خطبة عن (مفسدات النية) مختصرة
فبراير 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى: صُومُوا: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. وفي سنن البيهقي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«أَظَلَّكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَضَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ)، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [رواه ابن ماجه وأحمد].
إخوة الإسلام
لَقَدْ أَظَلَّنَا شَهْرٌ كَرِيمٌ، وَمَوْسِمٌ عَظِيمٌ، تَتَفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَالسُّؤَال: لِمَاذَا نَصُومُ؟، فالكَثِير مِنَّا -لِلأَسَفِ- حَوَّلَ الصِّيَامَ إِلَى “عَادَةٍ” بَعْدَ أَنْ كَانَ “عِبَادَةً” ،وَحول الصيام إِلَى “تَقْلِيدٍ” بَعْدَ أَنْ كَانَ “تَجْرِيداً”، لَقَدْ حَصَرُوا الصِّيَامَ فِي مَائِدَةِ الطَّعَامِ، وَأَلْوَانِ الشَّرَابِ، وَالسَّهَرِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ، ولَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَدَّدَ الغَايَةَ، بِلَفْظٍ قَاطِعٍ فِي خِتَامِ آيَةِ الفَرْضِ، فقال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
فَـ “التَّقْوَى” هِيَ الثَّمَرَةُ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي يَتَسَلَّمُهَا العَبْدُ الصائم فِي نِهَايَةِ هَذَا الشَّهْرِ، فإِذَا انْتَهَى شهر رَمَضَانُ، وَلَمْ تبلغ درجة التقوى، ولم تَزِدْ تَقْوَاكَ، فَأَنْتَ مِمَّنْ صَامَ بَطْنُهُ، وَلَمْ يَصُمْ قَلْبُهُ!،
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: والسؤال: كَيْفَ يُصَنِّعُ الصِّيَامُ فِي نُفُوسِنَا “التَّقْوَى”؟، والجواب: التَّقْوَى -كَمَا عَرَّفَهَا الامام عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- هِيَ: “الخَوْفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ”. فالصِّيَامُ تَدْرِيبٌ عَمَلِيٌّ عَلَى “المُرَاقَبَةِ”، فأَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَشْرَبَ فِي خَلْوَتِكَ، وَتَأْكُلَ دُونَ أَنْ يَرَاكَ أَحَدٌ، ولَكِنَّكَ تَمْتَنِعُ حُبّاً وَخَوْفاً وطاعة لخَالِقِكَ، فهَذَا الشُّعُورُ الخَفِيُّ بِأَنَّ “اللهَ يَرَانِي” هُوَ جَوْهَرُ التَّقْوَى، فَإِذَا نَجَحْتَ فِي تَرْكِ “الحَلَالِ” وهو (الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ والشهوة) لِأَجْلِ اللهِ تعالى، فَأَنْتَ أَقْدَرُ عَلَى تَرْكِ “الحَرَامِ” من (الغِيبَةُ، الكَذِبُ، الظُّلْمُ) طَوَالَ العَامِ.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: فالجُوع في رمضان لَيْسَ مَقْصُوداً لِذَاتِهِ، فَاللهُ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِنَا، ولكن المقصود الاستسلام والطاعة لله تعالى، ومراقبته في السر والعلن، لنبلغ بذلك درجات المتقين، لذا، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، فالهدف من الصيام “تَقْوَى الجَوَارِحِ” وليس البَطْن والمَعِدَةِ فَقَطْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: إِنَّ شهر رَمَضَانَ هُوَ تدريب عملي إِيمَانِيّ لِتَرْبِيَةِ الإِرَادَةِ، فحِينَ تَتْرُكُ مَا تَهْوَى لِمَنْ تَخْشَى، فَأَنْتَ تُقَوِّي عَضَلَةَ الإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ، ومَنْ حَقَّقَ صِيَامَ “التَّقْوَى”، رَأَيْتَهُ بَعْدَ رَمَضَانَ شخصا آخَرَ؛ رَأَيْتَهُ بَارّاً بِوَالِدَيْهِ، صَادِقاً فِي بَيْعِهِ، غَاضّاً لِبَصَرِهِ، سَلِيماً فِي صَدْرِهِ، أَمَّا مَنْ حَقَّقَ صِيَامَ “العَادَةِ” فقط، فَلَا تَجِدُهُ يَتَغَيَّرُ، بَلْ يَعُودُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ، بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ هِلَالِ العِيدِ،
ويقول اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج:32. فكيف نعظم شعيرة الصيام؟ ، وكَيْفَ نَجْعَلُ صِيَامَنَا هَذَا العَامَ صِيَامَ “تَقْوَى”؟، والجواب: بِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ: فلَا تَصُمْ لِأَنَّ النَّاسَ صَائِمُونَ، بَلْ صُمْ “إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً”، إيمانا بالله تعالى، وتصديقا بفرضية الصوم، واحتسابا عند الله تعالى الأجر والثواب، ففي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»،
