خطبة عن (أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي)
أبريل 2, 2025الخطبة الأولى (كُنْ لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
الحمد لله رب العالمين. اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (74): (76) الفرقان
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): والمعنى: أجعلنا أئمة يُقتدى بنا في الخيرات، ونُتبع في الهداية والتوفيق، واجعلنا نقتدي ونأتم بأهل الإيمان والصلاح ممن كانوا قبلنا، ويأتم ويقتدي بنا من جاء بعدنا، فيقتدون بنا في أقوالنا الطيبة، وأعمالنا الصالحة، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، ودعاة للحق، ومفاتيح لكل خير؛ ومغاليق لكل شر، وقال مجاهد: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): هذا من المقلوب؛ يعني: (واجعل المتقين لنا إمامًا، واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم)،
وفي قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): فالإمامة في الدين هي أرفع مراتب الصديقين، قال السعدي في تفسيرها: أي: (أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكُمَّل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم)، وقال أيضا: “وسؤال عباد الرحمن ربهم أن يجعلهم للمتقين إماما، يقتضي سؤالهم اللهَ جميع ما تتم به الإمامة في الدين، من علوم ومعارف جليلة، وأعمال صالحة، وأخلاق فاضلة.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يسأل الله تعالى الإمامة في الطاعات، فمن الأدعية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية، ما جاء في سنن الترمذي: (كَانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو يَقُولُ «.. رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا..)، وفي سنن النسائي: (اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)، وفي صحيح ابن حبان، ومسند أحمد: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً لاَ يَرْتَدُّ، وَنَعِيماً لاَ يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ مُحَمَّدٍ فِي أَعَلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ)،
وفي قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): فيه دليل على ترغيب الإسلام في علو الهمة، وبعد النظر في تناول الأمور النافعة، فعباد الرحمن الذين ذكر القرآن الكريم خصالهم الحميدة، طلبوا من الله تعلى المطلب: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): لا مجرد ادعاء وغرور، ولكن طلبوا منزلة القيادة للجموع المؤمنة، قيادة ممتّدة في الدنيا والآخرة، لذلك قال تعالى 🙁أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) الفرقان (75)، فقد صبروا على نيل الامامة من جهة، وعلى أعبائها من جهة ثانية، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة (24)، يقول ابن تيمية: (بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين)
وكما أن هناك إمامة في الدين والعمل الصالح، فهناك أيضا إمامة في الكفر والفساد، فقد قال الله تعالى عن فرعون وقومه: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) القصص: (41)، فهؤلاء قدوة في الشر، وأئمة في الضلال، يحملون أوزار من تبعوهم، قال سبحانه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل:25]. وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شيءٌ) رواه مسلم.
أيها المسلمون
إن حقيقة هذا الدعاء (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، هو قول باللسان، وتضرع إلى الرحمن، وتصديق بالحال والأفعال، فكم من بيت صالح عمّ صلاحه من حوله، فأصبح مشعلا للخير والدعوة، ومثالا وقدوة ونموذجا يحتذى به، وتزدان مجالسه بالآداب الفاضلة ومكارم الأخلاق والكلمة الطيبة، وربما يظن ظان أن هذا الوصف: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} بعيد المنال، وأنه يختص بأناس دون آخرين، وأنه يتطلب العلم الغزير، مع أن بعض الناس قد يبلغ بصدق نيته، وحسن خلقه، من التأثير في الناس ما لا يبلغه من يفوقونه علما وفقها، قال الحسن البصري (رحمه الله): “من استطاع منكم أن يكون إماماً لأهله، إماما لحيه، إماماً لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب”. فليس شرطاً أن تكون إماماً في محراب الصلاة، ولكن يُمكنك أن تكون إماماً في مجالات الحياة المتعددة:
فيمكنك أن تكون إماما يُقتدى بك في مجال إدخال السرور إلى قلوب الناس، بوسائل شتى، ففي المعجم للطبراني: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا)، فإدخال السرور على قلوب الناس، وإسعاد النفوس، وإدخال البشر إليها، ورسم البسمة على الوجوه، فهذا أمر لا يدركه إلا الأنقياء والاتقياء والأصفياء من عباد الله، ففي الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم)،وفيه أيضا: (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك سره الله عز وجل يوم القيامة). وفيه: (من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو سترت عورته، أو قضيت له حاجة). وإعانة المسلم لأخيه المسلم من عوامل إدخال السرور، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)
