خطبة عن : ما يقال عند رؤية المبتلى: ( مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى عَافَانِي ..)
يناير 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى ابن ماجه في سننه: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ «أَلاَ تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ». قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. قَالَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «صَدَقَتْ صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ».
إخوة الإسلام
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» [رواه مسلم]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [رواه البخاري ومسلم].
فإِلَى كُلِّ ظَالِمٍ نَسِيَ قُدْرَةَ القَادِرِ، وَإِلَى كُلِّ غَادِرٍ اغْتَرَّ بِحِلْمِ الحَلِيمِ، نَقُولُ لَهُ:
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ)، سَوْفَ تَعْلَمُ حِينَ تُكْشَفُ الأَسْتَارُ، وَتُبْلَى السَّرَائِرُ، أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ مَتَاعاً غَرُوراً، فإِنَّ الظَّالِمَ اليَوْمَ يَنَامُ مِلْءَ عَيْنَيْهِ، وَالمَظْلُومُ يَبِيتُ يَرْفَعُ شَكْوَاهُ ويديه، إِلَى مَنْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، فَيَا مَنْ ظَلَمْتَ النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ، أَوْ غَدَرْتَ بِهِمْ فِي أَعْرَاضِهِمْ، أَوْ تَجَبَّرْتَ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِكَ؛ لَا تَظُنَّ أَنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ سَيَطُولُ، فَقَدْ جَاءَ فِي الأَثَرِ: “عِزُّ الظَّالِمِ صَرْعَتُهُ، وَذُلُّ المَظْلُومِ نُصْرَتُهُ”.
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): فَالغَادِرُ يَفْضَحُهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ بِفَضِيحَةٍ لَا تُمحَى، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ» [رواه البخاري ومسلم]. فتَخَيَّلْ ذَلِكَ المَشْهَدَ العَظِيمَ، حِينَ يَقِفُ الخَلَائِقُ جَمِيعاً، فَيُرْفَعُ فَوْقَ رَأْسِكَ عَلَمٌ، يَشْهَدُ بِخِيَانَتِكَ وَغَدْرِكَ، ويُنَادَى عَلَيْكَ بِاسْمِكَ وَاسْمِ أَبِيكَ: هَذَا الَّذِي غَدَرَ بِفُلَانٍ، هَذَا الَّذِي خَانَ العَهْدَ، هَذَا الَّذِي نَقَضَ المِيثَاقَ، فسَوْفَ تَعْلَمُ حينها يَا غُدَرُ أَيَّ مَقَامٍ سَيِّئٍ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ.
وإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى فَرْدٍ دُونَ فَرْدٍ؛ فَهُنَاكَ ظُلْمُ الدُّوَلِ، وَالجَمَاعَاتِ، الَّتِي تَبْنِي مَجْدَهَا عَلَى جَمَاجِمِ الضُّعَفَاءِ، فَيَا أَيُّهَا الطَّوَاغِيتُ، الَّذِينَ مَلَأْتُمُ الأَرْضَ جَوْراً، وَيَا مَنْ خُنْتُمُ الأَمَانَاتِ الَّتِي حُمِّلْتُمُوهَا؛ اعْلَمُوا أَنَّ دَمَ المَظْلُومِ لن يضيع هدرا، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93) النساء، وفي سنن الترمذي: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا يَقُولُ يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ»،
فاحْذَرُوا المَظَالِمَ وَإِنْ قَلَّتْ، فَإِنَّ المَظْلُومَ لَهُ حَقٌّ فِي عُنُقِكَ لَنْ يَسْقُطَ أَبَداً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» رواه البخاري.
