خطبة عن (عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ)
يناير 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فَلاَ تَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَكَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران:30]. وروى الإمام مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «…يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ».
إخوة الإسلام
نَحْنُ اليَوْمَ أَمَامَ “مِيزَانِ العَدْلِ” الَّذِي لَا يَحِيفُ، وَأَمَامَ “الكِتَابِ” الَّذِي لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، ومع قول النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- : «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ»: فإِنَّ هَذَا النِّدَاءَ الرَّبَّانِيَّ، هُوَ خُلَاصَةُ رِحْلَةِ الإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، وَتَقْرِيرٌ لِمَصِيرِهِ فِي الآخِرَةِ، فالحَيَاة الدنيا مَا هِيَ إِلَّا صَفَحَاتٌ، نَكْتُبُ فِيهَا بِأَقْلَامِ أَعْمَالِنَا، وَكُلُّ لَفْظَةٍ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ، وَكُلُّ حَرَكَةٍ، مَرْصُودَةٌ، عِنْدَ مَنْ لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى،
{إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ}؛ فَلَيْسَ لَكَ عِنْدَ اللهِ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، وَلَا يَنْفَعُكَ إِلَّا مَا أَسْلَفْتَ، فالله -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَكِنَّهُ الإِحْصَاءُ الدَّقِيقُ، الذِي لَا يُغَادِرُ نَقِيرًا وَلَا قِطْمِيرًا، فَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ فَبِتَوْفِيقِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَبِكَسْبِ العَبْدِ وَتَفْرِيطِهِ،
وحِينَما يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ}، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عَلَى العَبْدِ حِجَجَ الِاعْتِذَارِ؛ فَلَا نَسَبَ يَنْفَعُ، وَلَا جَاهَ يَشْفَعُ، وَلَا مَالَ يَدْفَعُ، إِنَّمَا هُوَ “العَمَلُ”، نعم العمل وَحْدَهُ؛ فهو صَاحِبُكَ فِي قَبْرِكَ، وَهو أَنِيسُكَ فِي وَحْشَتِكَ، وَهو قَائِدُكَ إِلَى جَنَّتِكَ أَوْ نَارِكَ.
وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ: {أُحْصِيهَا لَكُمْ}: فالإِحْصَاءُ يَعْنِي الدِّقَّةَ المُتَنَاهِيَةَ؛ فَالنَّظْرَةُ مُحْصَاةٌ، وَالكَلِمَةُ مَكْتُوبَةٌ، وَخَفَقَاتُ القَلْبِ بِمَا فِيهَا مِنْ نِيَّةٍ مَرْصُودَةٍ، قَدْ نَنْسَى نَحْنُ مَا فَعَلْنَا، وَلَكِنَّ اللهَ لَا يَنْسَى، قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} المجادلة: (6). فهَذَا الإِحْصَاءُ لَيْسَ لِلتَّعْجِيزِ، بَلْ هُوَ لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ؛ فَلَا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ بَذَلْتَهُ، أَوْ جُهْدٍ قَدَّمْتَهُ، أَوْ صَبْرٍ تَجَرَّعْتَهُ، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (64) مريم.
(إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ): فذُنُوبنَا التِي نَسِينَاهَا مَكْتُوبَةٌ، وَطَاعَاتِنَا التِي اسْتَقْلَلْنَاهَا مَحْفُوظَةٌ، فهُنَاكَ مَلَكَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، فوَيْحَكَ أَيُّهَا المَغْرُورُ بِسِتْرِ اللهِ!، أَتَظُنُّ أَنَّ الأَيَّامَ تَمْضِي وَتَمْحُو مَا فَعَلْتَ فِي الخَلَوَاتِ؟، أَمْ تَظُنُّ أَنَّ كَلِمَاتِ الغِيبَةِ، وَأَمْوَالَ الحَرَامِ تَذْهَبُ مَعَ الرِّيحِ؟، كَلَّا، بَلْ هِيَ مَحْصِيَّةٌ فِي كِتَابٍ لَا يَضِيعُ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، قال تعالى: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة:6]. فَأَعِدَّ لِهَذَا الإِحْصَاءِ جَوَابًا، وَاجْعَلْ صَحِيفَتَكَ تَبْيَضُّ بِالاسْتِغْفَارِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّتِيجَةَ الحَتْمِيَّةَ لِهَذَا الإِحْصَاءِ هِيَ: {ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا}، وَالتَّوْفِيَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ حَيْثُ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، وَمَنْ عَمِلَ سُوءًا فَلَهُ الخِزْيُ وَالعَذَابُ، قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (10): (14) الانفطار
{ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا}: والتَّوْفِيَةُ هُنَا تَكُونُ فِي القَبْرِ، وَفِي المَحْشَرِ، وَعِنْدَ المِيزَانِ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ، فهُنَاكَ يَرَى الإِنْسَانُ عَمَلَهُ “مُجَسَّماً”؛ فَمَنْ كَانَ يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ، رَأَى رَحْمَةَ اللهِ تَحُفُّهُ، وَمَنْ كَانَ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، رَأَى شُؤْمَ عَمَلِهِ يُطَارِدُهُ.
وَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ: مِمَّنْ يَرْجُو الحَصَادَ وَلَمْ يَزْرَعْ، أَوْ يَرْجُو الجَنَّةَ وَهُوَ يَمْشِي فِي طُرُقِ السَّعِيرِ!، فإِنَّ رَبَّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَإِذَا وَجَدْتَ خَيْرًا فِي قَبْرِكَ، وَخَيْرًا عِنْدَ مِيزَانِكَ، وَخَيْرًا عِنْدَ الصِّرَاطِ؛ {فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ}، فَمَا وَصَلْتَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَهَدَايَتِهِ.
ومَنْ بَلَغَهُ هَذَا الحَدِيثُ: فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، فَلَا مَجَالَ لِلأَعْذَارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا مَكَانَ لِلَّوْمِ إِلَّا لِلنَّفْسِ الـمُقَصِّرَةِ، قال تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) (56) الزمر، وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) آل عمران:30.
{وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ}: لِأَنَّ اللهَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الكُتُبَ، وَأَعْطَاكَ العَقْلَ، وَمَدَّ لَكَ فِي العُمُرِ، وَحَذَّرَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا اخْتَرْتَ طَرِيقَ الغَوَايَةِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، فَأَنْتَ الخَصِيمُ لِنَفْسِكَ، فانْظُرُوا إِلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ، كَيْفَ نَبَّهَنَا قَبْلَ وُقُوعِ الوَاقِعَةِ!، قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (60)، (61) يس، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) (36)، (37) فاطر، فَلْنُبَادِرْ بِتَصْحِيحِ الـمَسَارِ، وَلْنُنَقِّ مَلَفَّاتِ أَعْمَالِنَا، قَبْلَ أَنْ تُخْتَمَ بِالمَوْتِ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
يقول اللهُ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» [رواه البخاري]. فَالأَيَّامُ تَمُرُّ سِرَاعًا، وَكُلُّ يَوْمٍ يَنْقَضِي هُوَ جُزْءٌ مِنْ عُمُرِكَ الـمَحْصِيِّ، والعِبْرَة لَيْسَتْ بِطُولِ الأَعْمَارِ، بَلْ بِحُسْنِ الأَعْمَالِ وحسن الخاتمة، فحِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، لَنْ تُسْأَلَ عَنْ نَسَبِكَ، بَلْ سَيُقَالُ لَكَ: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14]. فَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِتِلْكَ القِرَاءَةِ؟، هَلْ سَيَسُرُّكَ مَا تَرَى؟، أَمْ سَيَكُونُ النَّدَمُ هُوَ رَفِيقَكَ؟، قال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) آل عمران:30.
