خطبة عن (مريم ابنة عمران وحملها بعيسى بن مريم)
أبريل 12, 2016خطبة عن ( الاعمال التي تنجي عند المرور على الصراط يوم القيامة)
أبريل 12, 2016الخطبة الأولى (مريم ابنة عمران )
الحمد لله رب العالمين ..اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف 11 ، ويقول سبحانه (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )الاعراف 176 ، وقال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (33 ) :(37) آل عمران
إخوة الإسلام
اليوم -إن شاء الله- نعيش لحظات طيبة مع كتاب الله ، ونتعرض من خلاله ،لقصة مريم ابنة عمران ، عليها وعلى ابنها أفضل الصلاة والسلام ،هذه السلالة الطيبة ، التي اصطفاها الله واختارها من بين خلقه ، حيث قال وقوله الحق (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) آل عمران 33 ،وعمران هذا هو والد مريم عليها السلام ، فقد تزوج عمران امرأة مؤمنة صالحة ، اسمها (حنة ) ، وهذه المرأة حرمت في بداية حياتها من نعمة الولد ، فقيل أنها رأت يوما طائرا يزق فرخا له ، فاشتهت الولد ، فنذرت لله ، إن هي حملت ، لتجعلن ولدها محررا ( أي عتيقا وخالصا من شواغل الدنيا لخدمت بيت الله المقدس ، منقطعا للعبادة فيه ) ، وكأن باب السماء كان مفتوحا ، فقد استجاب الله دعاءها ، وحقق لها أمنيتها ، فأحست بعد أسابيع بعلامات الحمل ، فملأت الفرحة قلبها ، واشرقت الابتسامة على وجهها ، وخرت ساجدة لله تعالى حمدا وشكرا وعرفانا ، وحين رفعت رأسها من سجودها ، قالت : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)آل عمران 35 ، ومرت الأيام والشهور ، والجنين ينمو في بطنها ، والسعادة تملأ حياتها ، وتنتظر اليوم الذي ترى فيه وليدها ، وقد كانت تتمناه ولدا ذكرا ، ليقوم بخدمة بيت الله ، وجاء أوان الوضع ، فوضعت حملها ، وكان المولود أنثى ، قال تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) مريم 36 ، أي : وليس الذكر كالأنثى في خدمة البيت ، والقيام بشئونه ، والتفرغ لمهامه ،، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ) وقالوا :أن كلمة مريم تعني (العابدة والمتبتلة ) ثم سألت الله سبحانه وتعالى أن يحفظها من السوء ، وأن يقيها من همزات الشياطين فقالت : (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ، فاستجاب الله دعاءها ، وتقبل منها نذرها ، قال تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) ،وفي صحيح البخاري، مسند الإمام أحمد (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا » . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ، حملت مريم في لفائفها ، وخرجت بها أمها إلى المسجد ، فسلمتها للعباد المقيمين فيه ، فتنازعوا فيما بينهم ، الكل يريد أن ينال شرف تربيتها ، وثواب كفالتها وخدمتها ، فقال لهم زكريا ، أنا زوج خالتها ، وأنا أحق بالرعاية والكفالة ، فأجابوه : لنقترع ، ثم ذهبوا إلى النهر ، وألقوا أقلامهم فيه ( وهي أنواع من خشب صغير ،عليها اسم كل واحد منهم ) ، فغرقت الأقلام جميعا في قعر النهر ، ما عدا قلم زكريا ، فسلموها له ، قال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) آل عمران 44 ،وتمر الأيام ، ومريم تتألق نورا وتتوهج ضياء ، فلما بلغت مبلغ النساء ، ابتنى لها زكريا مكانا ومحرابا ، جعله مأوى لها ، ومقاما تتعبد فيه ، لا يدخل فيه أحد سواها ، وتتفرغ فيه للعبادة والتبتل للواحد الأحد ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) آل عمران 42 ، 43 ، هكذا كانت مريم تعبد الله ليلا ونهارا ، فهو أنيسها في وحدتها ، وجليسها في خلوتها ، يرزقها إذا جاعت ، ويسقيها إذ ا عطشت ، فمن يتوكل على الله فهو حسبه ، ومن يتوكل على الله يجعل له من أمره يسرا
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (مريم ابنة عمران )
الحمد لله رب العالمين ..اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل الحديث عن مريم عليها السلام : فقد كان زكريا عليه السلام يستأذن عليها ، ويزورها بين الحين والحين ، فرأى شيئا غريبا ، قال تعالى (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) آل عمران 37 ، نعم ، وجد عندها طعاما وشرابا ، بل قالوا : (أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف) ، فغضب زكريا ، وحدثته نفسه ، من الذي يدخل على مريم في محرابها ؟ من الذي يجالسها ؟ من الذي يأتي لها بهذه الفاكهة وهذا الطعام ؟ ،وكأنه يقول : هل هناك أحد غيري يدخل عليها ؟ وتكرر ذلك مرات ومرات ، فسألها : (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) ، من أين لك هذا؟ ، فتبسمت مريم البتول الطاهرة وقالت :(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ، فنعم ما قلت يا مريم ، فإن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فهو واسع الفضل ، وكثير النعم ، وعظيم الإحسان ، فإذا كان العبد في معية الله رزقه الله رزقا حسنا ، وأجرى على يديه الكرامات ، ولكن ، اذكري يا مريم هذه العبارة ولا تنسيها ، لأنك سوف تختبري وتبتلي بها، وأنت قد شهدت بعينيك (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، فسوف يرزقك الله رزقا ليس بالأسباب ولكنه من عند الله مسبب الأسباب والذي يرزق من يشاء بغير حساب ، ظلت مريم في محرابها ، تركت الدنيا ومفاتنها ، وسمت عن الماديات ، وعاشت في معية رب الأرض والسموات ،وهنا أرسل الله إليها سيدنا جبريل عليه السلام ، روح الله ، في صورة إنسان ، حسن الصورة ، تظهر على وجهه ملامح التقوى ، قال تعالى (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) مريم 17 ، نظرت مريم إلى هذا الرجل ، الذي دخل عليها محرابها دون أن يستأذن ، فلم تصدق عينيها ، وقالت في نفسها : من الذي يجرؤ على الدخول على امرأة عذراء في خلوتها ؟ وبدون إذن ؟ فهو ليس من محارمها ، ولا من خدامها ، قد يكون رجلا يريد بها شرا ؟ ،قالت مخاطبة إياه (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) ،لكنها لما نظرت إليه وجدت فيه سمات الطهر والعفة والتقوى والصلاح ، فقالت( إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) أي : حتى ولو كنت تقيا ومن الصالحين فلا يجوز لك أن تدخل علي بدون استئذان ، لأن ذلك ليس من شيم الصالحين، ولا من أخلاق الأتقياء (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) ونستكمل في اللقاء القادم إن شاء الله
الدعاء