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): فيَا مَنْ غَدَرْتَ بِزَوْجَتِكَ، أَوْ غَدَرْتَ بِجَارِكَ، أَوْ غَدَرْتَ بِأَجِيرِكَ؛ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ أَنَّ صَلَاتَكَ وَصِيَامَكَ وَحَجَّكَ قَدْ تَذْهَبُ هَبَاءً مَنْثُوراً فِي لَحْظَةِ قِصَاصٍ وَاحِدَةٍ، فإِنَّ الحُقُوقَ المَبْنِيَّةَ عَلَى المُشَاحَحَةِ بَيْنَ العِبَادِ لَا يَغْفِرُهَا اللهُ حَتَّى يَعْفُوَ صَاحِبُ الحَقِّ، فَأَيْنَ لَكَ بِالعَفْوِ فِي يَوْمٍ يَفِرُّ فِيهِ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ؟، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَسَابِينَ} [الأنبياء:47]. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يُحْشَرُ الْعِبَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً، غُرْلًا، بُهْمًا» قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ» [رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه الألباني]. فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا العَدْلِ المُطْلَقِ؛ “حَتَّى اللَّطْمَةَ”! إِذَا كَانَتِ اللَّطْمَةُ الوَاحِدَةُ سَتُسْتَوْفَى فِي يَوْمِ الدِّينِ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَلَبَ الأَرَاضِيَ، أَوْ نَقَضَ العُهُودَ الدَّوْلِيَّةَ، أَوْ بَغَى عَلَى الشُّعُوبِ بِالظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ؟، فسَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ قَوِيّاً إِلَّا بِضَعْفِ نَفْسِكَ، وَلَمْ تَكُنْ ظَافِراً إِلَّا بِخَسَارَةِ آخِرَتِكَ.
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): أنَّ صَاحِبَ الحَقِّ المَظْلُومَ، الَّذِي بَاتَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، هُوَ الرَّابِحُ الأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ صَارَ “اللهُ”، وَيَا وَيْلَ مَنْ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ!، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ…» [رواه البخاري]. فمَنْ حَلَفَ بِاللهِ ثُمَّ خَانَ، ومَنْ عَاهَدَ اللهَ ثُمَّ غَدَرَ؛ فَقَدْ جَعَلَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ هُوَ خَصْمُهُ الَّذِي يُحَاسِبُهُ
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): فإِلَى كُلِّ ظَالِمٍ تَجَبَّرَ بِقُوَّتِهِ، أَوْ سَلَطَانِهِ، أَوْ مَالِهِ، إِلَى مَنْ غَدَرَ وَخَانَ وَأَكَلَ الحُقُوقَ، وَأَوْجَعَ الصُّدُورَ: (سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ)، سَوْفَ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِغَافِلٍ، وَأَنَّ سِيَاطَ بَغْيِكَ سَتَرْتَدُّ إِلَيْكَ حِمَماً، فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ، وَمَا مِنْ ظَالِمٍ عَلَى مُسْتَوَى الأَفْرَادِ فِي بُيُوتِهِمْ، أَوِ الجَمَاعَاتِ فِي تَحَزُّبِهِمْ، أَوِ الدُّوَلِ فِي طُغْيَانِهَا، إِلَّا وَلَهُ مَوْعِدٌ لَنْ يُخْلِفَهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]. وَمَا نِهَايَةُ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ عَنْكُمْ بِبَعِيدٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ وَارْبَؤُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ سُبُلِ الغَادِرِينَ، ولِيُصْلِحْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَلْقِ، وَلْيَرُدَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا مَهْمَا صَغُرَتْ، فَلأَنْ تَلْقَى اللهَ فَقِيراً مُعْدَماً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ وَفِي رَقَبَتِكَ مَظْلَمَةٌ لِإِنْسَانٍ، أَوْ غَدْرَةٌ لِذِمَّةٍ، وسَيَعْلَمُ الغَادِرُونَ يَوْمَ تَنْطِقُ الأَعْضَاءُ، وَتَشْهَدُ الجَوَارِحُ، وَتُوضَعُ المَوَازِينُ؛ أَنَّ الحَقَّ لَا يَضيع، وَأَنَّ الدَّيَّانَ لَا يَمُوتُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ} [إبراهيم:42-43]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]. وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} هود: (102)
