خطبة عن (مُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ)
يناير 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فلِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (60)، (61) الصافات. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} السجدة:17» [رواه البخاري].
إخوة الإسلام
إِنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَجْبُولٌ عَلَى الْعَمَلِ وَالنَّصَبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4]، فَالْكُلُّ يَعْمَلُ، وَالْكُلُّ يَسْعَى، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ: فِي مَاذَا يَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ؟، وَمَا هِيَ الْغَايَةُ مِنْ هَذَا النَّصَبِ؟، فالله -عَزَّ وَجَلَّ- بَعْدَ أَنْ صَوَّرَ لَنَا مَشَاهِدَ الْفَوْزِ الْأَكْبَرِ فِي الْجَنَّةِ، وَنَعِيمَهَا الذِي لَا يَبِيدُ، وَقُصُورَهَا التِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَلِقَاءَ الْأَحِبَّةِ فِيهَا؛ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (61) الصافات. وهُنَا تَتَحَدَّدُ الْأَهْدَافُ، وَتَسْمُو الْغَايَاتُ ،فالسَّعْي لِحُطَامِ الدُّنْيَا عَمَلٌ، وَالسَّعْي لِلْمَنَاصِبِ عَمَلٌ، ولَكِنَّ الْعَمَلَ الذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تُبْذَلَ فِيهِ الْأَعْمَارُ، هُوَ مَا يُبَلِّغُ مَرْضَاةَ الْقَهَّارِ، وَسُكْنَى الْجِنَانِ.
ولنتأمل فِي أَحْوَالِ النَّاسِ من حولنا؛ فكَمْ مِنْ عَامِلٍ نَصِبٍ فِي دُنْيَاهُ، يَسْهَرُ اللَّيْلَ، وَيَكْدَحُ النَّهَارَ، لِيَبْنِيَ قَصْراً سَيَتْرُكُهُ، أَوْ لِيَجْمَعَ مَالاً، سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ، وَيَتَمَتَّعُ بِهِ غَيْرُهُ، فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْعَامِلُ للدنيا!، أَتَبْذُلُ مَجْهُودَكَ لِمَا يَفْنَى، وَتَبْخَلُ بِهِ لِمَا يَبْقَى؟،
(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (61) الصافات، فإِنَّ الْعَمَلَ لِلآخِرَةِ هُوَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ التِي لَا تَبُورُ، و{لِمِثْلِ هَذَا}؛ أَيْ لِمِثْلِ تِلْكَ الْغُرَفِ التِي يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، ففي مسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهَرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرَهَا». فَقَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لِمَنْ أَلاَنَ الْكَلاَمَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِماً وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (61) الصافات، وَلِمِثْلِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَلِمِثْلِ تِلْكَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فاعملوا، ففي سنن ابن ماجه: (قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ». قَالُوا نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ. والْعَمَل هُنَا لَيْسَ تَمَنِّياً، بَلْ هُوَ صَلَاةٌ بِخُشُوعٍ، وَصَدَقَةٌ بِإِخْلَاصٍ، وَصَبْرٌ عَلَى مَقَادِيرِ اللَّهِ، وَجِهَادٌ لِلنَّفْسِ عَنِ الْهَوَى، فهو يشمل كل الطاعات.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
و(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) فمَنْ عَرَفَ عِظَمَ الْمَطْلُوبِ، هَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ، وانْظُرُوا إِلَى سَلَفِكُمُ الصَّالِحِ؛ كَيْفَ طَلَّقُوا الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، فكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، وَيَصُومُ الْهَوَاجِرَ، وَيُنْفِقُ نَفِيسَ مَالِهِ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: “لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ أَعْدَدْتُ”، فإِنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةٌ، وَالآخِرَةَ هِيَ يَوْمُ الْحَصَادِ، فَأَيْنَ بَذْرُكَ؟، وَأَيْنَ غَرْسُكَ؟،
واعلم أنه مَنْ كَانَ يَعْمَلُ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ، وَمَنْ كَانَ يَعْمَلُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِتَاعَهَا، وَمَنْ كَانَ يَعْمَلُ لِمِثْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (20) الشورى، فالْخَسَارَة الْحَقِيقِيَّةَ: أَنْ تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ نَفِدَتْ أَعْمَالُكَ فِي بَاطِلٍ، أَوْ هَبَاءٍ مَنْثُورٍ، قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104].
