خطبة عن حديث ( الْوُضُوءُ شَطْرُ الإِيمَانِ)
ديسمبر 9, 2017خطبة عن ( قصة أَصْحَاب الْكَهْفِ )
ديسمبر 9, 2017الخطبة الأولى (والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته :﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103] ، وروى مسلم في صحيحه : (عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ – أَوْ تَمْلأُ – مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاَةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ».
إخوة الإسلام
في قوله صلى الله عليه وسلم : (وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) أي أن الصدقة برهان ودليل وعلامة على صدق صاحبها , وأنه يحب التقرب إلى الله ، وذلك لأن المال محبوب إلى النفوس ،ولا يصرفه إلا في محبوب أشد منه حباً ، وكل إنسان يبذل ماله ويتصدق به من أجل الثواب المرتجى، فإنفاقه وصدقته تكون برهانا على صحة إيمانه ، وعلى قوة يقينه بالمثوبة ، وأن الله سيخلف له ما تصدق به وأنفقه في سبيل الله . ومن المعلوم أن الصدقة والبذل والإنفاق في سبيل الله من أعظم أسباب البركة في الرزق ومضاعفته، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ». وَقَالَ « يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى – وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ مَلآنُ – سَحَّاءُ لاَ يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ». رواه البخاري ومسلم. وقد جاءت النصوص التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر الجزيل من الله سبحانه كثيرة، فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال الله تعالى عنهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (الذاريات 16-19) ، وضاعف الله العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافاً كثيرة في الدنيا والآخرة ، فقال سبحانه: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } (الحديد 11). ورغب الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين في البذل والإنفاق ، ووعدهم على ذلك أجراً عظيماً ، وبيّن لهم فضل عملهم هذا ، فقال تعالى في محكم آياته : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) (البقرة 26) ، وبين سبحانه أن المسلم بالإنفاق والتصدق يزكي النفس ويطهّرها من رذائل الأنانية ، والشح الذميم، وبهذه التزكية يرتقي المسلم في معارج الكمال والعطاء. وفي الانفاق والتصدق أيضاً تطهير للنفس من العبودية لغير الله تعالى، وارتقاء بها واستعلاء ونجاة من البخل قال تعالى :(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة 103 ،وجعل الله سبحانه وتعالى الصدقة من أبواب الخير العظيمة، ومن أنواع الجهاد المتعددة، بل إن الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ذُكر فيها الجهاد إلا في موضع واحد، يقول صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود. والانفاق والتصدق من أحب الأعمال إلى الله ، ففي الحديث : (عن عمر : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله وأي الأعمال أحب إلى الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولئن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا في مسجد المدينة ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام )رواه الطبراني
والصدقة ترفع صاحبها حتى توصله إلى أعلى المنازل، قال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ 00 » رواه الترمذي. والصدقة تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء) رواه الطبراني، أضف إلى ذلك إطفاؤها للخطايا وتكفيرها للسيئات، ومضاعفتها عند الله إلى أضعاف كثيرة، ووقايتها من عذاب الله كما جاء في الصحيحين ( أن رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ « اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » ،ومن فضائل الصدقة مباركتها للمال، وإخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له وأكثر وأطيب، وقد وعد سبحانه في كتابه بالإخلاف على من أنفق – والله لا يخلف الميعاد ،قال تعالى: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سبأ 39)، فمهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فإنه يخلفه عليكم في الدنيا بالبدَل، وفي الآخرة بحسن الجزاء والثواب، ثم أتبع ذلك بقوله تعالى : { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } لبيان أن ما يُخْلِفه على العبد أفضل مما ينفقه.ومما يدل أيضاً على أن الصدقة بوابة للرزق ومن أسباب سعته واستمراره وزيادته، قوله تعالى: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } (إبراهيم 7) ،كما أن نصوص السنة الثابتة جاءت بما يؤكد هذا المعنى الذي دلت عليه آيات الكتاب، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ( .. وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً » رواه أحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا »،وعلى هذا الدرب سار الصحابة رضي الله عنهم ، وكذلك السلف الصالح من التابعين ،ومن بعدهم، فقد أنفق أبو بكر الصديق رضي الله عنه ماله كله أكثر من مرة، وأنفق عمر نصف ماله ،وجهّز عثمان جيش العسرة بأكمله ،وباع طلحة بن عبيد الله أرضاً له إلى عثمان بن عفان بسبعمائة ألف درهم فحملها إليه، فلما جاء بها قال: (إن رجلاً تبيت هذه عنده في بيته فلا يدري ما يطرقه من أمر الله لضرير بالله)، فبات ورسله تختلف بها في سكك المدينة توزعها حتى أسحر وما عنده منها درهم. وأتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس فلم يقم حتى تصدق بها.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
أشكروا الله على ما آتاكم ،ولا تبخلوا بأموالكم ، وتصدقوا ، فإن الصدقة : سبب في شفاء الأمراض: قال صلى الله عليه وسلم: « دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ » رواه البيهقي ،والصدقة تظل صاحبها يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم: « كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ ». أَوْ قَالَ « يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ ».رواه أحمد ،والصدقة سبب في الرزق ونزول البركات: قال الله تعالى: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) البقرة 276، ،وفي الصدقة البر والتقوى: قال الله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) آل عمران (92)، والصدقة تفتح لك أبواب الرحمة: قال صلى الله عليه وسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ » رواه الترمذي ، وبالصدقة يجري عليك ثوابك وأنت في قبرك ، ففي صحيح مسلم (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » . والصدقة تجبر نقص الزكاة الواجبة ، ففي سنن البيهقي (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلاَتُهُ ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا كُتِبَتْ لَهُ كَامِلَةً ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلاَئِكَتِهِ : هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِى تَطَوُّعًا تُكَمِّلُوا بِهِ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَتِهِ. ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ سَائِرُ الأَعْمَالِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ». وفي الصدقة إطفاء خطاياك وتكفير ذنوبك: قال صلى الله عليه وسلم: (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ) رواه الترمذي وغيره أيها المسلمون : هذه هي بعض فضائل الصدقة ، ألا فكونوا من المتصدقين ، لتكون صدقاتكم برهانا على صدق إيمانكم ،وطاعتكم لربكم ، ولتنالوا بها الأجر والثواب في الدنيا والآخرة من رب كريم
الدعاء