ويمكنك أن تكون إماما يُقتدى بك في الصبر، وقوة التحمل، وكظم الغيظ، والعفو والاحسان، فعن معاذ بن أنس الجهنيِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ كَظَمَ غَيْظـًا وَهُوَ قَـادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَـاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَـا شَـاءَ) رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) رواه البخاري في “صحيحه”. وقال أبو يعقوبَ المدَنيُّ: (كان بَينَ حَسنِ بنِ حَسنٍ، وبَينَ عليِّ بنِ الحُسَينِ شيءٌ، فجاء حَسنٌ، فما ترَك شيئًا إلَّا قاله، وعليٌّ ساكِتٌ، فذهَب حَسنٌ، فلمَّا كان اللَّيلُ أتاه عليٌّ، فقرَع بابَه، فخرَج إليه، فقال له: يا بنَ عمِّي، إن كنْتَ صادِقًا فغفَر اللهُ لي، وإن كنْتَ كاذِبًا فغفَر اللهُ لك، السَّلامُ عليك، فالتزَمه حَسنٌ، وبكى حتَّى رُثِيَ له، ثمَّ قال: لا جَرَم لا عُدتُ في أمرٍ تكرَهُه، فقال عليٌّ: وأنت في حِلٍّ ممَّا قُلتَ لي)، وذَكَرَ ابنُ كثيرٍ في مَناقِبِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ: (أنَّ رَجُلًا كلَّمه يومًا حتَّى أغضَبَه، فهَمَّ به عُمَرُ، ثُمَّ أمسَك نَفسَه، ثُمَّ قال للرَّجُلِ: أرَدتَ أن يستَفِزَّني الشَّيطانُ بعِزَّةِ السُّلطانِ، فأنالَ مِنك ما تَنالُه مِنِّي غَدًا! قُم، عافاك اللَّهُ، لا حاجةَ لنا في مُقاوَلتِك)، ومما يُروى في هذا الصدد، أنه كان للمأمون -الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد خادم، وهو صاحب وضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه إذ سقط الإناء من يده، فاغتاظ المأمون عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: {وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ} فقال المأمون: قد كظمت غيظي عنك، قال: {وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ} قال: قد عفوت عنك، قال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: اذهب، فأنت حر.
أيها المسلمون
ويمكنك أن تكون إماما يُقتدى بك في برك بوالديك، والاحسان إليهما، وفي قصة ثلاثة الغار شاهد ودليل، ففي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلاَ مَالاً، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَىَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ»،
ومن أمثلة الأئمة البارين بوالديهم: (أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ القرني)، ففي صحيح مسلم: (كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ قَالَ نَعَمْ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ». فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ).
ويمكنك أن تكون إماما يُقتدى بك في ذكرك لله تعالى، فتقول: لن يسبقني الى الله أحد، فتكون عبدا ربانيا, بالله تستعين، والى الله تلجأ, وبه تتحصن, وعنه لا تستغنى، وبحوله وقوته تسير وتسعى، ولمرضاته تنهض وتصبو, ولجنته ومرضاته تعمل وتخلص, ولرؤيته والتمتع بالنظر الى وجهه الكريم تشتاق وتصبو، وفي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ)،
ومن المعلوم أن إمام الذاكرين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي سنن ابن ماجه: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). وفي صحيح مسلم: (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»، وروي في سنن ابن ماجه: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ «غُفْرَانَكَ». فقيل في ذلك: (وَاسْتِغْفَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَرْكِهِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، فَجَعَلَ تَرْكَهُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ تَقْصِيرًا، وَعَدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَنْبًا ، فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّوْبَةُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَمَهُ ، ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَ الْأَذَى مِنْهُ ، فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ حَقِّ هَذِهِ النِّعْمَةِ ، فَفَزِعَ إلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، وهذا يُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَب عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي} (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (كُنْ لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
الحمد لله رب العالمين. اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ومن نماذج الأئمة الذاكرين الله كثيرا من السلف الصالح: ما قاله مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلَّى ليلةً حتى أصبح أو كاد، يقرأ آية يردِّدها ويبكي {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:٢١]، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح في كلِّ يوم اثنى عشر ألف تسبيحة؛ ويقول: «أسبح بقدر ديتي»، وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في سبع، فإذا جاء رمضان ختم في كلِّ ثلاث، فإذا جاء العشر ختم في كلِّ ليلة، ولَمَّا حضرت الوفاة أبا بكر بن عياش رحمه الله بكت أخته، فقال لها: «ما يُبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة! ». وهذا هو الإمام الحجَّة مسعر بن كدام رحمه الله، يحكي ابنه محمد بن مسعر، قال: «كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن»، وهذا إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله يحكي عنه ابنه عبد الله قال: «كان أبي يصلي في كلِّ يوم وليلة ثلاثمائة ركعة .. فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وكان قرب الثمانين!»، ووصف عليٌّ يوماً الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم”، وقال زهير البابي: إنَّ لله عباداً ذكروه، فخرجت نفوسُهم إعظاماً واشتياقاً، وقوم ذكروه، فوجِلَتْ قلوبهم فرقاً وهيبة، فلو حُرِّقوا بالنَّار، لم يجدوا مَسَّ النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضّوا عرقاً من خوفه، وقومٌ ذكروه، فحالت ألوانهم غبراً، وقومٌ ذكروه، فجَفَّتْ أعينُهم سهراً.
وهكذا، فيمكنك أن تكون إماما في عمل من الأعمال الصالحة، والتي يشار لك فيها بالبنان، ويثني عليك الناس خيرا، ويُقال: إن هذا المسلم قدوة حسنة في هذا المجال.
الدعاء