خطبة عن (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
يناير 6, 2026خطبة عن (اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ)
يناير 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (سَبِيلُ اللَّهِ وسُبُلُ الشَّيْطَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (153) الأنعام، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور:21، وفي مسند أحمد: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامَهُ فَقَالَ «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَخَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّيْنِ عَنْ شِمَالِهِ قَالَ «هَذِهِ سُبُلُ الشَّيْطَانِ». ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الأَوْسَطِ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153) الأنعام.
إخوة الإسلام
إنَّ المتأمّلَ في هَذا الوجودِ، يجدُ صِراعاً أزليّاً بَيْنَ طَريقِ الرَّحمنِ وطَريقِ الشَّيطان، إنَّهُما سَبيلانِ لا ثَالِثَ لَهما؛ سَبيلُ اللهِ الواحدُ المُستقيم، وسُبُلُ الشَّياطينِ المُتشعِّبَةُ المُضلِّلة، وسَبيلُ اللهِ هُوَ النُّورُ الَّذي أَضَاءَ الكَوْنَ، وسُبُلُ الشَّيطانِ هِيَ الظُّلُماتُ الَّتي تَتَراكَمُ بَعضُها فوقَ بَعض
والْحَيَاة الدنيا مَا هِيَ إِلَّا رِحْلَةٌ نَحْوَ الْآخِرَةِ، وَالطَّرِيقُ فِيهَا لَيْسَ وَاحِدًا، بَلْ هُمَا طَرِيقَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: سَبِيلُ اللَّهِ الْمُوصِلُ إِلَى رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، وَسُبُلُ الشَّيْطَانِ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى سَخَطِهِ وَنَارِهِ، وسَبِيلُ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَاضِحٌ، مُسْتَقِيمٌ، لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَجَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُنَّتِهِ، أَمَّا سُبُلُ الشَّيْطَانِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ، مُتَشَعِّبَةٌ، مُتَلَوِّنَةٌ، تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ، ولَكِنَّ غَايَتَهَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ إِغْوَاءُ بَنِي آدَمَ وَإِهْلَاكُهُمْ.
وتَأَمَّلُوا فِي صِفَاتِ سَبِيلِ اللَّهِ: فَهُوَ سَبِيلُ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ، وَسَبِيلُ الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ، ومَنْ سَلَكَهُ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَسَكِينَةَ النَّفْسِ، وَوُضُوحَ الْغَايَةِ، لإِنَّهُ السَّبِيلُ الَّذِي مَشَى فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69]. وسَبِيلُ اللَّهِ يَقُومُ عَلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالِاتِّبَاعِ الصَّادِقِ، وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، فلَا مَكَانَ فِيهِ لِلْهَوَى، وَلَا حَظَّ فِيهِ لِلشَّيْطَانِ، وسَبيلِ اللهِ: جَمَالُهُ فِي وُضوحِهِ، وأَمَانُهُ فِي حُدودِهِ، فمَن مَشى فِيهِ لَم يَتِه، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَا، لإنَّهُ صِراطٌ لا تَختلِفُ فِيهِ المَوازينُ باختلافِ الزَّمان، ولا تَتغيَّرُ فِيهِ القِيَمُ بتغيُّرِ المَكان، فالحَقُّ فِيهِ بَيِّنٌ، والبَاطِلُ فِيهِ بَيِّنٌ.
وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ: (سُبُل الشَّيْطَانِ)، فالشَّيْطَانُ يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى الْكُفْرِ، ويَسْتَدْرِجُهُ إليه عَبْرَ الشَّبَهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، ومِنْ سُبُلِهِ: سَبِيلُ الْبِدْعَةِ الَّتِي تُفْسِدُ الدِّينَ، وَسَبِيلُ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي تُظْلِمُ الْقَلْبَ، وَسَبِيلُ الْكِبْرِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْحَقِّ، فالشَّيْطَان قَدْ قَعَدَ لِلْإِنْسَانِ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا، كَمَا في سنن النسائي: (عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لاِبْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلوا فِي مَشهَدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يَرسمُ بِيَدِهِ الشَّريفةِ عَلى الرَّمالِ لِيُقرِّبَ لِلعُقولِ حقيقةَ الدِّين، فقد رَسَمَ خَطّاً وَاحِداً مُستقيماً؛ لِيُعلِمَنا أَنَّ الحقَّ لا يَتَعدَّد، وأَنَّ الصِّراطَ إِلى اللهِ وَاحِدٌ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ثُمَّ رَسَمَ خُطوطاً كَثيرةً يَميناً وشِمالاً؛ لِيُحذِّرَنا مِن تَعَدُّدِ المَذاهبِ الضَّالَّة، والشَّهواتِ المُهلكة، والشُّبُهاتِ الحَائِرة، فكُلُّ مَا خَالفَ الكِتابَ والسُّنَّةَ فَهُوَ مِن سُبُلِ الشَّيطان ،وإنْ زَيَّنَهُ النَّاسُ بِأَسماءٍ بَرَّاقَة.
