خطبة عن (قُلُوبٌ فِي رَمَضَانَ)
مارس 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:83]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [مسند أحمد]. (وَعَنْهُ أَيْضاً، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَحَطَّةٍ لِتَجْوِيعِ الْأَبْدَانِ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لِتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، وَتَرْقِيَةِ الْأَخْلَاقِ، فالْعِبَادَات فِي الْإِسْلَامِ غَايَتُهَا الْكُبْرَى هِيَ تَقْوِيمُ السُّلُوكِ؛ فَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والمنكر، وَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ النَّفْسَ، وَالصِّيَامُ هُوَ الدَّوْرَةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ الْأَعْظَمُ، الَّتِي يَدْخُلُهَا الْمُسْلِمُ، لِيَتَخَرَّجَ مِنْهَا بِالتقوى وحُسْنِ الْخُلُقِ، فإِنَّ الصَّائِمَ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَنِ الْمُبَاحَاتِ طَاعَةً لِرَبِّهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَمْنَعَ لِنَفْسِهِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَسَيِّئِ الْأَخْلَاقِ؛ فَلَا يَكُونُ صَوْمُهُ حَقِيقِيّاً، حَتَّى يَرَى النَّاسُ أَثَرَ هَذَا الصَّوْمِ فِي تَعَامُلِهِ، وَصِدْقِهِ، وَحِلْمِهِ.
فتَأَمَّلُوا فِي دَرْسِ “الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ” الَّذِي يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ رَمَضَانُ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ يُوَجِّهُ الصَّائِمَ إِذَا تَعَرَّضَ لِلْأَذَى أَوِ الشَّتِيمَةِ، أَلَّا يَرُدَّ الصَّاعَ صَاعَيْنِ، بَلْ أَنْ يَلْتَزِمَ السَّكِينَةَ وَيَقُولَ: «إِنِّي صَائِمٌ ». فهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ، بَلْ هِيَ لِجَامٌ لِلنَّفْسِ عَنِ الْغَضَبِ، وَتَذْكِيرٌ لَهَا بِأَنَّهَا فِي حَالَةِ “إِحْرَامٍ أَخْلَاقِيٍّ”، فرَمَضَان يُرَبِّي فِينَا “ضَبْطَ النَّفْسِ”؛ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَهُوَ جَائِعٌ، فَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى مَنْعِ لِسَانِهِ مِنَ السَّبِّ وَهُوَ غَاضِبٌ، وهَذَا هُوَ الِانْتِصَارُ الْأَخْلَاقِيُّ الَّذِي نَنْشُدُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ.
وَمِنْ دُرُوسِ مَدْرَسَةِ الْأَخْلَاقِ الرَّمَضَانِيَّةِ: “الْجُودُ وَالسَّخَاءُ”؛ فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فالصَّوْمُ يُشْعِرُ الْعَبْدَ بِمَرَارَةِ الْجُوعِ، فَيَتَوَلَّدُ فِي قَلْبِهِ “خُلُقُ الرَّحْمَةِ” بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وحَيْثُ تَتَزَايَدُ حَاجَاتُ النَّاسِ، يَجِبُ أَنْ يَتَجَلَّى هَذَا الْخُلُقُ فِي بَذْلِنَا وَعَطَائِنَا، ومَنْ تَعَلَّمَ الرَّحْمَةَ فِي رَمَضَانَ، فلَنْ يَبْخَلَ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَقْتِهِ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، فإِنَّ الْأَخْلَاقَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ مَوَاقِفُ تُعَاشُ، وَرَمَضَانُ هُوَ زَمَنُ الْبُطُولَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ مَيْدَانٌ لِتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ “أَمْرَاضِ الْأَخْلَاقِ”؛ كَالْكِبْرِ، وَالْحَسَدِ، وَالشَّحْنَاءِ، فكَيْفَ يَلْتَقِي الصَّائِمُونَ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ وَقُلُوبُهُمْ مُتَنَافِرَةٌ؟، فرَمَضَان يَدْعُونَا لِلْمُسَامَحَةِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، والْفَائِز فِي هَذَا الشَّهْرِ هُوَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَخُلُقٍ رَقِيقٍ، وَتَعَامُلٍ رَفِيقٍ. قَالَ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» [سنن الترمذي]. فَاجْعَلُوا مِنْ صِيَامِكُمْ سُلَّماً لِلرُّقِيِّ بِأَخْلَاقِكُمْ، لِتَكُونُوا أَقْرَبَ النَّاسِ مَجْلِساً مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الأَخْلَاقِ)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]. وَفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» [صحيح مسلم]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» [سنن الترمذي].
فعليكم بحسن الخلق، واعلموا أنَّ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى أَخْلَاقِ رَمَضَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، هُوَ الدَّلِيلُ الْأَكْبَرُ عَلَى قَبُولِ الصِّيَامِ، فَلَا تَهْدِمُوا مَا بَنَيْتُمْ مِنْ حِلْمٍ وَصَبْرٍ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ هِلَالِ الْعِيدِ، فإِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ يُحِبُّ حُسْنَ الْخُلُقِ فِي كُلِّ الشُّهُورِ، واجْعَلُوا مِنْ بَرِيقِ أَعْيُنِكُمْ رَحْمَةً، وَمِنْ كَلِمَاتِ أَفْوَاهِكُمْ طِيباً، وَمِنْ سَعْيِ أَقْدَامِكُمْ نَفْعاً، فإِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْمُعَامَلَةِ، وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ دِينَكُمْ إِلَّا إِذَا رَأَوْا جَمَالَ أَخْلَاقِكُمْ.
(رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الأَخْلَاقِ)، وتَذَكَّرُوا أَنَّ الصَّائِمَ يُحْرَمُ مِنْ بَرَكَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالْمَغْفِرَةِ إِذَا كَانَ مَشْحُوناً بِالْعَدَاوَةِ مَعَ إِخْوَانِهِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [صحيح مسلم]. فَطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ، وَأَحْسِنُوا أَخْلَاقَكُمْ، تَنَالُوا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا هُوَ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا هُوَ. اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقَنَا فَحَسِّنْ خُلُقَنَا، وَاجْعَلْ صِيَامَنَا عَوْناً لَنَا عَلَى تَقْوَى الْقُلُوبِ، وَطِيبِ الْأَعْمَالِ. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:10].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الأَخْلَاقِ)، فشهر رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ “مَعْمَل” لِصِنَاعَةِ الإِنْسَانِ السَّوِيِّ، فالصِّيَام يُهَذِّبُ مَا ظَهَرَ مِنَ الأَخْلَاقِ وَمَا بَطَنَ، ورَمَضَانُ يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تَكْظِمُ غَيْظَكَ فِي لَحْظَةِ الِانْفِعَالِ، وَكَيْفَ تَتَحَكَّمُ فِي أَعْصَابِكَ وَأَنْتَ فِي الزِّحَامِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، فالصِّيَامُ لَيْسَ عُذْراً لِلغَضَبِ، بَلْ هُوَ دَوَاءٌ لَهُ،
والصيام يعلمنا خُلُق “الأَمَانَةِ وَالمُرَاقَبَةِ”: فالصَّائِمُ يَخْلُو بِنَفْسِهِ مَعَ أَلَذِّ الطَّعَامِ، فَلَا يَمُدُّ يَدَهُ؛ لِأَنَّ خُلُقَ الأَمَانَةِ مَعَ اللهِ اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِهِ، ومَنْ تَعَلَّمَ الأَمَانَةَ مَعَ اللهِ فِي قَطْرَةِ مَاءٍ، فكَيْفَ يَخُونُ الأَمَانَةَ فِي دِرْهَمٍ، أَوْ عَمَلٍ، أَوْ كَلِمَةٍ؟،
وشهر رمضان يعلمنا خُلُق “السَّخَاءِ وَالجُودِ”: فحِينَ يَشْعُرُ الغَنِيُّ بِمَرَارَةِ الجُوعِ، يَتَذَكَّرُ الفَقِيرَ الَّذِي يَجُوعُ العَامَ كُلَّهُ، وهُنَا تَنْكَسِرُ حِدَّةُ الشُّحِّ فِي النَّفْسِ، فَتَنْطَلِقُ اليَدُ بِالعَطَاءِ، لِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ «أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الاخْتِبَارَ الحَقِيقِيَّ لِلنَّجَاحِ فِي مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ هُوَ كَيْفَ تَعُودُ إِلَى بَيْتِكَ وَسُوقِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هَلْ زَادَ رِفْقُكَ بِأَهْلِ بَيْتِكَ؟، وهَلْ تَطَهَّرَ لِسَانُكَ مِنَ الكَذِبِ، وَالمُزَاحِ الثَّقِيلِ؟، وهَلْ أَصْبَحْتَ أَكْثَرَ تَسَامُحاً مَعَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ؟
وشهر رَمَضَان يُعَلِّمُنَا “النِّظَامَ”؛ فنُفْطِرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَنُصَلِّي فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، وَنَتَوَجَّهُ لِرَبٍّ وَاحِدٍ، فهَذَا النِّظَامُ يَجِبُ أَنْ يَنْعَكِسَ عَلَى حَيَاتِنَا خَارِجَ المَسْجِدِ، فَنَحْتَرِمُ المَوَاعِيدَ، وَنُتْقِنُ الأَعْمَالَ، وَنُحْسِنُ لِلجِيرَانِ.
عِبَادَ اللهِ.. مَنْ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ بِخُلُقٍ أَحْسَنَ مِمَّا دَخَلَ بِهِ، فَقَدْ قُبِلَ صِيَامُهُ، وَمَنْ بَقِيَ عَلَى فَظَاظَتِهِ وَغِلْظَتِهِ، فَلْيُرَاجِعْ نَفْسَهُ، فَلَعَلَّهُ مِنَ المَحْرُومِينَ.
فاللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، فإنه لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ. واجْعَلْ رَمَضَانَ مَحَطَّةً لِتَطْهِيرِ قُلُوبِنَا، وَتَقْوِيمِ سُلُوكِنَا. واجْعَلْنَا مِنَ الهَادِينَ المَهْدِيِّينَ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
