اللهِ!، فنقول: إِنَّكَ قَدْ تَخْدَعُ البَشَرَ، وَلَكِنَّكَ لَا تَخْدَعُ مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
ولهذا فقد حرم الاسلام الشفاعة في الحدود، ففي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالَ وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ « إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، وفي سنن البيهقي: (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَإِنَّمَا قَتَلَهُ الْحَدُّ فَلاَ عَقْلَ لَهُ مَاتَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ). وفيه أيضا: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». وفي مسند أحمد: (وَأَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلاَ يَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومَظَاهِر التَعَدِّي على حُدُودِ اللهِ فِي زَمَانِنَا كَثِيرَةٌ؛ فَمِنْهَا: تَعَدِّي حُدُودِهِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَفِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَفِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، فكَمْ مِنْ رَجُلٍ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّ أُخْتِهِ فِي الْمِيرَاثِ، وَقَدْ سَمِعَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى عَقِبَ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء:13-14]. فهَذِهِ الْآيَاتُ تَهزُّ الْجِبَالَ، فَكَيْفَ لَا تَهزُّ قُلُوبَ مَنْ يَتَجَاوَزُونَ شَرْعَ اللهِ؟، واعلموا أنَّ الْخُضُوعَ لِلْحُدُودِ الْإِلَهِيَّةِ هُوَ عَيْنُ الْحُرِّيَّةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ.
فَالَّذِي يَأْكُلُ المِيرَاثَ وَيَحْرِمُ النِّسَاءَ، قَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ، وَالَّذِي يَسْتَحِلُّ أَعْرَاضَ المُسْلِمِينَ بِالغِيبَةِ، قَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ، وَالَّذِي يَتَهَاوَنُ فِي أَرْكَانِ الدِّينِ، قَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ، وَالعَاقِبَةُ وَخِيمَةٌ: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} النساء:14.
ومن مظاهر التعدي في المعاملات الأسرية: الظلم عند الطلاق، كأخذ ما أعطاه للزوجة دون وجه حق، أو تعسير الفراق، قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة:229.
ومن مظاهر التعدي: إضاعة الأب لأولاده وماله، والوقوع فيما حرم الله (الزنا، القتل، السرقة، شرب الخمر، البغي، الردة)، والجرأة على المشتبهات: (الأمور التي ليست واضحة الحلال والحرام)، مما قد يقود إلى الوقوع في الحرام، والتشدد والغلو، والانخراط في ممارسات دينية متطرفة أو خارج السياق الشرعي الصحيح دون علم، مما يؤدي لتضليل ذاتي أو اجتماعي، وإصدار الأحكام المتسرعة، والحكم على الآخرين بالباطل، أو الدخول في منازعات دينية واجتماعية بسبب أمور بسيطة.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج:30]. فإِنَّ تَعْظِيمَ حُدُودِ اللهِ هُوَ دَلِيلُ تَقْوَى القُلُوبِ، وقد كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ “وَقَّافِينَ” عِنْدَ كِتَابِ اللهِ؛ فإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: “اتَّقِ اللهَ، وَهَذِهِ حُدُودُ اللهِ”، ارْتَعَدَتْ فَرِائِصُهُ، وَوَقَفَ مَكَانَهُ، أَمَّا اليَوْمَ، فَقَدْ صَارَ التَّجَرُّؤُ عَلَى الحُدُودِ نَوْعاً مِنَ “التَّحَرُّرِ” أَوْ “المَعَاصِرَةِ”، فلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَسِيرُونَ عَلَى “حَافَّةِ الهَاوِيَةِ”، فإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ شَيْئاً حَرَاماً، فَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ “بَرْزَخاً” مِنَ الحَلَالِ، ففِي بَيْعِكَ وَشِرَائِكَ، قِفْ عِنْدَ حُدُودِ الصِّدْقِ، وفِي بَيْتِكَ ومَعَ زَوْجَتِكَ وأولادك قِفْ عِنْدَ حُدُودِ الله وفِي جِهَازِكَ وَهَاتِفِكَ، قِفْ عِنْدَ حُدُودِ النَّظَرِ الحَلَالِ، واعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الحُدُودَ هِيَ الَّتِي سَتُحَدِّدُ مَنْزِلَتَكَ غَداً عِنْدَ رَبِّكَ؛ قال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} التوبة:112.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ونَحْنُ فِي هذا الزمان، نَرَى “انْتِهَاكُ الْحُدُودِ” يُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَالِاعْتِدَاءُ عَلَى حُدُودِ اللهِ فِي الْأَخْلَاقِ يُسَمَّى حُرِّيَّةً، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى حُدُودِهِ فِي الْأَمْوَالِ يُسَمَّى شَطَارَةً، وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ مَحَارِمَ اللهِ فِي الْخَلَوَاتِ، أَذَلَّهُ اللهُ فِي الْفَلَوَاتِ، فالنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي تَعْظِيمِ الْحُرُمَاتِ، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30].
فعودوا إِلَى حُدُودِ اللهِ، فمَنْ كَانَ قَدْ تَعَدَّى حَدًّا فِي مَالِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي عِرْضِ أَخِيهِ، أَوْ فِي فَرِيضَةٍ ضَيَّعَهَا؛ فَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ، قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى غِرَّةٍ، والْخَطَر الْعَظِيمَ يَكْمُنُ فِي “الِاسْتِهَانَةِ” بِالْحُدُودِ، فَالشَّيْطَانُ لَا يَقُودُ الْعَبْدَ لِلْكُفْرِ بَغْتَةً، بَلْ يَجْعَلُهُ يَحُومُ حَوْلَ الْحِمَى، وَيَتَسَاهَلُ فِي الْمُشْتَبِهَاتِ، حَتَّى تَنْكَسِرَ هَيْبَةُ الْحَدِّ فِي قَلْبِهِ، فَيَقَعَ فِي الْحَرَامِ، فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فَلْيَبْتَعِدْ عَنْ الْأَسْيَاجِ، وَلْيَحْفَظْ حُدُودَ رَبِّهِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَلِسَانِهِ وَبَصَرِهِ، فَإِنَّ الْحَافِظَ لِحُدُودِ اللهِ هُوَ الْمَوْعُودُ بِالْبُشْرَى الْعُظْمَى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].
فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَعْظِيمَ مَحَارِمِ اللهِ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا. ولَا تَنْظُرُوا إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَةِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنْ عَصَيْتُمْ وَأَيَّ حُدُودٍ انْتَهَكْتُمْ. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِكَ، وَيَعْتَمِرُونَ بِأَمْرِكَ، وَيَزْدَجِرُونَ بِنَهْيِكَ.
الدعاء
