خطبة عن (مَا هِيَ مَحْبُوبَاتُ اللهِ؟)
مارس 31, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قُوَّةُ الإِرَادَةِ وَالتَّصْمِيم)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]. وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:43]، (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
إِنَّ الْإِرَادَةَ الصَّلْبَةَ، وَالتَّصْمِيمَ الرَّاسِخَ، لهُمَا عِمَادُ كُلِّ نَجَاحٍ، وَسِرُّ كُلِّ فَلَاحٍ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ بِهِمَمِهِمْ، وَعَزَائِمِهِمْ، فَالْإِرَادَةُ: هِيَ تِلْكَ الْقُوَّةُ الْخَفِيَّةُ، الَّتِي تَدْفَعُ الْمَرْءَ لِتَجَاوُزِ الْعَقَبَاتِ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ فِي وُجُوهِ الصِّعَابِ، والإِرَادَةُ هِيَ مِيزَانُ الرِّجَالِ؛ فَالمَرْءُ حَيْثُ يَضَعُ نَفْسَهُ، وَهِمَّتُهُ حَيْثُ تُحَلِّقُ رُوحُهُ، وَمَا نَجَحَ مَنْ نَجَحَ إِلَّا بِصِدْقِ العَزِيمَةِ، وَمَا سَقَطَ مَنْ سَقَطَ إِلَّا بِخَوَرِ الإِرَادَةِ وَالاسْتِسْلَامِ لِلْعَجْزِ.
وَمَا أُرْسِلَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ إِلَّا لِيَزْرَعُوا فِي النُّفُوسِ هَذِهِ الْعَزِيمَةَ، الَّتِي لَا تَلِينُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالإِصْلَاحِ في الْأَرْضِ، ولَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ صَفْوَةَ خَلْقِهِ بِأُولِي الْعَزْمِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا إِرَادَةً، غَلَبُوا بِهَا الْأَهْوَاءَ وَالتَّحَدِّيَاتِ.
وَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم قُدْوَةً فِي الْإِرَادَة والتَّصْمِيمِ؛ فَلَمَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، وَآذَوْهُ، وَحَاصَرُوهُ، لَمْ تَفْتُرْ لَهُ عَزِيمَةٌ، ولم تلن له عزيمة، بَلْ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ: «وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ». هَذِهِ هِيَ الإِرَادَةُ الَّتِي تَصْنَعُ الأُمَمَ، وَهَذَا هُوَ التَّصْمِيمُ الَّذِي يَهْدِمُ حُصُونَ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ.
والْإِرَادَة لَيْسَتْ تَمَنِّيًا، بَلْ هِيَ “عَمَلٌ وَمُكَابَدَةٌ”، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّاجِحِ وَالْفَاشِلِ، هُوَ أَنَّ النَّاجِحَ يَمْلِكُ تَصْمِيمًا يَجْعَلُهُ يَنْهَضُ بَعْدَ كُلِّ سُقُوطٍ، بَيْنَمَا الْفَاشِلُ، يَرْكَنُ إِلَى الْأَعْذَارِ،
وَقَدْ عَلَّمَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْجَنَّةِ يحتاج إلى الْإِرَادَة والتَّصْمِيمِ، فهو طريق مَحْفُوفٌ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَى جَلَدٍ وَتَصْمِيمٍ، قَالَ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142]. وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، فَالْإِرَادَةُ هِيَ مَحَكُّ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ الصَّادِقَ مِنَ الْمُدَّعِي.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ أَوَّلَ مَيَادِينِ قُوَّةِ الْإِرَادَةِ هُوَ: “مَيْدَانُ النَّفْسِ”، فَالْمَرْءُ قَدْ يَنْتَصِرُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي الْمَعَارِكِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْزَمُ أَمَامَ شَهْوَةٍ عَابِرَةٍ، أَوْ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، فقُوَّةُ التَّصْمِيمِ تَتَجَلَّى فِي قُدْرَتِكَ عَلَى قَوْلِ “لَا” لِنَفْسِكَ، حِينَ تَدْعُوكَ لِمَا يُغْضِبُ اللَّهَ، وتَأَمَّلُوا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، وَتَهَيَّأَتِ الْأَسْبَابُ لِلْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ بِإِرَادَةٍ كَالْجِبَالِ: {مَعَاذَ اللَّهِ}، فإِنَّ هَذِهِ الْعَزِيمَةَ، هِيَ الَّتِي حَفِظَتْ طُهْرَهُ، وَرَفَعَتْ ذِكْرَهُ،
