خطبة عن (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)
يناير 8, 2026خطبة عن (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)
يناير 10, 2026الخطبة الأولى ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته :
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (56) الاعراف
وقال الله تعالى : (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (85) الاعراف
إخوة الإسلام
القرآن الكريم: أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزغ عنها إلا هالك
ولقد دعا الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن ، فقال الله تعالى :
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]،
وفي نفس الوقت ،فقد أنكر الله على من أعرض عن تدبر القرآن ، فقال الله تعالى :
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]،
واليوم إن شاء الله موعدنا مع آيات من كتاب الله ، نتدبرها ، ونسبح في بحار معانيها ، ونرتشف من رحيقها المختوم ، مع قوله تعالى :
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (56) ، (85) الاعراف
وقد جاء في تفسير الطبري : أي : لا تعملوا في أرض الله بمعاصيه ، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله ، والإشراك به
وَقَالَ عَطِيَّةُ: لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ الْمَطَرَ وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ بِمَعَاصِيكُمْ.
فَعَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: بَعْدَ إِصْلاحِها، أَيْ: بَعْدَ إِصْلَاحِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِالْمَطَرِ وَالْخِصْبِ
ولكن الفساد : كلمة جامعة لكل تخريب معنوي ،أو مادي ،أو تضييع للأمانة بأي صورة ، أو شكل، فالأصل في الأرض الصلاح والإصلاح، وإنما أتى الفساد من جور الإنسان،
والمتأمل في الآية الكريمة ، قد يتساءل : لم قال الله تعالى : (بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) ؟،
ولم يقل سبحانه : ( بعد صلاحها ) ؟؟
يقول ابن عاشور في تفسيره اجابة على هذا التساؤل :
البعدية في قوله: (بَعْدَ إِصْلاحِهَا) بعدية حقيقية، لأن الأرض خلقت من أول أمرها على صلاح ، قال الله تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) [فصلت: 10]
فالأرض على نظام صالح بما تحتوي عليه، وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها الله على الأرض، وخلق له ما في الأرض، وعزز ذلك النظام بقوانين وضعها الله على ألسنة المرسلين ،والصالحين ،والحكماء من عباده، الذين أيدهم بالوحي والخطاب الإلهي، أو بالإلهام والتوفيق والحكمة، فعلم الناس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع ،بنفع النافع ،وإزالة ما في النافع من الضر ،وتجنب ضر الضار، فذلك النظام الأصلي، والقانون المعزز له، كلاهما إصلاح في الأرض، لأن الأول إيجاد الشيء صالحا، والثاني جعل الضار صالحا ، بالتهذيب أو بالإزالة،
فإذا غير ذلك النظام فأفسد الصالح، واستعمل الضار على ضره، أو استبقي مع إمكان إزالته، كان إفسادا بعد إصلاح، كما أشار إليه قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73].
أيها المسلمون
وقد ذكر المفسرون في تفسير الآية أقوالا متعددة ،كلها صحيحة ،وداخلة في المعنى العام، فقالوا: “ولا تفسدوا فيها بدعاء غير الله تعالى ،بعد لإصلاحها بتوحيده”، ولا شك أن الشرك في الدعاء والعبادة أيضا فساد عظيم، قال الله تعالى :
(يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان/13]
وقالوا :”ولا تفسدوا فيها بالكفر ،بعد إصلاحها بالإيمان”، ولا فساد أعظم من جحود الخالق جل جلاله وتكذيبه والخروج عن شريعته، بل ذلك أصل الفساد وعموده وذروة سنامه.
وقالوا :”ولا تفسدوا فيها بالمعصية ،بعد إصلاحها بالطاعة”، والمعاصي ومخالفات العباد فساد معنوي مسبب لفساد آخر حسي، وهو فساد العقوبات الربانية كما قال الله تعالى :
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم/41]
وقالوا: “ولا تفسدوا فيها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل”، أي : بظلم الناس ،والتعدي
على حقوقهم. وقالوا :”ولا تفسدوا فيها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه”،
وقالوا : هذا الإفساد شامل لإفساد العقول ،والعقائد ،والآداب الشخصية ،والاجتماعية والمعايش ،والمرافق : من صناعة ،وزراعة، وتجارة ،ووسائل تعاون بين الناس.