فالنَّجَاةُ فِي تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ، ولَا تَحْتَقِرَنَّ مِنَ الـمَعْرُوفِ شَيْئًا؛ فَلَعَلَّ كَلِمَةً طَيِّبَةً أَوْ صَدَقَةً خَفِيَّةً تَكُونُ هِيَ كِفَّةَ الرَّجَحَانِ فِي مِيزَانِكَ، وَلَا تَسْتَهِينَنَّ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَعَلَّهَا تَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِكَ، واجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ دَائِمًا: “إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالِي”. فاللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا ، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فَلاَ تَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَكَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وأما قوله: «فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ»: فلِمَاذَا نَحْمَدُ اللهَ وَالعَمَلُ عَمَلُنَا؟، نقول: نَحْمَدُهُ لِأَنَّهُ هُوَ سبحانه الَّذِي وَفَّقَنَا لِلطَّاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَعَانَنَا عَلَى ذِكْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي سَتَرَ عُيُوبَنَا، وَتَقَبَّلَ قَلِيلَنَا، فَالفَضْلُ أَوَّلاً وَآخِراً لِلهِ تعالى
أَمَّا القِسْمُ الآخَرُ -أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ منه- فهو: «وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». فيَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ تَقْطَعُ نِيَاطَ القَلْبِ!، فَلَا يَلُومَنَّ شَيْطَاناً أَغْوَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ سَيَقُولُ لك كما أخبر ربنا: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (22) إبراهيم. وَلَا يَلُومَنَّ صَدِيقَ سُوءٍ؛ لِأَنَّ الصَّدِيقَ سَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ، قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (67) الزخرف
فاللَّوْمُ كُلُّ اللَّوْمِ يَقَعُ عَلَى “النَّفْسِ” الَّتِي عَرَفَتِ الحَقَّ ثُمَّ نَكَبَتْ عَنْهُ، وَأَبْصَرَتِ النُّورَ ثُمَّ اخْتَارَتِ الظُّلْمَةَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ القُدْسِيَّ هُوَ دَعْوَةٌ لِـ “المُحَاسَبَةِ” قَبْلَ المُنَاقَشَةِ، فالعَاقِلُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، لِيَجِدَ الخَيْرَ فِي الآخِرَةِ، فانْظُرُوا فِي صَحَائِفِ أَعْمَالِكُمْ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ مَاذَا أَحْصَى اللهُ عَلَيْكُمْ اليَوْمَ؟، هَلْ فِيهَا صَلَاةٌ خَاشِعَةٌ؟، هَلْ فِيهَا جَبْرٌ لِخَاطِرِ مَكْسُورٍ؟، أَمْ فِيهَا لَغْوٌ وَعِصْيَانٌ؟
واعْلَمُوا أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، مَا دَامَ فِي العُمْرِ بَقِيَّةٌ، فمَنْ كَانَ فِي كِتَابِهِ “غَيْرُ ذَلِكَ” (أَيْ سُوءٌ)، فَلْيَمْحُهُ الآنَ بِـ “الِاسْتِغْفَارِ” وَبِـ “إِتْبَاعِ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا”، ولَا تَنْتَظِرْ حَتَّى تَقِفَ فِي المَوْقِفِ وَتَقُولَ: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الفجر:24.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْمَلُوا لِيَوْمِ العَرْضِ الأَكْبَرِ، واجْعَلُوا هَذِهِ الكَلِمَاتِ نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ: {إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ}، فَاللهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَتِنَا، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُنَا، وَلَكِنَّهُ يُحْصِيهَا “لَنَا” لَا “عَلَيْنَا” لِيُوَفِّيَنَا مَقَاعِدَ الصِّدْقِ عِنْدَهُ. فاللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ. اللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَنَا بِالحَسَنَاتِ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا فِيهَا مِنْ سَيِّئَاتٍ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجِدُونَ خَيْراً فَيَحْمَدُونَكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَلُومُونَ أَنْفُسَهُمْ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ.
الدعاء
