خطبة عن (الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ: حِكْمَتُهُ وَثِمَارُهُ وَآدَابُهُ)
مارس 10, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:8-9]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:20]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ» [سنن الترمذي].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): فإِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ لَيْسَ فَقَطْ شَهْراً لِلْإِمْسَاكِ عَنِ الْمَفْطِرَاتِ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ لِلشُّعُورِ بِالْآخَرِينَ، وَمَيْدَانٌ لِـ “الْمُوَاسَاةِ” وَالتَّكَافُلِ، فالْحِكْمَة مِنْ مَرَارَةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ: هِيَ أَنْ تَذُوقَ النَّفْسُ مَا يَذُوقُهُ الْفُقَرَاءُ طِيلَةَ الْعَامِ، فَيَتَحَرَّكَ فِي الْقَلْبِ بَاعِثُ الرَّحْمَةِ، وَتَنْبَسِطُ الْيَدُ بِالْعَطَاءِ،
فرَمَضَانُ هُوَ شَهْرُ “الْمُوَاسَاةِ”؛ أَيْ: مُسَاوَاةِ الْإِخْوَةِ فِي الْعَيْشِ، وَتَخْفِيفِ أَلَامِ الْمَحْرُومِينَ، وَمَسْحِ دُمُوعِ الْمَنْكُوبِينَ، فالْمُؤْمِن لَا يَكْمُلُ إِيمَانُهُ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَيُّ مَوْسِمٍ أَوْلَى بِتَحْقِيقِ هَذَا مِن شَهْرِ الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ؟.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): والْمُوَاسَاة فِي شهر رَمَضَانَ تَتَّخِذُ صُوَراً شَتَّى: أَعْلَاهَا “المُوَاسَاةُ بالْمَالِ”: بِتَفَقُّدِ الْعَائِلاتِ الْمُتَعَفِّفَةِ، الَّتِي لَا تَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافاً، فَمَا أَقْبَحَ أَنْ يَمْلَأَ الْغَنِيُّ مَائِدَتَهُ بِأَصْنَافِ الطَّعَامِ، وَجَارُهُ لَا يَجِدُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ!، فإِنَّ تَفْطِيرَ الصَّائِمِينَ، وَسَدَّ خَلَّةِ الْمَسَاكِينِ، هُوَ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُ إِلَى الرَّحْمَنِ.
وَمِنْ صُوَرِ الْمُوَاسَاةِ أَيْضاً: “الْمُوَاسَاةُ بِالْقَوْلِ الطَّيِّبِ” وَتَطْيِيبِ خَوَاطِرِ الْمُنْكَسِرِينَ: فنَحْنُ فِي ظِلِّ مَا يَشْهَدُهُ الْعَالَمُ مِن تَحَدِّيَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ، أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى “رُوحِ الْأَشْعَرِيِّينَ” الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» [صحيح البخاري].
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): وشَهْر الْمُوَاسَاةِ يَدْعُونَا لِنَبْذِ الْأَنَانِيَّةِ وَالِاسْتِئْثَارِ؛ فَالْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، والَّذِي يَنَالُ جَزَاءَ الصَّائِمِينَ حَقّاً: هُوَ مَنْ كَانَ سَبَباً فِي فَرَحِ مَحْزُونٍ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنِ مَدْيُونٍ، فاجْعَلُوا مِنْ صَدَقَاتِكُمْ فِي رَمَضَانَ بَلْسَماً لِلْجِرَاحِ؛ فَرُبَّ دِرْهَمٍ سَبَقَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إِذَا كَانَ عَنْ صِدْقٍ وَمُوَاسَاةٍ،
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): وتَذَكَّرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرُدُّ سَائِلاً، بَلْ كَانَ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، فَلْتَكُنْ نُفُوسُكُمْ كَبِيرَةً، وَقُلُوبُكُمْ رَحِيمَةً، وَأَيْدِيكُمْ سَخِيَّةً.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): فإِنَّ رَمَضَانَ يُعَلِّمُنَا: أَنَّ “اللَّذَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ” لَيْسَتْ فِي الْأَخْذِ، بَلْ فِي الْعَطَاءِ، فالْمُوَاسَاةُ هِيَ مِفْتَاحُ الْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ، وَهِيَ السَّبِيلُ لِنَيْلِ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): فاجْعَلُوا لِأَيْتَامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرَامِلِهِمْ نَصِيباً مِنْ مَوَائِدِكُمْ؛ فَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولَا تَنْتَظِرُوا أَنْ يَطْرُقَ الْفَقِيرُ أَبْوَابَكُمْ، بَلِ ابْحَثُوا عَنْهُمْ فِي أطْرَافِ الْمُدُنِ، وَقَوَارِعِ الْقُرَى، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ، مَصُونَةً كَرَامَتُهُمْ، مَجْبُورَةً خَوَاطِرُهُمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:7]. وَفي الحديث: (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» [صحيح البخاري].