واعلموا أنَّ سَبيلَ اللهِ هُوَ طَريقُ الأَنْبِياءِ والمُرسَلين، والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحين، وهُوَ الطَّريقُ الَّذي يُوصِلُكَ إِلى جَنَّاتِ النَّعيم، وهُوَ الطَّريقُ الَّذي يَبدأُ بتَوْحيدِ اللهِ، ويَمُرُّ بِاتِّباعِ رَسولِ الله، ويَنتهي بِرِضا الله.
أَمَّا سُبُلُ الشَّيطان، فَقَدْ جَعَلَ الشَّيطانُ نَفْسَهُ عَلَيْها حَارِساً ومُزيِّناً، فقَالَ اللعينُ: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} الأعراف: (16). فالشَّيطانُ لا يَقعدُ في الخماراتِ والمواخيرِ فحسب، بَل يَقعدُ لِلمُصَلِّي في صَلَاتِه، لِيُوسوسَ لَه، ففي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا نُودِىَ بِالأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ الأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». ويَقعدُ لِلمُتصدِّقِ لِيُذَكِّرَهُ بالفَقْر، ويَقعدُ لِلعَالِمِ لِيُوقعَهُ فِي الرِّياء، فسُبُل الشيطان كثيرةٌ: ومنها سَبيلُ الكِبْر، وسَبيلُ الحَسَد، وسَبيلُ الغِشِّ، وسَبيلُ تَرْكِ الصَّلاة، وسَبيلُ قَطيعةِ الرَّحِم، وكُلُّ سَبيلٍ مِنْ هَذِهِ السُّبُلِ يَنتهي بِصَاحِبِهِ إِلى الهاوية.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إنَّ بَعضَ النَّاسِ اليَوْمَ يَمشونَ في سُبُلِ الشَّيطانِ وهُم يَحسبونَ أَنَّهُم مُهتدون، فقد يُزيِّنُ لَهُم الشَّيطانُ المَعصيةَ، فَيُسمُّونَها “تَطوُّراً”، ويُزيِّنُ لَهُم الاختلاطَ والمُجونَ، فَيُسمُّونَهُ “حُرِّيَّةً”، ويُزيِّنُ لَهُم أَكْلَ الحرامِ، فَيُسمُّونَهُ “ذَكاءً” و”تِجارة”، فاحْذروا “خُطُواتِ الشَّيطان”؛ فَإنَّهُ لا يَدعوكَ لِلرذيلةِ دُفعةً واحِدة، بَل يَجُرُّكَ خُطوةً بَعدَ خُطوة، حتَّى تَجِدَ نَفْسَكَ قد غَرِقْتَ فِي الوَحْل.
ومن الملاحظ أِنَّ مَنْ أَعْظَمِ مَكَايدِ الشَّيْطَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ: “تَلْبِيسُ الْبَاطِلِ لِبَاسَ الْحَقِّ”. فَيُسَمِّي الْخَمْرَ بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَيُسَمِّي الرِّبَا فَائِدَةً، وَيُسَمِّي التَّبَرُّجَ حُرِّيَّةً، وَيُسَمِّي الِانْحِلَالَ تَقَدُّمًا،
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ! أَتَتْرُكُ سَبِيلَ مَنْ خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ، وَيَمْلِكُ مَوْتَكَ وَحَيَاتَكَ، لِتَتَّبِعَ سَبِيلَ عَدُوِّكَ، الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى إِغْوَائِكَ؟، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6].
إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ: (سبيل الله وسبل الشيطان)، هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلُمَاتِ، فسَبِيلُ اللَّهِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ أَحَبَّ، فَيَرَى الْحَقَّ حَقًّا، وَيَرَى الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وأَمَّا سُبُلُ الشَّيْطَانِ فَهِيَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ومَنْ سَارَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ فِي ضَمَانِ اللَّهِ، وَمَنْ سَارَ فِي سُبُلِ الشَّيْطَانِ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَالْتَزِمُوا جَادَّةَ الصَّوَابِ، وَتَمَسَّكُوا بِغَرْزِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (سَبِيلُ اللَّهِ وسُبُلُ الشَّيْطَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257]. ففي هَذِهِ الآيةِ القرآنية وَحَّدَ الله “النُّور” وجَمَعَ “الظُّلُمات”؛ لأَنَّ طَريقَ اللهِ وَاحِدٌ لا يَتَعدَّد، وأما سُبُل الضَّلالِ فهي كَثيرةٌ لا تُحصى، وكُلُّ سَبيلٍ للشَّيطانِ لا بُدَّ أَنَّ لَهُ “دَاعِياً”؛ إِمَّا صَاحِبَ سُوءٍ يُغويك، أَوْ شاشةً تُغريك، أَوْ هَوىً فِي نَفْسِكَ يُرْديك.
فكَيْفَ النَّجاةُ يا عِبادَ الله؟، النَّجاةُ تَكونُ بِكَثْرةِ الدُّعاءِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6. فنَحنُ نُردِّدُها فِي كُلِّ صَلَاة، فَهَل نَستحضرُ مَعْنَاها؟، إنَّنا نَسألُ اللهَ أَنْ يُثبِّتَ أَقدامَنا عَلى سَبيلِهِ، وأَنْ يُبصِّرَنا بِخِداعِ الشَّيطان، والنَّجاةُ تَكونُ بِصُحبةِ الأَخيارِ، الَّذينَ إِذا رَأيتَهُم ذَكَرْتَ الله، وإِذا جَالَسْتَهُم زَادَ إِيمانُك.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ السَّبِيلَ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ، وَسْطَ زَخَمِ الْفِتَنِ، وَتَعَدُّدِ الْمَشَارِبِ، يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: (الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ): فَالْعِلْمُ يَكْشِفُ لَكَ شُبُهَاتِ الشَّيْطَانِ، وَالْعَمَلُ يَكْسِرُ شَهَوَاتِ النَّفْسِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَالِالْتِفَافُ حَوْلَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَالْبُعْدُ عَنْ مَوَاطِنِ الرَّيْبِ، فالشَّيْطَانُ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ.
فلَا تَغْتَرُّوا بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ فِي سُبُلِ الضَّلَالِ، وَلَا تَمَلُّوا مِنْ قِلَّةِ السَّالِكِينَ فِي سَبِيلِ الْهُدَى، فإِنَّ الْقَابِضَ عَلَى دِينِهِ الْيَوْمَ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، ولَكِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
اجْعَلُوا دُعَاءَكُمْ دَائِمًا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6. كَرِّرُوهَا بِيَقِينٍ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَاسْتَشْعِرُوا حَاجَتَكُمْ إِلَى هِدَايَةِ اللَّهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَدَاهُ اللَّهُ لِسَبِيلِهِ، لَمْ تَضُرَّهُ كَيْدُ الشَّيَاطِينَ وَلَا مَكْرُ الْمَاكِرِينَ.
وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا فَرَّطْتُمْ، وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وانْظُروا فِي أَيِّ السَّبيلَيْنِ تَمشونَ، فمَن كَانَ يَمشي في سَبيلِ اللهِ فَلْيَحمدِ اللهَ، ولْيَثبُت، ومَن وَجَدَ نَفْسَهُ في سُبُلِ الشَّيطانِ، فَلْيُبادر بِالتَّوبَةِ، قَبْلَ أَنْ يَنتهيَ بِهِ الطَّريقُ إِلى غَضَبِ الجَبَّار، واعْلَموا أَنَّ سَبيلَ اللهِ وإنْ كَانَ فِيهِ بَعضُ المَشَقَّةِ فَعاقِبَتُهُ النَّعيم، وسُبُلَ الشَّيطانِ وإنْ كَانَتْ مَحفوفةً بالشَّهواتِ فَنِهايَتُها الجَحيم.
الدعاء
