خطبة عن (وَجلُ القُلُوب)
فبراير 2, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (168)، (169) البقرة، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور: (21). وَفي الحديث: (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ عَنْ رَبِّهِ: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ» (رواه مسلم).
إخوة الإسلام
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): فإِنَّ مَعْرَكَةَ الإِنْسَانِ مَعَ الشَّيْطَانِ مَعْرَكَةٌ قَدِيمَةٌ، بَدَأَتْ منذ أن رفض الشيطان أن يستجيب لأمر الله تعالى بالسجود لآدم، ومُنْذُ أن طُرِدَ إِبْلِيسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، قال الله تعالى: (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (32): (43) الحجر، فَهِيَ مَعْرَكَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): فالله تبارك وتعالى بين لنا أن طريقه هو الطريق المستقيم، والواجب علينا اتباعه، فقال: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (56) هود، وقال: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (51) آل عمران، وبين الله سبحانه وتعالى أن الشيطان يدعو إلى طريق النار، فقال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6) فاطر، وبين لنا سبحانه أن الشيطان قد أقسم على أن يضل بني آدم: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (16)، (17) الأعراف، ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه لم يجعل للشيطان على الانسان سبيلا، فهو لا يملك قوة التغيير، ولا قوة الاقناع، فقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) الحجر.
والله تبارك وتَعَالَى حِينَ حَذَّرَنَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لَمْ يَقُلْ: “لَا تَتَّبِعُوا الشَّيْطَانَ” فَحَسْبُ، بَلْ قَالَ: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} النور: (21).. وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ رَبَّانِيٌّ لَطِيفٌ؛ فَالشَّيْطَانُ لَا يَدْعُوكَ إِلَى الكُفْرِ أَوْ الكَبِيرَةِ مِنْ أَوَّلِ لَحْظَةٍ، بَلْ يَسْتَدْرِجُكَ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، وَمَرْحَلَةً بَعْدَ مَرْحَلَةٍ، حَتَّى تَقَعَ فِي الشَّرَكِ. فلفظة “خُطُوَات” تَعْنِي التَّدَرُّجَ؛ فَإِذَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ تَتَسَاهَلُ فِي السُّنَنِ، فَهِيَ خُطْوَةٌ لِتَرْكِ الفَرَائِضِ، وَإِذَا تَسَاهَلْتَ فِي الخَلْوَةِ، فَهِيَ خُطْوَةٌ لِلْفَاحِشَةِ، فهوَ يُزَيِّنُ لَكَ المَعْصِيَةَ بِتَدَرُّجٍ خَفِيٍّ، حَتَّى تَقَعَ فِي الفَخِّ العَظِيمِ، فَالنَّظْرَةُ خُطْوَةٌ نَحْوَ الفَاحِشَةِ، وَالتَّسَاهُلُ فِي الصَّغَائِرِ خُطْوَةٌ نَحْوَ الوُقُوعِ فِي الكَبَائِرِ، وقَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} النور: (21). فهذا تَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّ نِهَايَةَ طَرِيقِ الشَّيْطَانِ دَائِماً هِيَ السُّقُوطُ فِي الوَحْلِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): وقد بين الله تعالى لنا طرق وخطوات وأساليب الشيطان في غواية الانسان، وذلك لنحذر من الوقوع فيها، والسؤال: مَا هِيَ خُطُوَاتُ الشيطان؟، وَمَا هُوَ مَنْهَجُهُ فِي الإِغْوَاءِ؟، والجواب: من خلال تدبرنا لآيات القرآن الكريم: تبدأ هذه الطرق والخطوات (بالنزغ): قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (200)، (201) الأعراف، وقال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (36) فصلت،
فإذا نجح الشيطان في هذه الخطوة، انتقل إلى الخطوة التالية، وهي (الدلالة)، ففي قصة آدم قال تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (118): (120) طه،
فإذا استجاب الانسان، واتبع طريق الشيطان، استحوذ عليه الشيطان، وأصبح هو الآمر الناهي، قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (19) المجادلة، وحينها تزل قدم الانسان، ويسير في طريق الشيطان، وينسى خالقه ورازقه الرحمن،
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): واعلموا أنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ ذَكِيٌّ، يَعْلَمُ مَدَاخِلَ القُلُوبِ، فَيَأْتِي لِلْعَابِدِ مِنْ بَابِ العُجْبِ، وَلِلْعَالِمِ مِنْ بَابِ الكِبْرِ، وَلِلْعَامِّيِّ مِنْ بَابِ الشَّهْوَةِ، وَأَخْطَرُ مَا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ هُوَ السُّوءُ وَالفَحْشَاءُ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ، فَالقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ -سَوَاءً فِي أَحْكَامِهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ شَرْعِهِ- هُوَ قِمَّةُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ يَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ الحَقِّ بِلِبَاسِ الدِّينِ، يَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة:169