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْجُودِ النَّبَوِيِّ الَّذِي بَلَغَ مَدَاهُ فِي رَمَضَانَ؛ فَالْمُوَاسَاةُ هُنَا لَيْسَتْ نَافِلَةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ خُلُقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَشِيمَةُ الْأَتْقِيَاءِ، ففي صحيح مسلم: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَاعْتَلَّ جَمَلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ لِي: «بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا». قَالَ قُلْتُ لاَ بَلْ هُوَ لَكَ. قَالَ «لاَ بَلْ بِعْنِيهِ». قَالَ قُلْتُ لاَ بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «لاَ بَلْ بِعْنِيهِ». قَالَ قُلْتُ فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَىَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا. قَالَ «قَدْ أَخَذْتُهُ فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ». قَالَ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِبِلاَلٍ «أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِدْهُ». قَالَ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا – قَالَ – فَقُلْتُ لاَ تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-)، وفي رواية أخرى: (قَالَ – فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ)، أي: أعطاه ثمنه وجمله.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): والْمُوَاسَاة فِي هَذَا الشَّهْرِ تَشْمَلُ أَيْضاً: “الْمُوَاسَاةَ بِالدُّعَاءِ”: فَلَا تَنْسَوْا إِخْوَانَكُمُ الْمُضْطَهَدِينَ وَالْمَنْكُوبِينَ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَإِنَّ الصَّائِمَ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، وإِنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ تَرْمِيمِ الْقُلُوبِ، فَلَا يَخْرُجَنَّ الشَّهْرُ إِلَّا وَقَدْ غَرَسْتُمْ فِي كُلِّ بَيْتٍ مَحْتَاجٍ بَسْمَةً، وَفِي كُلِّ نَفْسٍ كَسِيرَةٍ أَمَلًا.
واجْعَلُوا “زَكَاةَ فِطْرِكُمْ” وَصَدَقَاتِكُمْ مُبَكِّرَةً، لِتَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُعْوِزِينَ قَبْلَ الْعِيدِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الصدقة والْمُوَاسَاةَ لَا تَنْقُصُ الْمَالَ، بَلْ تَزِيدُهُ طَهَارَةً وَنَمَاءً، وإِنَّ الْعَيْشَ لِلذَّاتِ هُوَ مَوْتٌ لِلرُّوحِ، وَالْعَيْشَ لِلْآخَرِينَ هُوَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ، فكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً، وَتَنَافَسُوا فِي مَيْدَانِ الْإِحْسَانِ؛ فَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا صِدْقَ الْمُوَاسَاةِ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمُ الصَّدَقَاتِ، فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ. اللَّهُمَّ اكْسُ كُلَّ عُرْيَانٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطْعِمْ كُلَّ جَائِعٍ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدْيُونِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ شَهْرَ نَصْرٍ وَفَرَجٍ وَمُوَاسَاةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل:128].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل الحديث عن: (رَمَضَانُ شَهْرُ المُوَاسَاةِ): فالصَّوْمُ جِسْرٌ يَمْتَدُّ مِنَ الشِّبَعِ إِلَى الجُوعِ، لِنَفْهَمَ أَنِينِ المَحْرُومِينَ، فشهر رَمَضَان هُوَ المَوْسِمُ الَّذِي تَتَجَلَّى فِيهِ الرَّحْمَةُ بِأَبْهَى صُوَرِهَا، حَيْثُ تَلِينُ القُلُوبُ، وَتَنْبَسِطُ الأَيْدِي بِالعَطَاءِ.