وقال الضحاك : معناه لا تغوروا الماء المعين ،ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا،
وقال الألوسي :”نهى عن سائر أنواع الافساد : كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان بعد إصلاحها أي اصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق
وقالوا : إذا كانت الآية عامة لأنواع الفساد ،شاملة لكل ما قيل فيها ،وما لم يقل ، فإن إفساد العقائد هو أعظم فساد في الأرض ، لأن التوحيد هو الحقيقة التي أرادها الله من العباد ، ومن أجلها خلقهم ،وهو علة بعثة الرسل وإنزال الكتب ،وهو حق الله تعالى على جميع العباد، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله ،وإقامة معبود غيره ،ومطاع متبع غير رسول الله، هو أعظم الفساد في الأرض ،ولا صلاح لها ،ولا لأهلها ،إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره ،والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ،فإذا أمر بمعصيته ،وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه ،وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله.
ومن تدبير أحوال العالم ،وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته ،وطاعة رسوله ،وكل شر في العالم ،وفتنة ،وبلاء ،وقحط ،وتسليط عدو ،وغير ذلك ،فسببه مخالفة رسوله ،والدعوة إلى غير الله ورسوله.
أيها المسلمون
ومن المعلوم ، بل والمشاهد ، أن هذه الأرض التي نحيا عليها ، قد أصلحها الله تعالى أتم الإصلاح برحمته ونعمته، وفضله على خلقه، حين أراد بهم رشداً، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه متضمنة من البينات والهدى ،ما تكفل لهم به سبحانه من أسباب السعادة في العاجلة والآجلة، وعداً منه حقاً، لا يتخلف ولا يتبدل؛
كما وهبنا الله جلّ جلاله أرضاً نقيّة، نظيفة البيئة، هواؤها عليل ،ونظيف ، وتربتها خصبة ، ومعادنها متوفرة ، ومياهها نقية ، وخيراتها وفيرة ،
كما خلق الله سبحانه وتعالى هذه الأرض ، وتلك البيئة بمكوناتها الحياتية والمعيشية، والنباتية والحيوانية، والجمادية والحيوية، وجعل التوازن في البيئة ، كما في قوله تعالى : (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) (38) الاحزاب
فصلحت بذلك هذه الأرض صلاحاً هو غاية الصلاح وأكمله ،وأنفعه وأبقاه، بل لا صلاح في الحقيقة إلا هذا الصلاح التام الشامل
ولما خلق الله تعالى الإنسان ،وأسكنه الأرض ،أمره بالصلاح ،والسعي في الإصلاح، ونهاه عن الفساد والإفساد، وأخبره أنه يحب الصلاح وأهله ولا يضيع أجرهم فقال الله تعالى :
(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف/170]
وأخبره أيضا أنه لا يحب الفساد وأهله فقال الله تعالى : (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة/205]
وقال الله تعالى : (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص/77]
وقد طالب الله سبحانه وتعالى الإنسان بكل شيء يهدي إليه دين الفطرة، وحرم الإساءة في كل شيء ،وجعل جزاءها من جنسها كما قال الله تعالى :
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (31) النجم
وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين ،وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ،والذي كان رحمة للعالمين.
ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (56) ، (85) الاعراف
ولكنّ للأسف ، فالإنسان خالف أمر ربه ، بل وخالف الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها ،فأشرك بالله ، وخالف رسله ،ولوّث هذه الأرض بشكل غريب، وخاصة في العصر الحديث، هذا العصر الذي شهد من تلوث البيئة ، ما لم تشهده الأرض في تاريخها قط،
فالمصانع في أنحاء الدنيا تنفث سمومها كالثعابين، والسيارات تُطلق أبخرتها التي تكتم الأنفاس، وأجهزة التكييف تهدر ليل نهار، واستنزاف الموارد الطبيعية على أشده، والجور على الأرض جاوز الحدود، وتعدّى أشد أنواع العقوق، ولم يسلم من ذلك الجور والعقوق حتى الأنهار والبحار ،والأسماك في الأعماق، والأشجار في الغابات، والطيور البريئة التي تُسهم في تنقية البيئة ،وحفظ التوازن،
فالأرض التي منها خُلقنا ،وفيها عشنا ،وإليها نعود ،ومنها نُبعث بقدرة الحيّ القيوم، جُرْنا عليها نحن البشر أشد الجور، ولطّخنا أديمها النقي بأنواع التلويث، ومسخنا وجهها
الجميل بأبشع أدوات التقبيح، فلا عجب أن كان الإفساد في الأرض بعد إصلاحها من أعظم الإفساد وأقبحه، وأشده إيغالاً في الشر وإمعاناً في النكر.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيء” رواه مسلم
فمما لا يُشك فيه أن جرم من كان فساده متعديا إلى غيره ،أعظم ممن كان فساده على نفسه، وأن جرم من حارب دعوة الرسل ،واضطهد أتباع الرسل وسعى في الإفساد في الأرض ، أعظم من إفساد من لم يفعل ذلك.