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ تَصْمِيمٍ يَحْجِزُنَا عَنِ الْحَرَامِ، فِي زَمَن وكثرت فيه الْمُغْرِيَاتِ؟، فقُوَّة الإِرَادَةِ تَتَجَلَّى فِي مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى، وَفِي الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ، فكَمْ مِمَّنْ يَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ، ثُمَّ تَنْقُضُ إِرَادَتُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ؟، وَكَمْ مِمَّنْ يَنْوِي حِفْظَ كِتَابِ اللهِ، ثُمَّ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَوَّلِ صُعُوبَةٍ؟، فإِنَّ التَّصْمِيمَ هُوَ أَنْ تَقُولَ لِنَفْسِكَ: {لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ}. إِنَّهُ الصَّبْرُ عَلَى لَأْوَاءِ الطَّرِيقِ،
وانْظُرُوا إِلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، كَيْفَ صَمَّمُوا عَلَى نَشْرِ هَذَا الدِّينِ، فَبَلَغُوا بِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا؟، فلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ طَائِرَاتٌ، وَلَا تِكْنُولُوجْيَا، وَلَكِنْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ إِرَادَةٌ، تَنُوءُ بِهَا الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ. وقُوَّة الْإِرَادَةِ صَنَعَتْ فِي الصحابة الْعَجَائِبَ، فهَذَا رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «سَلْني»، لَمْ يَسْأَلْ مَالًا وَلَا جَاهاً، بَلْ قَالَ بِتَصْمِيمٍ عَالٍ: “أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ”. فَقَالَ لَهُ ﷺ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قَالَ: “هُوَ ذَاكَ”. فَقَالَ ﷺ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» [رواه مسلم]. إِنَّهُ عُلُوُّ الْهِمَّةِ الَّذِي يَنْبَعُ مِنْ قَلْبٍ عَرَفَ كَيْفَ يُصَمِّمُ عَلَى الْغَايَاتِ الْعُظْمَى.
وقُوَّة الْإِرَادَةِ والتَصْمِيم لَا تَعْنِي الِاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ إِرَادَةٌ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ قُوَّةِ اللَّهِ تعالى وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، فَالْمُصَمِّمُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يَقْرِنُ عَزِيمَتَهُ بِالتَّوَكُّلِ، فَمَنْ حَاوَلَ التَّغَيُّرَ بِقُوَّتِهِ الْمُجَرَّدَةِ، وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَخُذِلَ، وَمَنْ أَرَادَ الْإِصْلَاحَ وَهُوَ يَقُولُ “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ” فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فالتَّصْمِيمَ مَعَ التَّوَكُّلِ هُوَ الْوَصْفَةُ الَّتِي تُحِيلُ الْعَجْزَ إِلَى قُدْرَةٍ، وَالْيَأْسَ إِلَى رَجَاءٍ، (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» [رواه الترمذي ].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وليكن معلوما أن مِنْ أَعْظَمِ مَا يُضْعِفُ الْإِرَادَةَ: “طُولُ الْأَمَلِ” وَ “التَّسْوِيفُ”، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ ذَا إرادة وتَصْمِيمٍ، فَاقْطَعْ عُرُوقَ التَّرَدُّدِ فِي نَفْسِكَ، وإِذَا عَزَمْتَ عَلَى تَوْبَةٍ، فَلْتَكُنِ الْآنَ، وَإِذَا عَزَمْتَ عَلَى حِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ، فَابْدَأِ الْيَوْمَ، وَإِذَا عَزَمْتَ عَلَى بَرِّ وَالِدَيْكَ، فَلَا تَنْتَظِرِ الْغَدَ، فإِنَّ الْعَزِيمَةَ لَا تَقْبَلُ التَّأْجِيلَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» [رواه النسائي]. فَالْعَزِيمَةُ عَلَى الرُّشْدِ هِيَ أَنْ تَكُونَ مُصَمِّمًا عَلَى فِعْلِ الصَّوَابِ، مَهْمَا كَانَتِ التَّضْحِيَاتُ.