والظَّالِم قَدْ يَغْتَرُّ بِإِمْهَالِ اللهِ لَهُ، فَيَظُنُّ أَنَّ العَدْلَ مَفْقُودٌ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ دَعْوَةً تَخْتَرِقُ الحُجُبَ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» [رواه البخاري ومسلم]. وَفِي رِوَايَةٍ: «يَرْفَعُهَا اللهُ دُونَ الغَمَامِ وَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): فَيَا مَنْ غَدَرْتَ بِأَخِيكَ، أَوْ جُرْتَ عَلَى ضَعِيفٍ، أَوْ سَفَكْتَ دَماً حَرَاماً بِغَيْرِ حَقٍّ؛ سَوْفَ تَعْلَمُ عِنْدَ الحَشْرِ حِينَ تَقِفُ جَرْدَاءَ مِنْ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، وَيَأْتِي المَظْلُومُ لِيَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِكَ، فَإِنْ فَنِيَتْ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْكَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا…» [رواه مسلم]. فَهَذَا هُوَ الخِزْيُ الأَكْبَرُ، وَتِلْكَ هِيَ لَحْظَةُ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وأَمَّا الدُّوَلُ الَّتِي ظَلَمَتْ وَبَغَتْ وَأَهْلَكَتِ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ، فَلَهَا مَوْعِدٌ عِنْدَ قَاصِمِ الجَبَابِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:117]. فإِنَّ دُوَلَ الظُّلْمِ سَاعَةٌ، وَدَوْلَةَ الحَقِّ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِنَّ تِلْكَ الغَدَرَاتِ الَّتِي تُرْتَكَبُ فِي حَقِّ الشُّعُوبِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ سَيُصْبِحُ لِكُلِّ غَادِرٍ مِنْهَا لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» [رواه مسلم].
(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ): فَيَا لَفَضِيحَةِ الغَادِرِينَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ!، فإِنَّ صَاحِبَ الحَقِّ لَا يَضِيعُ حَقُّهُ مَادَامَ لَهُ رَبٌّ حَكَمٌ عَدْلٌ، فَيَا أَيُّهَا المَظْلُومُ المَكْلُومُ، اصْبِرْ وَصَابِرْ، فَإِنَّ غَرِيمَكَ خَصْمُهُ اللهُ، وَمَنْ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ فَقَدْ هَلَكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» [رواه مسلم فإِذَا كَانَ العَدْلُ الإِلَهِيُّ يَقْتَصُّ لِلْبَهِيمَةِ مِنَ البَهِيمَةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَلَبَ الأَمْوَالَ، وَهَتَكَ الأَعْرَاضَ ،وَخَانَ الأَمَانَاتِ، وَغَدَرَ بِالعُهُودِ؟، فسَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ أَنَّ كُلَّ قَطْرَةِ دَمٍ، وَكُلَّ دَمْعَةِ قَهْرٍ، مَكْتُوبَةٌ فِي سِجِلٍّ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الدُّنْيَا مَهْمَا طَالَتْ فَهِيَ حُلُمٌ، وَالآخِرَةَ هِيَ الحَيَوَانُ، وَمَنِ اسْتَقْوَى بِمَنْصِبِهِ لِيَظْلِمَ مَرْؤُوسَهُ، أَوْ اسْتَقْوَى بِمَالِهِ لِيَظْلِمَ أَجِيرَهُ، فَلْيَتَذَكَّرْ قُدْرَةَ اللهِ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “مَنْ ظَلَمَ مَظْلِمَةً، أُخِذَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ”. فَيَا خَيْبَةَ مَنْ لَقِيَ اللهَ وَحِمْلُ المَظَالِمِ عَلَى ظَهْرِهِ ثَقِيلٌ!
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَرُدُّوا المَظَالِمَ إِلَى أَهْلِهَا قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَأَنَّ الحَقَّ لَا يَمُوتُ بِالتَّقَادُمِ، بَلْ هُوَ طَلِبَةٌ عِنْدَ اللهِ لَا تُتْرَكُ، قال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (227) الشعراء.
الدعاء
