خطبة عن (مَا النَّجَاةُ؟؟)
يناير 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:٦٠]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:١٥٩]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» [رواه الترمذي وأحمد].
إخوة الإسلام
حديثنا اليوم -إن شاء الله تعالى- عن: شِعَارِ الْأَقْوِيَاءِ، وَدُسْتُورِ النَّاجِحِينَ، وَعُنْوَانِ أَصْحَابِ الرِّسَالَاتِ؛ إِنَّهَا كَلِمَةُ الْكَلِيمِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ». فهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ عَنْ سَفَرٍ، بَلْ هِيَ إِعْلَانٌ عَنْ “إِرَادَةٍ” لَا تَعْرِفُ الْكَلَلَ، وَهي “إِصْرَارٍ” لَا يَعْرِفُ الْمَلَلَ، فلَقَدْ وَضَعَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هَدَفاً سَامِياً، وَهُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ، ثُمَّ قَرَنَ هَذَا الْهَدَفَ بِنية صادقة، وإرادة حَاسِمَةٍ: أَنَّهُ لَنْ يَتَوَقَّفَ، وَلَنْ يَتَرَاجَعَ، وَلَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ أَوْ مَسِيرَهُ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى مُبْتَغَاهُ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَانُ، وَلَوْ أَمْضَى فِي ذَلِكَ حُقُباً، أَيْ دُهُوراً وَسَنَوَاتٍ طَوِيلَةً.
فقَوْل كَلِيمِ اللهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ» هُوَ إِعْلَانٌ عَنْ مِيلَادِ عَزِيمَةٍ لَا تَعْرِفُ الانْكِسَارَ، وَنَفْسٍ لَا تَرْضَى بِدُونِ التَّمَامِ، فلَنْ أَرْكَنَ إِلَى الرَّاحَةِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ لِي مَا طَلَبْتُ، «أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا»؛ وهذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الهَدَفِ السَّامِي لَا يُقَيِّدُ نَفْسَهُ بِزَمَنٍ، بَلْ يَجْعَلُ بَذْلَ الجُهْدِ غَايَةً، حَتَّى يَمُنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالبُلُوغِ،
فَكَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ أَهْدَافِكُمُ الأُخْرَوِيَّةِ؟، وَكَيْفَ صَبْرُكُمْ عَلَى طَلَبِ مَرْضَاةِ رَبِّكُمْ؟، فإِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالمُدَّعِي هُوَ “الاستِمْرَارُ”؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّفْسُ جُبِلَتْ عَلَى المَلَلِ، وَلَكِنَّ القُرْآنَ يُثَبِّتُ القُلُوبَ بِقَوْلِهِ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]. فَشَّعَارُ هُوَ: لَا أَبْرَحُ مِحْرَابَ العِبَادَةِ، حَتَّى أَبْلُغَ المَنِيَّةَ، وَأَنَا عَلَى الطَّاعَةِ،
وَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم أَثْبَتَ النَّاسِ جَنَاناً، فَلَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا لِيَتْرُكَ دَعْوَتَهُ، كَانَ لِسَانُ حَالِهِ وَمَقَالِهِ الثَّبَاتَ، حَتَّى يَبْلُغَ دِينُ اللهِ، مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، ولَقَدْ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) مَنْزِلَةً لَمْ يَبْلُغْهَا غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَحْ صُحْبَةَ النَّبِيِّ، وَاتِّبَاعَهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَبَلَغَ بِلالٌ المَجْدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَحْ قَوْلَ “أَحَدٌ أَحَدٌ” وَالسِّيَاطُ تَنْهَشُ ظَهْرَهُ.