وإِيَّاكُمْ وَالْعَجْزَ، فَإِنَّهُ مَقْتَلُ الرِّجَالِ، والْعَجْزُ هُوَ تَرْكُ مَا يَنْفَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِ الْإِرَادَةِ: “تَرْكَ الْعَمَلِ خَوْفاً مِنَ الْإِخْفَاقِ”، فلَا تَخَفْ مِنَ الْفَشَلِ، بَلْ خَفْ مِنْ ضَيَاعِ الْعُمُرِ، وَأَنْتَ وَاقِفٌ فِي مَكَانِكَ لَا تَتَقَدَّمُ، فإِنَّ صَاحِبَ الْإِرَادَةِ الصَّادِقَةِ، يَجْعَلُ مِنْ عَثَرَاتِهِ لَبِنَاتٍ يَبْنِي بِهَا صَرْحَ نَجَاحِهِ، فَجَدِّدُوا عَزَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا نِيَّاتِكُمْ، وَانْطَلِقُوا نَحْوُ مَعَالِي الْأُمُورِ.
فلِنَكُنْ ذَوِي إِرَادَةٍ فِي تَرْكِ الْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ، وَذَوِي تَصْمِيمٍ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الصَّالِحِ، ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ، فإِنَّ الْعَالَمَ لَا يُغَيِّرُهُ الْمُتَمَنُّونَ، بَلْ يُغَيِّرُهُ الْمُصَمِّمُونَ، الَّذِينَ اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ وَلَمْ يَعْجَزُوا، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَارْزُقْنَا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ، وَعَزِيمَةً فِي الرُّشْدِ، وَثَبَاتًا عَلَى الْحَقِّ حَتَّى نَلْقَاكَ، {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (قُوَّةُ الإِرَادَةِ وَالتَّصْمِيمَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19]. وقَالَ الله سُبْحَانَهُ مُثْنِياً عَلَى صَفْوَةِ خَلْقِهِ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} [الأحقاف:35]. فقُوَّةَ الإِرَادَةِ وَالتَّصْمِيم لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَاطِرَةٍ تَمُرُّ بِالقَلْبِ، أَوْ كَلِمَةٍ تُقَالُ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ مَعْدِنُ الرُّوحِ، وَمِحْوَرُ الِارْتِكَازِ فِي شَخْصِيَّةِ المُسْلِمِ. فاللهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الإِنْسَانَ، جَعَلَ لَهُ إِرَادَةً هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ؛ فَإِذَا صَحَّتِ الإِرَادَةُ، أَبْصَرَ العَبْدُ طَرِيقَهُ، وَإِذَا ضَعُفَتِ الإِرَادَةُ، صَارَ الإِنْسَانُ رِيشَةً فِي مَهَبِّ الأَهْوَاءِ.
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَنْ نَبِيِّهِ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه:115]. فَالنِّسْيَانُ وَضَعْفُ العَزِيمَةِ هُمَا سَبَبُ الزَّلَلِ الأَوَّلِ، وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الإِرَادَةَ القَوِيَّةَ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ ضِدَّ الغَوَايَةِ، وَهِيَ الجِسْرُ المَتِينُ نَحْوَ الهِدَايَةِ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَرَاتِبَ الأَبْرَارِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِرَادَةٍ لَا تَلِينُ، وَتَصْمِيمٍ يُنَاطِحُ الجِبَالَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ نَمَاذِجِ التَّصْمِيمِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، حَالُ النبي والصَّحَابَةِ فِي المَوَاقِفِ الحَرِجَةِ، فتَأَمَّلُوا فِي ثَبَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، حِينَ تَرَكَهُ النَّاسُ، فَلَمْ تَنْكَسِرْ إِرَادَتُهُ، بَلْ صَمَّمَ عَلَى المُواُجَهَةِ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» [رواه البخاري ومسلم]. فهَذَا التَّصْمِيمُ لَمْ يَكُنْ تَهَوُّراً، بَلْ كَانَ يَقِيناً بِالحَقِّ. وهَذَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ قُرِّرَ قَطْعُ رِجْلِهِ لِإِصَابَتِهَا بِالآكِلَةِ (الغَرْغَرِينَا)، رَفَضَ أَنْ يَشْرَبَ المُسْكِرَ لِيَغِيبَ عَنِ الوَعْيِ، وَقَالَ بِإِرَادَةٍ فُولَاذِيَّةٍ: “ادْخُلُوا فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي لَا أَتَحَرَّكُ فَتَقَدَّمُوا”، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، فأَيُّ تَصْمِيمٍ هَذَا؟، وَأَيُّ سُلْطَانٍ لِلرُّوحِ عَلَى الجَسَدِ؟.