(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (61) الصافات، فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، رَاجِعْ دَفْتَرَ أَعْمَالِكَ؛ هَلْ مَا تَقُومُ بِهِ الْيَوْمَ يُؤَهِّلُكَ لِتَقُولَ غَداً: “يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي”؟، فإِنَّ الْعَمَلَ لِمِثْلِ الْجَنَّةِ يَقْتَضِي تَرْكَ الْكَسَلِ، وَمُهَاجَرَةَ الذُّنُوبِ، وَالسَّعْيَ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ، وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ، فَالْمَيْدَانُ مَفْتُوحٌ، وَالسِّبَاقُ قَائِمٌ، وَالثَّمَنُ غَالٍ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْغَالِيَةَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران :133]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» [رواه مسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واحذروا الغفلة، فقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [رواه البخاري ومسلم]. فمِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَثَمَرَة الـمُراقَبَةِ، أَنْ يَعِيشَ العَبْدُ بِيَقِينِ أَنَّ اللهَ -سُبْحانَهُ- لَا يَغْفَلُ عَنْ شَيْءٍ فِي هَذَا الكَوْنِ. “وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ”؛ كَلِمَةٌ تَهزُّ عُرُوشَ الظَّلَمَةِ، وَتُطَمْئِنُ قُلُوبَ الـمَظْلُومِينَ، وَتُوقِظُ ضَمَائِرَ الغَافِلِينَ، فَمَا مِنْ دَمْعَةٍ سَقَطَتْ، وَلَا مِنْ حَقٍّ هُضِمَ، وَلَا مِنْ كَلِمَةٍ صَدَقَتْ، وَلَا مِنْ فِعْلَةٍ خَفِيَتْ؛ إِلَّا وَعَيْنُ اللهِ تَرَاهَا، وَسُلْطَانُهُ يُحِيطُ بِهَا، فإِنَّ اللهَ لَا يَنْسَى، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ، وَلَا يَغْفُلُ، وَإِنَّمَا يُمْلِي؛ لِيَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ، وَيَعْلَمَ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. فإِنَّ الْوَقْتَ يَسْرِقُنَا، وَالْأَيَّامَ تَنْطَوِي، وَكُلُّ جُمُعَةٍ تَمُرُّ تَقْرُبُنَا مِنَ الْقَبْرِ خُطْوَةً، والنَّجَاةُ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي “الْمُبَادَرَةِ”، فلَا تَقُلْ “سَأَعْمَلُ” بَلْ “قَدْ عَمِلْتُ”، فإِنَّ مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ الْجَنَّةِ، لَا يَرْضَى بِدُونِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مَطْلَباً، واعْمَلُوا لِيَوْمٍ تَبْيَضُّ فِيهِ الْوُجُوهُ، واعْمَلُوا لِيَوْمٍ تَسْتَلِمُونَ فِيهِ الْكُتُبَ بِالْيَمِينِ، واجْعَلُوا هَمَّكُمُ الْيَوْمَ: كَيْفَ نُرْضِي اللَّهَ؟، وابْدَأُوا بِصَلَاحِ الْبَاطِنِ، ثُمَّ صَلَاحِ الظَّاهِرِ،
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. فوَيْحَكَ أَيُّهَا الـمُبَارِزُ لِرَبِّكَ بِالـمَعَاصِي فِي الخَلَوَاتِ!، أَتَظُنُّ أَنَّ حِيطَانَ بَيْتِكَ، أَوْ سُتُورَ ظَلَامِكَ، تَحْجُبُكَ عَنْ مَنْ خَلَقَكَ؟، أَتَظُنُّ أَنَّ انْشِغَالَ النَّاسِ عَنْكَ يَعْنِي انْصِرَافَ نَظَرِ الـمَلِكِ عَنْ فِعْلِكَ؟، كَلَّا، بَلْ هُوَ الرَّقِيبُ، الـمُهَيْمِنُ، الذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فإِنَّ اسْتِشْعَارَ عَدَمِ غَفْلَةِ اللهِ يُورِثُ الحَيَاءَ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهِ، فَلا يَجِدُكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَلَا يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَكَ.
