خطبة حول الحديث ( لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ.. فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَلَعَنَهُمْ)
مارس 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قُلُوبٌ فِي رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]. وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رواه البخاري ومسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْمَقْصُودَ الأَسْمَى مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ: هُوَ إِصْلَاحُ هَذِهِ المِضْغَةِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، فَالصِّيَامُ لَيْسَ جُوعَ بَدَنٍ، بَلْ هُوَ حَيَاةُ قَلْبٍ، فالله لَا يَنْظُرُ إِلَى جَمَالِ مَوَائِدِكُمْ، وَلَا إِلَى كَثْرَةِ طَعَامِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ فِي قُلُوبِكُمْ، مِنَ التَّقْوَى وَالإِخْلَاصِ، فَالقَلْبُ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ الرَّبِّ، وَفِي رَمَضَانَ تَتَهَيَّأُ الأَسْبَابُ، لِيَعُودَ هَذَا القَلْبُ إِلَى مَوْلَاهُ، بَعْدَ أَنْ أَرْهَقَتْهُ الذُّنُوبُ، وَكَدَّرَتْهُ الغَفْلَةُ طِوَالَ العَامِ.
والقُلُوب فِي رَمَضَانَ تَنْقَسِمُ إِلَى أَحْوَالٍ، فَمِنْهَا: “قَلْبٌ مُقْبِلٌ”، اسْتَشْعَرَ عَظَمَةَ الشَّهْرِ، فَتَرَقَّقَ مَعَ الآيَاتِ، وَخَشَعَ فِي السَّجَدَاتِ، وَهَذَا هُوَ القَلْبُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد:16].
وَمِنْهَا: “قَلْبٌ سَاهٍ”، يَصُومُ بَدَنُهُ، وَيَمْرَحُ قَلْبُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا وَمَلَهِيَّاتِهَا، فَلَا يَجِدُ لِلصِّيَامِ طَعْماً، وَلَا لِلْقِيَامِ لَذَّةً، فَلْنَحْذَرْ أَنْ تَكُونَ قُلُوبُنَا مَحْجُوبَةً عَنِ الرَّحْمَاتِ فِي شَهْرِ البَرَكَاتِ، فرَمَضَان فُرْصَةٌ لِجَلَاءِ “الرَّانِ” عَنِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14]. وَهَذَا الرَّانُ هُوَ صَدَأُ الذُّنُوبِ، وَلَا يَجْلُوهُ إِلَّا كَثْرَةُ الذِّكْرِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ، فحِينَ تَجُوعُ المَعِدَةُ، تَنْكَسِرُ النَّفْسُ، وَيَرْقُ القَلْبُ، فَيُصْبِحُ أَكْثَرَ اسْتِعْدَاداً لِتَلَقِّي نُورِ الوَحْيِ، فَاجْعَلُوا لقُلُوبِكُمْ نَصِيبَا مِنَ التَّدَبُّرِ، أَكْبَرَ مِنْ نَصِيبِ آذَانِكُمْ مِنَ السَّمَاعِ، لِتَخْرُجُوا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ بِقُلُوبٍ جَدِيدَةٍ.
ومِنْ أَعْظَمِ عِبَادَاتِ القَلْبِ فِي رَمَضَانَ: “السَّكِينَةُ وَالرِّضَا”، وذلك أَنْ يَصُومَ القَلْبُ عَنِ السُّخْطِ، وَيَمْتَلِئَ بِالرضا والثِّقَةِ فِي اللهِ، وَأَنْ يَطْهُرَ القَلْبُ مِنَ الشَّحْنَاءِ؛ فَإِنَّ الأَعْمَالَ تُرْفَعُ إِلَى اللهِ، إِلَّا المُتَشَاحِنِينَ تُؤَخَّرُ أَعْمَالُهُمْ، فَيَا بَاغِيَ الجَنَّةِ، طَهِّرْ قَلْبَكَ، لِيُقْبَلَ صَوْمُكَ، ففي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (رواه ابن ماجه).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2]. وَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ…» وَذَكَرَ مِنْهَا: «أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» (رواه البخاري ومسلم).
فلنُحَافِظُ عَلَى يَقَظَةِ قُلُوبِنَا في رمضان، وبَعْدَ رَمَضَانَ، فإِنَّ الشَّأْنَ لَيْسَ فِي أَنْ يَخْشَعَ القَلْبُ لِأَيَّامٍ، بَلْ أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى طَاعَةِ عَلَّامِ الغُيُوبِ، وَنَحْنُ نَعِيشُ فِتَنَ الدُّنْيَا وَمُغْرِيَاتِهَا، نَحْتَاجُ إِلَى صِيَامِ القُلُوبِ عَنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ، وذلك بصِيَامِ القَلْبِ عَنِ الكِبْرِ، وَعَنِ الرِّيَاءِ، وَعَنْ حُبِّ الظُّهُورِ، وغيرها من أمراض وداءات القلوب.