وتَأَمَّلُوا فِي عِظَمِ الْهِمَّةِ عِنْدَ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ: فنبي الله مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، رَغْمَ نُبُوَّتِهِ، وَمَكَانَتِهِ، وَانْشِغَالِهِ بِقَوْمِهِ، لَمْ يَقْنَعْ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ، بَلْ شَدَّ الرَّحَالَ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ عَبْدٍ صَالِحٍ، وقَوْلُهُ: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. يبين هَذَا الِاسْتِعْدَاد لِبَذْلِ الْعُمُرِ كُلِّهِ فِي سَبِيلِ هَدَفٍ شَرِيفٍ، وهُوَ مَا يَنْقُصُنَا الْيَوْمَ، فكَثِيرٌ مِنَّا يَبْدَأُ الطَّرِيقَ، ثُمَّ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَوَّلِ عَقَبَةٍ، وَيَضَعُ الْأَهْدَافَ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا مَعَ أَوَّلِ صُعُوبَةٍ، أَمَّا الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ فَيَقُولُ لَكَ: حَدِّدْ وِجْهَتَكَ الَّتِي تُرْضِي اللهَ، ثُمَّ قُلْ بِلِسَانِ الْحَالِ: «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شِعَارَ «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ» يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْهَجاً لَنَا فِي أَعْظَمِ أَهْدَافِنَا، وَهُوَ “الْوُصُولُ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ وَالْجَنَّةِ”، فَالْمُؤْمِنُ لَا يَبْرَحُ بَابَ التَّوْبَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ صَفْحَ اللهِ، وَلَا يَبْرَحُ مِحْرَابَ الصَّلَاةِ، حَتَّى يَبْلُغَ خُشُوعَ الْقَلْبِ، وَلَا يَبْرَحُ مَيْدَانَ الْبِرِّ، حَتَّى يَبْلُغَ مَقَامَ الْإِحْسَانِ، فهَذِهِ الْمُثَابَرَةُ، هِيَ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ أَصْحَابِ الْأَمَانِيِّ، وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْحَقَائِقِ، فالْجَنَّة حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَلَنْ يَقْطَعَ هَذِهِ الْمَكَارِهَ إِلَّا مَنْ جَعَلَ شِعَارَهُ: سَأَمْضِي وَإِنْ تَعِبَتِ الْأَقْدَامُ، وسَأَسْتَمِرُّ وَإِنْ كَثُرَتِ الْآلَامُ، حَتَّى أَبْلُغَ رِضَا رَبِّ الْأَنَامِ، (فلَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)
وانْتَبِهُوا، فَإِنَّ طَرِيقَ “الْبُلُوغِ” مَلِيءٌ بِالْمُثَبِّطَاتِ، فَمِنْهَا: نَفْسٌ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، فهي تَمِيلُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَمِنْهَا: شَيْطَانٌ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَخْذُلُكُمْ عَنِ الْمَعَالِي، وَمِنْهَا: بَطَّالُونَ يَسْخَرُونَ مِنْ طُمُوحِكُمْ، وَلَكِنَّ قَوْلَ مُوسَى: {لَا أَبْرَحُ} هُوَ السَّدُّ الْمَنِيعُ أَمَامَ هَؤُلَاءِ جَمِيعاً، فإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْهَدَفِ هُوَ جَوْهَرُ الرُّجُولَةِ،
وإِنَّنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَوِيَّةِ أَيْضاً نَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الْإِصْرَارِ، فَالطَّالِبُ فِي دِرَاسَتِهِ، وَالْعَامِلُ فِي كَسْبِهِ، وَالْمُصْلِحُ فِي مُجْتَمَعِهِ؛ كُلُّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى نَفَسٍ طَوِيلٍ، ونَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَنِ “السُّرْعَةِ”، الَّذِي جَعَلَ النَّاسَ يَسْتَعْجِلُونَ النَّتَائِجَ، فَإِذَا لَمْ تَأْتِ النَّتِيجَةُ سَرِيعاً تَرَكُوا الْعَمَلَ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي “الْمُضِيِّ حُقُباً”، فلَا تَنْظُرْ إِلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ، بَلِ انْظُرْ إِلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ، فإِذَا كَانَ هَدَفُكَ شَرِيفاً، وَمَقْصِدُكَ نَبِيلاً، فَلَا تَتْرُكْ مَيْدَانَكَ أَبَداً، وقَدْ تَتَعَثَّرُ، وقَدْ تَسْقُطُ، ولَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ “تَبْرَحَ” طَرِيقَ الْعلَاءِ.
وقَوْل اللهِ تَعَالَى: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ} هُوَ دَوَاءٌ لِدَاءِ “الْفُتُورِ”، فَكُلُّنَا يَمُرُّ بِلَحَظَاتٍ يَضْعُفُ فِيهَا نَشَاطُهُ، وَيَقِلُّ فِيهَا حَمَاسُهُ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ هُوَ “الِاسْتِمْرَارُ”، فإِذَا كُنْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَلَا تَبْرَحْ حَتَّى تَبْلُغَ خَتْمَهُ، وَإِذَا كُنْتَ تُبْنِي نَفْسَكَ، فَلَا تَبْرَحْ حَتَّى تَبْلُغَ نُضْجَهَا، فالِانْقِطَاعُ هُوَ مَوْتُ الْأَهْدَافِ، وَالْمُدَاوَمَةُ هِيَ رُوحُ النَّجَاحِ.
واعلموا أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْبُلُوغِ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَمُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: {لَا أَبْرَحُ}، فَلَمَّا صَدَقَ اللهَ، هَيَّأَ اللهُ لَهُ الْأَسْبَابَ، حَتَّى نَسِيَا حُوتَهُمَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ اللِّقَاءِ، فإِذَا رَأَى اللهُ مِنْ قَلْبِكَ إِصْرَاراً عَلَى الْخَيْرِ، سَاقَ لَكَ الْمَعُونَةَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ، فَلَا تَقُلْ “كَيْفَ سَأَصِلُ؟”، بَلْ قُلْ “سَأَمْضِي مُتَوَكِّلاً عَلَى اللهِ”، وَسَتَجِدُ الطَّرِيقَ يُفْتَحُ أَمَامَكَ بِيَقِينِ الصَّادِقِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يقول الله سُبْحَانَهُ مُثْنِيًا عَلَى أَهْلِ الثَّبَاتِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23]. (وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ… وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ» [رواه البخاري].