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): وبعض الناس لا يأتيهم الشيطان عن طريق الأمر بالمعصية، ولكن يدخل عليهم عن طريق الطاعات، فيفسدها عليهم، فيعملون العمل (ليُقال): وهذا هو (الرياء في العمل): ففي سنن الترمذي: (رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِىَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلاَنًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ.. وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ». ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): فالشيطان يوحي لأوليائه من المشعوذين والدجالين ليضلوا الناس: قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (121) الانعام، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (112)، (113) الانعام
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): ومن خُطْوَات الشيطان أيضا: “التَّهْوِينِ”: فيَبْدَأُ الشَّيْطَانُ مَعَ العَبْدِ بِتَهْوِينِ الصَّغَائِرِ. يَقُولُ لَكَ: “هَذِهِ نَظْرَةٌ عَابِرَةٌ، هَذِهِ كَلِمَةٌ بَسِيطَةٌ، هَذَا ذَنْبٌ صَغِيرٌ”، وَيَنْسَى العَبْدُ أَنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الصَّغَائِرِ يُهْلِكُ صَاحِبَهَا، فَالَّذِي يَتَّبِعُ الخُطْوَةَ الأُولَى، سَيَجِدُ نَفْسَهُ مَسُوقاً إِلَى الفَاحِشَةِ لَا مَحَالَةَ، ومِنْ أَخْطَرِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فِي زَمَانِنَا هُوَ (التَّحْرِيشُ) بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعُ العَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ فِي القُلُوبِ، ففي صحيح مسلم: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»، فالشَّيْطَانُ يَفْرَحُ بِتَمْزِيقِ الأُسَرِ، وَقَطِيعَةِ الأَرْحَامِ، وَتَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، وَكَذَلِكَ يَسْتَخْدِمُ الشيطان الشَّاشَاتِ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ لِيَجُرَّ النَّاسَ إِلَى “خُطُوَاتِ” النَّظَرِ المُحَرَّمِ، وَالشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ، فَكُلُّ مَنْ نَشَرَ بَاطِلاً، أَوْ نَظَرَ إِلَى حَرَامٍ، فَقَدْ خَطَا خُطْوَةً فِي طَرِيقِ عَدُوِّهِ الشيطان، وقد يَبْدَأُ الِاتِّبَاع بِمُجَالَسَةِ أَهْلِ السُّوءِ، أَوْ فُضُولِ النَّظَرِ، أَوْ الِانْشِغَالِ بِالدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ، فَإِذَا بِالعَبْدِ يَجِدُ نَفْسَهُ غَارِقاً فِي المُنْكَرِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَرَى نَفْسَهُ بَعِيداً عَنْهُ، فَالْحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَوَّلِ خُطْوَةٍ يُنْصَبُ فِيهَا الشَّرَكُ،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): والسؤال: كَيْفَ نَنْجُو من الشيطان؟، والجواب: أَوَّلًا: بقَطْع الطَّرِيقِ عَلَى الخُطْوَةِ الأُولَى: فإِذَا جَاءَكَ الخَاطِرُ بِالسُّوءِ، فَلَا تَسْتَرْسِلْ مَعَهُ، واستعذ بالله فالِاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ فِي البِدَايَةِ تَهْدِمُ كُلَّ مَا يُرِيدُ بِنَاءَهُ. ثَانِيًا: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ: فالشَّيْطَانُ يَتَسَلَّلُ لِلْجَاهِلِ بِأَحْكَامِ اللهِ، فَيُخَيِّلُ لَهُ البَاطِلَ حَقًّا، فالعِلْمُ هُوَ النُّورُ الَّذِي يَكْشَفُ لَكَ “مَطَبَّاتِ” الطريقِ وَأَفْخَاخَ إِبْلِيسَ. ثَالِثًا: لُزُومُ الجَمَاعَةِ وَالمَسَاجِدِ: فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةَ، فالشَّيْطَانُ يَنْفَرِدُ بِالعَبْدِ حِينَ يَبْتَعِدُ عَنْ صُحْبَةِ الأَخْيَارِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وهناك ثلا ث مواطن يوم القيامة سوف يهزم الشيطان فيها أتباعه من بني الانسان، ويقيم عليهم الحجة: فالموطن الأول: في أرض المحشر: قال تعالى 🙁وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (27): (33) الصافات
أما الموطن الثاني: فهو عند الوقوف بين يدي الله تعالى: قال تعالى: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (23): (30) ق،
أما الموقف الثالث: فهو في نار جهنم: قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) (29) فصلت، فيرد الشيطان على هؤلاء، فيخطب في أهل النار: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22) إبراهيم
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فلَا تَغْتَرُّوا بِأَنْفُسِكُمْ، فَالشَّيْطَانُ قَدْ أَسْقَطَ قَبْلَكُمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عِبَادةً وَزُهْدًا، حِينَ تَرَكُوا الثُّغُورَ مَفْتُوحَةً، فاجْعَلُوا مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ دَيْدَنَكُمْ، وَمِنَ القُرْآنِ حِصْنَكُمْ، وتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ سَيَتَبَرَّأُ مِنْ كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ، فَلْنَسْتَفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ المَوْقِفِ، وَلْنَقْطَعْ كُلَّ خُطْوَةٍ تُقَرِّبُنَا مِنْ مَسَاخِطِ اللهِ.
وعُودُوا إِلَى رِحَابِ الطَّاعَةِ، وَجَدِّدُوا التَّوْبَةَ، وَأَوْصِدُوا الأَبْوَابَ فِي وَجْهِ الشَّيْطَانِ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ وَالعِلْمِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَنَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ. اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا مِنْ كَيْدِهِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ المُخْلَصِينَ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
الدعاء