ومن صُوَر المُوَاسَاةِ فِي رَمَضَانَ: مُوَاسَاةُ الجَارِ وَالقَرِيبِ: فقَبْلَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ بَعِيدٍ، انْظُرْ فِي مَنْ حَوْلَكَ، ففي سنن البيهقي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ :«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ»، فالمُوَاسَاةُ أَنْ تَتَفَقَّدَ مَائِدَةَ جَارِكَ قَبْلَ مَائِدَتِكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى أَيْتَامِ عَيْلَتِكَ وَأَقَارِبِكَ.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): ومن صُوَر المُوَاسَاةِ فِي رَمَضَانَ: مُوَاسَاةُ المَنْكُوبِينَ مِنَ الأُمَّةِ: فلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْعَمَ بِأَصْنَافِ الطَّعَامِ، وَإِخْوَانُنَا فِي غَزَّةَ، وَفِي الشَّتَاتِ، لَا يَجِدُونَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، أَوْ جُرْعَةَ مَاءٍ نَقِيَّةٍ، فالمُوَاسَاةُ هُنَا تَكُونُ: بِالقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ، وَبِبَذْلِ المَالِ، وَبِالشُّعُورِ بِأَلَمِهِمْ، فإِنَّ الصَّائِمَ الحَقَّ مَنْ يَغَصُّ بِطَعَامِهِ إِذَا تذكر جُوعَ إِخْوَانِهِ.
ومن صُوَر المُوَاسَاةِ فِي رَمَضَانَ: مُوَاسَاةُ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ: فالمُوَاسَاةُ لَيْسَتْ بِالمَالِ فَقَطْ، بَلْ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَبِجَبْرِ الخَوَاطِرِ، فوَاسِ المَهْمُومَ بِبِشْرِ وَجْهِكَ، وَوَاسِ المَرِيضَ بِزِيَارَتِكَ، وَوَاسِ المَدْيُونَ بِسَعْيِكَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ ثَمَرَةَ المُوَاسَاةِ فِي رَمَضَانَ تَعُودُ عَلَى المَرْءِ قَبْلَ غَيْرِهِ: فمن ثمراتها: تَزْكِيَةُ النَّفْسِ: فَمَنْ وَاسَى النَّاسَ طَهَّرَ قَلْبَهُ مِنَ الشُّحِّ وَالأَنَانِيَّةِ.
ومن ثمرات المواساة: البَرَكَةُ فِي الرِّزْقِ: فَمَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، بَلْ يَزِيدُهُ اللهُ وَيُبَارِكُ فِيهِ.
ومن ثمرات المواساة: الِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّ العَرْشِ: فَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ): فاجْعَلُوا مِنْ أَمْوَالِ زَكَاتِكُمْ، وَمِنْ صَدَقَاتِ فِطْرِكُمْ، وَمِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ، بَلْسَماً لِجِرَاحِ الفُقَرَاءِ، ولَا تُفْطِرُوا وَبَيْنَكُمْ جَائِعٌ، وَلَا تَبْتَهِجُوا وَفِي حَيِّكُمْ مَحْزُونٌ، واجْعَلُوا هَذَا الشَّهْرَ عَهْداً عَلَى “التَّرَاحُمِ”، لِيَرْحَمَنَا اللهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الرُّحَمَاءِ المُتَرَاحِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاسِ فُقَرَاءَنَا، وَأَطْعِمْ جَائِعَنَا، وَاكْسُ عُورَاتِنَا. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكُنْ لَهُمْ عَوْناً وَنَصِيراً. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَدَقَاتِنَا، وَطَهِّرْ نُفُوسَنَا، وَاجْعَلْ صِيَامَنَا شَافِعاً لَنَا. اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُوَاسُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