فلَا بُلُوغَ لِلْمَقَاصِدِ العُظْمَى بِلَا صَبْرٍ عَلَى لَأْوَاءِ الطَّرِيقِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]. فَالمِحْنَةُ تُمَحِّصُ كَلِمَةَ “لَا أَبْرَحُ”؛ هَلْ قِيلَتْ تَرَفاً، أَمْ قِيلَتْ يَقِيناً؟، فانْظُرُوا إِلَى المُرَابِطِ عَلَى ثَغْرِ الطَّاعَةِ، وَإِلَى طَالِبِ العِلْمِ الَّذِي يَسْهَرُ لَيْلَهُ، وَإِلَى التَّائِبِ الَّذِي يُجَاهِدُ شَهْوَتَهُ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ لِسَانُ حَالِهِمْ: لَا نَبْرَحُ سَاحَةَ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ حَتَّى نَبْلُغَ عَفْوَهُ وَرِضَاهُ، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ) [رواه مسلم]، وَهَذَا هُوَ سِرُّ البُلُوغِ.
وإِنَّ الكَسَلَ وَالتَّرَاجُعَ هُمَا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَنِ المَعَالِي، وإِنَّ النَّجَاحَ لَيْسَ طَفْرَةً، بَلْ هُوَ تَرَاكُمُ خُطُوَاتٍ لَا تَعْرِفُ التَّوَقُّفَ، قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب} [الشرح:7-8]. أَيْ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَاعَةٍ، فَابْدَأْ فِي أُخْرَى، فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ دُونَ بَابِ الجَنَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران :200]. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» [رواه البخاري ومسلم]
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وتَأَمَّلُوا فِي نَمَاذِجَ بَشَرِيَّةٍ قَالَتْ «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ» بِلِسَانِ الحَالِ قَبْلَ لِسَانِ المَقَالِ، فَهَذَا الصحابي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)، يَرْحَلُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ كَامِلٍ إِلَى الشَّامِ، لِيَسْمَعَ حَدِيثاً وَاحداً عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلَمْ يَبْرَحْ نَاقَتَهُ، وَلَمْ يَسْكُنْ لَهُ جَفْنٌ، حَتَّى بَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيثَ ثُمَّ رَجَعَ. وَانْظُرُوا إِلَى عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، كَيْفَ بَلَغُوا المَرَاتِبَ العُلْيَا؛ فَمَا بَلَغَ الإمام (الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْمَدُ وَلَا البُخَارِيُّ) مَا بَلَغُوا إِلَّا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْرَحُوا مَحَابِرَهُمْ وَكُتُبَهُمْ أَعْوَاماً طِوَالاً، فكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ: “مَعَ المِحْبَرَةِ إِلَى المَقْبَرَةِ”، وَهَذَا هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى :{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. فَالزِّيَادَةُ مَقْرُونَةٌ بِعَدَمِ الاستِعْجَالِ وَبِدَوَامِ الطَّلَبِ.
ومَنْ قَالُوا “لَا أَبْرَحُ” فِي التَّوْبَةِ، هُمُ الَّذِينَ فَتَحَ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ الوُصُولِ، فَمَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ، فَلَا تَبْرَحْ بَابَ الغَفَّارِ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» [رواه أحمد].
فَإِذَا كَانَ عَدُوُّكَ لَا يَبْرَحُ عَنْ غَايَتِهِ فِي إِهْلَاكِكَ، فَكَيْفَ تَبْرَحُ أَنْتَ عَنْ غَايَتِكَ فِي نَجَاةِ نَفْسِكَ؟ فإِنَّ هَذِهِ المُنَافَسَةَ تَسْتَوْجِبُ يَقَظَةً لَا تَنَامُ، وَعَزِيماً لَا يَفْتُرُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَجْمَعُ بَحْرَيْنِ يَقْصِدُهُ؛ ولْيَكُنْ هَدَفُكَ نَيْلَ رِضَا اللهِ، وَبِرَّ الوَالِدَيْنِ، وَحُسْنَ الخُلُقِ، وَنَفْعَ النَّاسِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْ دَامَ عَلَى قَرْعِ البَابِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري ومسلم].
ولِنَجْعَلْ مِنْ شِعَارِ «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ» خُطَّةَ عَمَلٍ لنا، فلَا تَرْضَ بِالدُّونِ فِي دِينِكَ، وَلَا فِي دُنْيَاكَ، وجَدِّدْ هِمَّتَكَ كُلَّ صَبَاحٍ، وَذَكِّرْ نَفْسَكَ بِقَوْلِ الْكَلِيمِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ» فالْعُمْر سَاعَاتٌ تَمْضِي، فَلَا تَجْعَلْهَا تَمْضِي وَأَنْتَ فِي مَكَانِكَ، بَلِ اجْعَلْ كُلَّ يَوْمٍ خُطْوَةً نَحْوَ “الْبُلُوغِ”، فبَلِّغْ رِسَالَتَكَ، وحَقِّقْ أَهْدَافَكَ، وَأَعْظَمُهَا أَنْ تَبْلُغَ رِضْوَانَ رَبِّكَ، وَأَنْتَ عَلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، فَجَدِّدُوا العُهُودَ، وَاعْزِمُوا عَلَى أَلَّا تَبْرَحُوا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ، حَتَّى تَبْلُغُوا، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (133) آل عمران.
الدعاء
