خطبة عن (رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ)
مارس 8, 2026خطبة عن (الْتَمِسُوهَا فِي رَمَضَانَ)
مارس 9, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْعُمُرِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:1-3]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:3-4]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّنَا نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ لَيْلَةٍ لَيْسَتْ كَكُلِّ اللَّيَالِي، لَيْلَةٍ تَخْتَصِرُ الزَّمَانَ، وَتُضَاعِفُ الْأَعْمَارَ، وَتَفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لِتَنَزُّلِ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، إِنَّهَا “لَيْلَةُ الْقَدْرِ”، وَهِيَ بِحَقٍّ “لَيْلَةُ الْعُمُرِ”؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تَفُوقُ فِي مِيزَانِ اللَّهِ عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ، أَيْ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَمَنْ وُفِّقَ لِقِيَامِهَا، فَكَأَنَّمَا عَبَدَ اللَّهَ عُمُراً كَامِلاً، نَقِيّاً مِنَ الشَّوَائِبِ، فهِيَ الْفُرْصَةُ الذَّهَبِيَّةُ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ بِهَا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِيُعَوِّضَهُمْ عَنْ قِصَرِ أَعْمَارِهِمْ بِعَظِيمِ الْأُجُورِ وَالْمَقَامَاتِ.
والسؤال: لِمَاذَا هِيَ لَيْلَةُ الْعُمُرِ؟، والجواب: لِأَنَّ فِيهَا يُكْتَبُ “قَدَرُكَ” لِلْعَامِ الْقَادِمِ؛ ففِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَالْآجَالِ، وَالْمَقَادِيرِ،
فَالْتَمِسُوهَا بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، وَدَعَوَاتٍ صَادِقَةٍ ؛لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكْتُبَ لَكُمْ فِيهَا سَعَادَةً، لَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَداً، فإِنَّ نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِيهَا لَيْسَ أَمْراً عَابِراً، بَلْ هُوَ جَيْشٌ مِنَ النُّورِ، يَهْبِطُ لِيُؤَمِّنَ عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَمْلَأَ الْأَرْضَ سَكِينَةً، حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، فَهَلْ يَلِيقُ بِمَنْ يَرْجُو مَغْفِرَةَ رَبِّهِ أَنْ يَكُونَ غَافِلاً فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْعَظِيمَةِ؟
فإِنَّنَا الْيَوْمَ حَيْثُ تَمُرُّ الْأَيَّامُ سَرِيعَةً، وَتَتَخَطَّفُنَا الشَّوَاغِلُ، نَحْتَاجُ إِلَى “وَقْفَةِ صِدْقٍ” مَعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُضَيِّعُ ثَلَاثاً وَثَمَانِينَ سَنَةً مِنْ أَجْلِ سَاعَةِ لَهْوٍ، أَوْ نَوْمٍ، فالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَخُصُوصاً فِي أَوْتَارِهَا، كَمَا أَمَرَ ﷺ، واجْعَلُوا لَيْلَكُمْ فِيهَا طَوِيلاً بِالسُّجُودِ، وَقَصِيراً بِالْغَفْلَةِ، فإِنَّ لَحْظَةَ قَبُولٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَدْ تَمْحُو عَنْكَ شَقَاءَ سِنِينٍ، وَتَرْفَعُكَ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ، وطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ، لِتَنْزِلَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ؛ فَإِنَّ الشَّحْنَاءَ تَمْنَعُ بَرَكَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
واعلموا أنَّ المَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» [سنن النسائي].