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: ونَجْعَلُ صِيَامَنَا هَذَا العَامَ صِيَامَ “تَقْوَى: بِصِيَامِ الجَوَارِحِ: فلِيَصُمْ سَمْعُكَ عَنِ سماع الغِنَاءِ وَاللَّغْوِ، وَلِيَصُمْ بَصَرُكَ عَنِ مشاهدة الحَرَامِ، وَلِيَصُمْ لِسَانُكَ عَنِ القول الحرام: من النَّمِيمَةِ والغيبة والكذب والبهتان، واللعن والسباب، ففي الصحيحين: (قال صلى الله عليه وسلم: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ )،
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: ونَجْعَلُ صِيَامَنَا هَذَا العَامَ صِيَامَ “تَقْوَى: بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَتلاوة القُرْآنِ: فَالتَّقْوَى تَحْتَاجُ إِلَى غِذَاءٍ رُوحِيٍّ يُقَوِّيهَا، وَلَا غِذَاءَ كَكَلَامِ اللهِ، وهذا هو المقصود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما في الصحيحين: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ الأَيَّامَ تَمْضِي سِرَاعاً، وَرَمَضَانُ ضَيْفٌ عَجُولٌ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً، واجْعَلُوا هَذِهِ الجُمُعَةَ الأُولَى من شهر رمضان انْطِلَاقَةً نَحْوَ “التَّقْوَى”. وتَذَكَّرُوا أَنَّ الجَنَّةَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ (وِقَايَةٌ) مِنَ النَّارِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ تَقْوَى.
فالله تعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا صيام هذا الشهر لِتَعْذِيبِ الأَبْدَانِ بِالجُوعِ، وَلَا لِإِرْهَاقِ الأَنْفُسِ بِالظَّمَأِ، بَلْ جَعَلَهُ مَحَطَّةً لِلتَّزْكِيَةِ، وَمَدْرَسَةً لِلتَّرْبِيَةِ، فقال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: فلا تجَعَلُوا شهر رَمَضَانَ شَهْرَ الـمَأْكُولَاتِ وَالـمَشْرُوبَاتِ، وَالتَّفَنُّنِ فِي السَّهَرَاتِ؛ فَمَنْ صَامَ وَلَمْ يَزْدَدْ تَقْوىً، فَقَدْ حُرِمَ جَوْهَرَ العِبَادَةِ، وَلَمْ يَنَلْ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الجُوعَ وَالعَطَشَ، وَالتَّقْوَى: أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَذَابِ اللهِ وِقَايَةً، بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ،
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: فوَيْحَكَ أَيُّهَا الغافل: أَتَمْتَنِعُ عَنِ المَاءِ والطعام وَأَنْتَ ظَمْآنُ وجوعان، ثُمَّ تَقْرَبُ الغِيبَةَ، أَوْ تَأْكُلُ الرِّبَا والحرام، أَوْ تَنْظُرُ لِلْمُحَرَّمَاتِ، والافلام والمسلسلات؟، فإِنَّ الصِّيَامَ بهذه الطريقة لَا يُورِثُ عِفَّةً فِي الجَوَارِحِ، وَلا طَهَارَةً فِي القَلْبِ، بل هُوَ صِيَامٌ مَجْرُوحٌ، والنَّجَاةُ فِي تَحْقِيقِ التَّقْوَى التِي هِيَ الـمَقْصِدُ الأَسْمَى لِهَذَا الرُّكْنِ العَظِيمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [رواه البخاري].
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: فالرَّابِحُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَجْعَلُ مِنْ رَمَضَانَ مَيْدَاناً لِتَقْوِيَةِ تَقْوَاهُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الشَّهْرِ بَعَيْنٍ لَا تَنْظُرُ لِلْـحَرَامِ، وَأُذُنٍ لَا تَسْمَعُ لِلَّغْوِ، وَقَلْبٍ مُتَّصِلٍ بِعَلَّامِ الغُيُوبِ،
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: ولَقَدْ أَدْرَكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ هَذِهِ الغَايَةَ، فَكَانُوا أَشَدَّ مَا يَكُونُونَ حِرْصاً عَلَى صِيَانَةِ صَوْمِهِمْ مِنَ الـمُنْقِصَاتِ، فَيَا مَنْ تَرْجُو القَبُولَ!، اجْعَلْ شِعَارَكَ هَذَا العَامَ: “صِيَامِي لِتَقْوَايَ”، وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الـجُوعُ وَالعَطَشُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: وَفي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْجَارِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صَوْمِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً» [رواه ابن أبي شيبة في المصنف].
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا صِيَامَ الصَّادِقِينَ، وَقِيَامَنَا قِيَامَ القَانِتِينَ، وآتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، واجْعَلْنَا مِمَّنْ نَالَ الغَايَةَ مِنْ صِيَامِهِ فَخَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ بَقَلْبٍ تَقِيٍّ نَقِيٍّ.
الدعاء