وللإفساد في الأرض صور كثيرة ،وألوان عديدة ،لا تكاد تقع تحت الحصر، وإن كان أعظم هذا الإفساد الشرك بالله عز وجل ، ولكن هناك ألوان أخرى للإفساد في الأرض ومنها :
فمن ألوان الفساد في الأرض ،وصوره أيضاً : التردي في ردهة الخطايا، والتلوث بأرجاسها في مختلف ألوانها، ومن أعظمها تلك الكبائر والموبقات والمهلكات التي توعد الله من اقترف منها شيئاً بأليم عقابه، وعظيم نكاله، وبينها رسول الله في الصحيح الثابت من سننه، ومنها السحر، وقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والزنا، ومعاقرة الخمر، وتعاطي المخدرات، والسرقة، وقطيعة الرحم، وغير ذلك من الموبقات التي يوبق بها المرء نفسه ، فتنتقص من إيمانه ، ويغدو باقترافها مطية طيعة للشيطان يسوقها إلى حيث شاء من سبل الشرور ومسالك الغواية ويطمس بصره عن البينات، ويعمي بصيرته عن الهدى، ويزين له عمله، ويمد له في غيه، ويحسّن له عوجه، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن، فيحسب أن ما هو عليه من الإفساد في الأرض هو الصلاح حقاً بلا ريب، شأن أهل النفاق الذين أخبر سبحانه عن حالهم بقوله تعالى :
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [البقرة:11-12].
ومن صور الفساد في الأرض : ما يفعله الظلمة اليوم في الأرض ،من عدوان سافرٍ، وبغي مخضع ،تبدى جلياً في هذا القتل والهدم ،والتشريد والحصار الذي لم يستثن شيخاً كبيراً، ولا شاباً نضيراً، ولا طفلاً صغيراً، فهي حلقة من حلقات الإفساد في الأرض .وإذا كان الفساد في الأرض إنما يقع فيها بما كسبت أيدي الناس، كما قال الله سبحانه :
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ) [الروم:41]. ، فإن مما لا يرتاب فيه أولو الألباب أن علاج ذلك ورفعه إنما يكون أيضاً بما تكسبه أيدي الناس ؛ لأنه سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يتم ذلك إلا إذا تاب الخلق إلى ربهم ، والتمسوا رضوانه فعبدوه حق العبادة، قال الله تعالى :
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) [الأعراف:56].
أيها المسلمون
وصلاح الأرض ،وإصلاح الأرض ،ليس بالمشاريع الضخمة ،وبناء العمارات الفارهة ، والشوارع الواسعة ، فليس هذا هو الإصلاح المقصود، وإنما إصلاحها بطاعة الله عز وجل ،وإلا فإصلاحها بالتعمير لم ينفع إرم ذات العماد (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) الفجر 8، ، فقد أهلكها الله سبحانه وتعالى ، ولم ينفع ثمود (الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي) الفجر 9، فكانوا ينحتون الجبال بيوتا منقوشةً ،فأهلكهم الله سبحانه، وبقية ديارهم عبرة للمعتبرين ، قال الله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) النمل 52،
ولم ينفع الفراعنة ما شيدوه في مصر ، قال تعالى :(وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ) الفجر 10 ،
إنما تعمر الأرض بطاعة الله سبحانه وتعالى ،وإتباع أوامره ،والسير على منهاج رُسُله عليهم الصلاة والسلام ، بهذا تعمر الأرض ، ففي مسند أحمد : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً »
فالحد الواحد إذا أقيم في الأرض ،هو الذي يعمر الأرض ،ويصلح الأرض ،
نعم ، لا مانع من بناء المساكن ،ولا مانع من شق الشوارع لمصالح العباد، ولكن لا يقال هذا هو الإصلاح ،مع تعطيل الإصلاح الديني ، فلابد من الأمرين معا ، ولا يغني الإصلاح الدنيوي عن الإصلاح الديني أبداً ،بل هو مطغ لأهله ،كما حصل للأمم السابقة،
إنما تعمر الأرض بإقامة هذا الدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعمر الأرض بطاعة الله سبحانه وتعالى ،وبإقامة الحدود التي أمر الله بإقامتها ، قال الله تعالى :
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 179،
بهذا تعمر الأرض ، وبهذا تستقيم أحوال العباد،
الدعاء