فلَا تَجْعَلُوا الْهَوَاتِفَ وَالشَّاشَاتِ ومجالس اللغو تَسْرِقُ مِنْكُمْ “لَيْلَةَ الْعُمُرِ”، واسْتَعِدُّوا لَهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَبِالِاعْتِكِافِ الْقَلْبِيِّ، وَبِالتَّذَلُّلِ عَلَى أَعْتَابِ الْكَرِيمِ، فإِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً، واجْعَلُوا دُعَاءَكُمْ “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”، فَإِذَا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَقَدْ نِلْتَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:5]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى» [مسند أحمد]. فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الِازْدِحَامِ الْمَلَائِكِيِّ بِالنُّورِ وَالرَّحْمَةِ؛ فَالْأَرْضُ تَضِيقُ بِهِمْ تَعْظِيماً لِشَأْنِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
فلَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ بَلْسَمُ الْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ، وَمَلَاذُ التَّائِبِينَ مِنَ الْخَطِيئَةِ، وإِنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا لَيْسَتْ ثَقِيلَةً إِذَا اسْتَشْعَرْتَ لَذَّةَ الْقَبُولِ، فحَافِظُوا عَلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ طِيلَةَ الْعَشْرِ؛ لِتَكُونُوا مِمَّنْ أَخَذَ بِنَصِيبٍ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
ولَا تَنْشَغِلُوا بِمَا هُوَ أَدْنَى عَمَّا هُوَ خَيْرٌ؛ فَالْأَسْوَاقُ وَالْمُشْتَرَيَاتُ يُمْكِنُ تَأْجِيلُهَا، أَمَّا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَلَا تَنْتَظِرُ أَحَداً، واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَنَارَاتٍ لِلصَّلَاةِ، وَأَيْقِظُوا أَهْلِيكُمْ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ، فإِنَّ الْفَوْزَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي رُؤْيَةِ عَلَامَاتِهَا، بَلْ فِي الْعَمَلِ فِيهَا، وَالْقَبُولِ عِنْدَ رَبِّهَا. فالْمُوَفَّقُ مَنْ قَامَ اللَّيَالِيَ كُلَّهَا بِيَقِينٍ، فَأَصَابَ نَفَحَاتِ رَبِّهِ بِلَا رَيْبٍ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا قِيَامَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنَّا. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَاكْتُبْنَا فِيهَا مِنَ السُّعَدَاءِ، وَأَعِتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ وَالِدَيْنَا مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:127-128].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْعُمُرِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل الحديث عن: (لَيْلَةُ القَدْرِ.. لَيْلَةُ العُمْرِ). فإِنَّنَا نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ لَيْلَةٍ لَيْسَتْ كَكُلِّ اللَّيَالِي، لَيْلَةٍ لَوْ قُدِّرَ لَكَ أَنْ تَعِيشَهَا بِحَقِّهَا لَكَانَتْ خَيْراً لَكَ مِنْ عُمْرِكَ كُلِّهِ، يَقُولُ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». فجَمِيعُ ذُنُوبِ العُمْرِ تَمْتَحِي فِي سَجْدَةٍ صَادِقَةٍ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فكَيْفَ نَفُوزُ بِـ “لَيْلَةِ العُمْرِ”؟: أَوَّلاً: شَدُّ المِئْزَرِ: كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ﷺ. اقْطَعُوا الشَّوَاغِلَ، وَقَلِّلُوا الخَلَائِقَ، وَانْفَرِدُوا بِالخَالِقِ.
ثَانِيًا: الدُّعَاءُ بِمَطْلَبِ “العَفْوِ”: فحِينَ سَأَلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَمَّا تَقُولُ فِيهَا، لَمْ يُعَلِّمْهَا ﷺ طَلَبَ الدُّنْيَا، بَلْ عَلَّمَهَا: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». لِأَنَّ اللهَ إِذَا عَفَا عَنْكَ، انْهَمَرَتْ عَلَيْكَ بَرَكَاتُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
ثَالِثًا: حُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ: فَأقْبِلْ عَلَى اللهِ وَأَنْتَ تُوقِنُ أَنَّكَ سَتُجَابُ، وَأَنَّ اسْمَكَ سَيُكْتَبُ اليَوْمَ فِي دِيوَانِ السُّعَدَاءِ.
عِبَادَ اللهِ.. لَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ، وَلَا تَحْرِمُوا أَهْلِيكُمْ، فأَيْقِظُوا الصِّغَارَ، وَحُثُّوا الكِبَارَ، فهِيَ لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ لَا تَعُودُ لِبَعْضِنَا مَرَّةً أُخْرَى، فَاجْعَلُوهَا لَيْلَةَ التَّوْبَةِ، وَلَيْلَةَ العَوْدَةِ، وَلَيْلَةَ الِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ.
فاللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَاجْعَلْ لَنَا فِيهَا نَصِيباً مِنَ القَبُولِ وَالغُفْرَانِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ اكْتُبْنَا فِيهَا مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ فِيهَا حَالَ أُمَّتِنَا، وَانْصُرْ إِخْوَانَنَا المستضعفين من المسلمين، وَارْفَعِ الغُمَّةَ عَنِ الأمة، وعن المَهْمُومِينَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
الدعاء