والتَّصْمِيمَ الحَقِيقِيَّ يَتَجَلَّى فِي الِانْتِصَارِ عَلَى “النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” وَالشَّيْطَانِ المَرْجُومِ، فكَمْ مِنْ مَرَّةٍ عَزَمْتَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ثُمَّ غَلَبَكَ النَّوْمُ؟، كَمْ مِنْ مَرَّةٍ صَمَّمْتَ عَلَى تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ عُدْتَ إِلَيْهَا؟، إِنَّ الخَلَلَ لَيْسَ فِي صُعُوبَةِ الطَّاعَةِ، بَلْ فِي رَخَاوَةِ التَّصْمِيمِ.
وانْظُرُوا إِلَى جَمَالِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ». هُنَا حِرْصٌ يَتْبَعُهُ عَمَلٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: «وَاسْتَعِنْ بِاللهِ»؛ لِأَنَّ الإِرَادَةَ البَشَرِيَّةَ مَهْمَا قَوِيَتْ، فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى مَدَدِ السَّمَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: «وَلَا تَعْجِزْ»؛ لِيَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى اليَأْسِ، فالعَجْزُ هُوَ المَوْتُ البَطِيءُ لِلْإِرَادَةِ، وَالمُؤْمِنُ لَا يَعْرِفُ لِلْعَجْزِ مَعْنىً، طَالمَا أَنَّ لَهُ رَبّاً يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
وتأملوا قول الله تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19]؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الإِرَادَةَ لِلْآخِرَةِ هِيَ المُنْطَلَقَ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِالسَّعْيِ، وَلَيْسَ أَيَّ سَعْيٍ، بَلْ {سَعْيَهَا} المُنَاسِبَ لِعِظَمِهَا، فَمَنْ أَرَادَ الجَنَّةَ، لَا بُدَّ أَنْ يُصَمِّمَ عَلَى تَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، وَالصَّبْرِ عَلَى المَكَارِهِ.
وفي قوله تَعَالَى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46]. فتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ المُرْعِبَةِ؛ فالإِرَادَةُ مَقْرُونَةٌ بِالإِعْدَادِ، فمَنِ ادَّعَى الإِرَادَةَ، وَلَمْ يَعْمَلْ، فَإِرَادَتُهُ كَاذِبَةٌ، فالتَّصْمِيم الحَقِيقِيَّ: هُوَ الَّذِي يُتَرْجَمُ إِلَى سَعْيٍ حَثِيثٍ ،وقُوَّةُ الإِرَادَةِ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ صَاحِبَ قِصَّةِ “قَاتِلِ المِائَةِ نَفْسٍ” يَمْشِي نَحْوَ القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، وَهُوَ فِي نَزَعَاتِ المَوْتِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، نَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَ مَقْصِدِهِ، فلَمْ يَسْتَسْلِمْ حَتَّى فِي لَحْظَاتِ خُرُوجِ الرُّوحِ!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ أُمَّتَنَا اليَوْمَ بِحَاجَةٍ إِلَى جِيلٍ قَوِيِّ الإِرَادَةِ، لَا تَكْسِرُهُ الشَّهَوَاتُ، وَلَا تُضِلُّهُ الشُّبُهَاتُ، جِيلٌ يُصَمِّمُ عَلَى النَّجَاحِ فِي عِلْمِهِ، وَفِي عَمَلِهِ، وَفِي دِينِهِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَالتَّغْيِيرُ يَبْدَأُ بِقَرَارٍ، وَيَسْتَمِرُّ بِتَصْمِيمٍ، وَيَنْتَهِي بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ.
الدعاء