واجْعَلُوا دُعَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم على ألسنتكم: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (رواه الترمذي). فَالقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ القَلْبَ المَوْصُولَ بِاللهِ فِي رَمَضَانَ، هُوَ القَلْبُ الَّذِي سَيَجِدُ النُّورَ فِي ظُلُمَاتِ الحَيَاةِ، وَالأَمْنَ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ.
ولَقَدْ مَضَى مِنْ شَهْرِكُمْ مَا مَضَى، وَالمُعَوَّلُ عَلَى الخَوَاتِيمِ، فَمَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً، فَلْيَمْسَحْ رَأْسَ يَتِيمٍ، وَلْيُطْعِمْ مِسْكِيناً، وَلْيُكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ،
فاللَّهُمَّ يَا فَاتِحَ الأَبْوَابِ، وَمُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ، اجْعَلْ قُلُوبَنَا فِي رَمَضَانَ خَاشِعَةً، وَلِعَظَمَتِكَ خَاضِعَةً، وَمِنْ خَشْيَتِكَ دَامِعَةً. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (قُلُوبٌ فِي رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ومازال حديثنا موصولا عن: (قُلُوبٌ فِي رَمَضَانَ)، فرَمَضَان هُوَ مَوْسِمُ “صِيَانَةِ القُلُوبِ”، فحِينَ فَرَضَ اللهُ عَلَيْنَا الصِّيَامَ، أَرَادَ سبحانه بذلك تَهْذِيبَ القُلُوبِ، ويَقُولُ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
فلتكن قلوبكم مقبلة في رمضان، تطلب العتق من النار، فالقَلْبُ “المُعْتَقُ”: هو ذلك القلبُ الذي لَمْ يَرْضَ بِأَنْ يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ إِلَّا وَقَدْ نَالَ صَكَّ العِتْقِ مِنَ النَّارِ.
واحذروا أن تكون القلوب محجوبة، فالقَلْبُ “المَحْجُوبُ”: هُوَ قَلْبٌ يَصُومُ بَدَنُهُ، ولَكِنَّه مَحْجُوبٌ عَنِ اللهِ بِالغِلِّ، أَوْ بِالحِقْدِ، أَوْ بِالِانْشِغَالِ بِالدُّنْيَا وَالفُضُولِ.
واعلموا أَنَّ الذُّنُوبَ تَنْكُتُ فِي القَلْبِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، وَأَنَّ رَمَضَانَ هُوَ “المُطَهِّرُ” لِهَذِهِ النُّكَتِ، ففي صحيح مسلم: (قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»،
فالقَلْب الصَّادِق فِي رَمَضَانَ يَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ فِي سَجْدَةٍ، وَيَجِدُ الغِنَى فِي دَمْعَةٍ، والله تعالى لَا يَنْظُرُ إِلَى طُولِ قِيَامِكَ إِذَا كَانَ القَلْبُ غَافِلًا لَاهِيًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وكَيْفَ نُدَاوِي قُلُوبَنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ لِتَكُونَ “قُلُوبًا رَمَضَانِيَّةً”؟، أَوَّلًا: بِتَدَبُّرِ القُرْآنِ: فالقُرْآنُ هُوَ رَبِيعُ القَلْبِ، فَلَا تَكُنْ هِمَّتُكَ آخِرَ السُّورَةِ، بَلْ هِمَّتُكَ مَتَى يَتَحَرَّكُ قَلْبِي بِمَا أَقْرَأُ؟،
ثَانِيًا: بِخَلْوَةِ الذِّكْرِ: فاجْعَلْ لِقَلْبِكَ سَاعَةً تَنْفَرِدُ فِيهَا بِرَبِّكَ، تُذِيبُ فِيهَا قَسْوَةَ القَلْبِ بِقَوْلِ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”، وَبِالِاسْتِغْفَارِ.
ثَالِثًا: بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ: لَا تَدْخُلْ رَمَضَانَ وَفِي قَلْبِكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ أَوْ شَحْنَاءَ عَلَى مُسْلِمٍ، فَالقَلْبُ المَشْحُونُ بِأَذَى الخَلْقِ مَحْرُومٌ مِنْ نَفَحَاتِ الخَالِقِ.
عِبَادَ اللهِ.. رَمَضَانُ يَمْضِي سَرِيعاً، وَالقُلُوبُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ. فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ قُلُوبَكُمْ خَاشِعَةً، وَأَعْيُنَكُمْ دَامِعَةً، وَأَرْوَاحَكُمْ طَامِعَةً فِي مَغْفِرَتِهِ.
فاللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مَخبِتَةً مُنِيبَةً. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ سُقْيَا لِقُلُوبِنَا الظَّامِئَةِ إِلَى رَحْمَتِكَ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المستضعفين في كل مكان، وَتَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ العُتَقَاءِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