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. يَتَجَلَّى فِيها مِيزَانِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ، فَلَعَلَّكَ تَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحاً، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، أَوْ تَمْسَحُ رَأْسَ يَتِيمٍ، فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، أَوْ تَكْظِمُ غَيْظاً وَأَنْتَ قَادِرٌ؛ فَتَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ سُدًى؛ كَلَّا وَاللهِ!، فإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الـمُحْسِنِينَ، وإِنَّهُ إِحْصَاءُ مَنْ لَا تَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَفِي الـمُقَابِلِ، فَإِنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ حَرَامٍ، وَكُلَّ نَظْرَةٍ آثِمَةٍ، وَكُلَّ طَعْنَةٍ فِي عِرْضِ الـمُسْلِمِينَ؛ هِيَ مَرْصُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَالغَفْلَةُ نَحْنُ أَهْلُهَا، أَمَّا الرَّبُّ -جَلَّ جَلَالُهُ- فَمِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ القَيُّومِيَّةُ التِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. فمَنِ الذِي يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟، إِنَّهُ المُؤْمِنُ، الذِي يُحَاسِبُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، فإِذَا سَوَّلَتْ لَكَ نَفْسُكَ الغِشَّ فِي البَيْعِ، أَوْ الخِيَانَةَ فِي الأَمَانَةِ، أَوْ التَّقْصِيرَ فِي الوَاجِبِ؛ فَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَبِّكَ: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، فإِنَّ الرَّادِعَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ هُوَ القَانُونُ البَشَرِيُّ، الذِي يُمْكِنُ الالتِفَافُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ اليَقِينُ بِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يَرَاكَ، فَلْنَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّنَا مَهْمَا تَوَارَيْنَا عَنْ أَعْيُنِ البَشَرِ، فَنَحْنُ فِي قَبْضَةِ مَنْ لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:42]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» [رواه مسلم].
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. فنَحْنُ الآنَ نرى ونشاهد العَالَم يَمُوجُ بِالظُّلْمِ وَالفِتَنِ، وَقَدْ تَرَى البَاطِلَ مُنْتَفِشاً، وَأَهْلَهُ مُمَكَّنِينَ، فَيَدْخُلُ الشَّكُّ إِلَى بَعْضِ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ. ولَكِنَّ القُرْآنَ يَقْطَعُ هَذَا الشَّكَّ بِاليَقِينِ: “لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا”. إِنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ هُوَ لِحِكْمَةٍ، وَإِنَّ الـمَوْعِدَ القِيَامَةُ. فَإِذَا رَأَيْتَ حَقَّكَ يُسْلَبُ، أَوْ أَهْلَكَ يُظْلَمُونَ، فَارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَقُلْ: يَا مَنْ لَا يَغْفُلُ، أَنْتَ الحَسِيبُ وَأَنْتَ الوَكِيلُ. النَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي أَنْ نَكُونَ مَعَ اللهِ بِالطَّاعَةِ، لِيَكُونَ مَعَنَا بِالنُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ.
(وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]. و(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (61) الصافات: اجْعَلُوها شِعَاراً لَكُمْ فِي بَيْعِكُمْ، وَشِرَائِكُمْ، وَتَعَامُلِكُمْ مَعَ أَهْلِيكُمْ، فإِذَا أَصْلَحْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ فِي السِّرِّ، أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ فِي العَلَانِيَةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فلِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وقوله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (61) الصافات: إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِتَصْحِيحِ المَسَارِ؛ فَالبَشَرُ كُلُّهُمْ عَامِلُونَ، وَكُلُّهُمْ كَادِحُونَ، وَكُلُّهُمْ يَسْعَوْنَ، ولَكِنَّ السُّؤَالَ الكَبِيرَ: لِمَنْ تَعْمَلُونَ؟، وَمَاذَا تَرْجُونَ؟، فإِنَّ العَمَلَ لِدُنْيَا فَانِيَةٍ، وَمَتَاعٍ زَائِلٍ، هُوَ خُسْرَانٌ لِلْعُمْرِ، أَمَّا العَمَلُ لِهَذَا الفَوْزِ العَظِيمِ، فَهُوَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ الَّتِي لَا تَبُورُ. وتَأَمَّلُوا لَفْظَ “لِمِثْلِ هَذَا”؛ فالإِشَارَةُ هُنَا لِلْخُلُودِ، لِلرِّضَا، لِرُؤْيَةِ وَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ. إِنَّ العَامِلَ لِلدُّنْيَا قَدْ يَعْمَلُ كَثِيراً لِيَحْصُلَ عَلَى قَلِيلٍ، وَقَدْ يَبْنِي قَصْراً لَا يَسْكُنُهُ، أَوْ يَجْمَعُ مَالاً لَا يَأْكُلُهُ، أَمَّا العَامِلُ لِلآخِرَةِ، فَإِنَّ الجَهْدَ اليَسِيرَ يُثْمِرُ نَعِيماً مُقِيماً. والسؤال: كَيْفَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ لِمِثْلِ هَذَا؟، والجواب: إِنَّ الطَّرِيقَ يَبْدَأُ بِـ “تَحْقِيقِ الإِيمَانِ”، ثُمَّ بِـ “الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ”، وَ “الصَّبْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ”. فلَيْسَ العَمَلُ تَمَنِّياً، بَلْ هُوَ كَبَدٌ وَمُجَاهَدَةٌ، هُوَ قِيَامُ لَيْلٍ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وهُوَ صَدَقَةٌ فِي السِّرِّ، وهُوَ كَفُّ لِسَانٍ عَنِ الغِيبَةِ، وهُوَ بِرٌّ بِالوَالِدَيْنِ رَغْمَ المَشَقَّةِ. فالفَرْق بَيْنَ “عَامِلِ الدُّنْيَا” وَ”عَامِلِ الآخِرَةِ” هُوَ فِي “النَّفَسِ الطَّوِيلِ”. فعَامِلُ الدُّنْيَا يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ بِمَوْتِهِ، أَمَّا عَامِلُ الآخِرَةِ فَيَبْدَأُ جَنْيُ ثِمَارِ عَمَلِهِ الحَقِيقِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ. فلِمِثْلِ هَذَا الفَوْزِ، عَمِلَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ؛ فَهَانَتْ عَلَيْهِمُ الدِّمَاءُ وَالأَمْوَالُ، ولِمِثْلِ هَذَا ، قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقد كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى الآخِرَةِ كَأَنَّهَا رَأْيُ عَيْنٍ، فَصَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، ومَنْ أَدْرَكَ عِظَمَ المَطْلُوبِ، هَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]. فإِنَّ الوَقْتَ يَمْضِي، وَالأَنْفَاسَ مَعْدُودَةٌ، وَالسَّبِيلَ لَا يَحْتَمِلُ التَّسْوِيفَ، “لِمِثْلِ هَذَا” لَا لِغَيْرِهِ! فَلَا تَكُنْ عَمَلِيَّاتُكَ وَطُمُوحَاتُكَ مَحْصُورَةً فِي “طِينِ الأَرْضِ”، ولكن اِرْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ. وكُلُّ عَمَلٍ تَعْمَلُهُ اليَوْمَ، اسْأَلْ نَفْسَكَ: هَلْ هُوَ مِمَّا يُؤَهِّلُنِي لِتِلْكَ المَنَازِلِ؟ هَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ تَبْنِي لِي قَصْراً؟، أم هَلْ هَذِهِ النَّظْرَةُ تُطْفِئُ عَنِّي نُوراً؟، فإِنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ “القُرَّةُ” الَّتِي تَنْتَظِرُكَ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ حِينَمَا قَالَ {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} أَمَرَ بِالفِعْلِ المُضَارِعِ الَّذِي يُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ؛ أَيْ لَا تَتَوَقَّفْ عَنِ العَمَلِ حَتَّى تَبْلُغَ الأَجَلَ. فَاتَّقُوا اللهَ، وَكُونُوا مِنْ عُمَّالِ الآخِرَةِ، ولَا تَغُرَّنَّكُمُ المَظَاهِرُ الفَانِيَةُ، وَلَا تُشْغِلَنَّكُمْ “عَاجِلَةٌ” عَنْ “آجِلَةٍ”، واجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، الَّذِي يُقَالُ فِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} الحاقة:24.
الدعاء
