خطبة عن (صاحبُ الْجَنَّتَيْنِ دُروسٌ وَعِبرٌ)
نوفمبر 27, 2025الخطبة الأولى ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته :
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
إخوة الإسلام
لقد دعا الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن ، فقال الله تعالى :
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]،
وفي نفس الوقت ،فقد أنكر الله على من أعرض عن تدبر القرآن ، فقال الله تعالى :
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]،
واليوم إن شاء الله موعدنا مع آيات من كتاب الله ، نتدبرها ، ونسبح في بحار معانيها ، ونرتشف من رحيقها المختوم ، مع قوله تعالى :
( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
يقول الامام الطبري في تفسيرها : أي : من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، ( فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ): فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه.
وفي تفسير الوسيط لطنطاوي ، يقول في تفسيرها : أي إنسان لم يشأ الله – تعالى – أن يجعل له نورا يهديه إلى الصراط المستقيم فما لهذا الإنسان من نور يهديه إلى الحق والخير ، من أي مخلوق كائنا من كان ، إذ أن الذى يملك منح النور الهادي إنما هو الله – تعالى – وحده .
أيها المسلمون
في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تفيد بأن الهداية إنما هي توفيق من الله سبحانه وتعالى لعباده، غير أن هذا لا ينافي أن يتعرض العبد لأسباب الهداية، طلباً لها، وسعياً للوصول إليها؛ لينال رضا الله في الدنيا والآخرة. كالمريض يأخذ الدواء طلباً للشفاء، مع أن الشافي في الحقيقة هو الله رب العالمين، ولكنه سبحانه أقام أمر الدين -وكذلك أمر الدنيا- على أسباب ،لا بد للإنسان أن يعمل على تحصيلها؛ لكيلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة.
ومن الآيات التي تؤكد هذا المعنى قوله سبحانه:
( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
فقد جاءت هذه الآية في سياق بيان أعمال الذين كفروا، مشبِّهة أعمالهم بالسراب، الذي يبدو للناظر كأنه ماء، وهو في حقيقة الأمر ليس إلا سراباً خادعاً، لا يروي من عطش، ولا يغني من ظمأ، فجاءت هذه الآية تذييلاً لما سبقها؛ لتقرر حقيقة مهمة مفادها:
أن الهداية من الله سبحانه، فمن لم يوفقه الله لأسبابها، فلا سبيل له إليها.
وقد ذكر المفسرون ثلاثة أقوال في المراد من ( النور ) في هذه الآية:
فالقول الأول: أن المراد من (النور) في الآية هو الدين والإيمان، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً، فلا دين له.
وعلى هذا يكون المعنى: من لم ينور الله قلبه بنور الإيمان، ويهده إليه، فهو في ظلمة عمياء، لا نور له، ولا يهتدي أبداً.
القول الثاني: أن المراد من (النور) في الآية الهداية في الدنيا، أي: من لم يهده الله في هذه الدنيا، فلا يهديه أحد، وهذا كقوله سبحانه:
{ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ } (الزمر:37)،
وقوله عز وجل: { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } (الرعد:33).
وهذا القول هو الأرجح فيما يُفهم من كلام المفسرين.
أما القول الثالث: أن المراد من (النور) الهداية في الآخرة، والمراد بحسب هذا القول:
من لم يرحمه الله، وينور حاله بالعفو والرحمة، فلا رحمة له.
أو من لم يجعل له نوراً يمشي به يوم القيامة، فما له من نور يهتدي به إلى الجنة.
وقد روي في المستدرك للحاكم : (قال أبو أمامة : « يا أيها الناس ، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات ، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى المنزل الآخر وهو هذا يشير إلى القبر ، بيت الوحدة ، وبيت الظلمة ، وبيت الدود ، وبيت الضيق إلا ما وسع الله ، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة ، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من أمر الله فتبيض وجوه وتسود وجوه ، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة ، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه :
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
ولا يستضيء الكافر ، والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير)
والحق أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، بل يُكَمِّل بعضها بعضاً، فإن المؤمن بدين الإسلام لابد له أن يصل إلى طريق الهداية، ومن وصل إلى طريق الهداية لا بد أن يلتزم ما أمر الله به، وما نهى عنه، ومن التزم شرع الله لا بد أن يكون من الفائزين يوم القيامة، كما قال الله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } (البقرة:25).
والمتأمل والمتدبر لهذه الآية يتبين له أن النقطة المحورية التي تنبه إليها الآية الكريمة هي: أن الهداية إنما تكون بتوفيق من الله وتيسير منه سبحانه، والعبد مطالب أن يطرق باب أسباب الهداية كما يطلب باب أسباب الرزق، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ « اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَفِى بَصَرِى نُورًا ، وَفِى سَمْعِي نُورًا ، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا ، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا ، وَفَوْقِي نُورًا ، وَتَحْتِي نُورًا ، وَأَمَامِي نُورًا ، وَخَلْفِي نُورًا ، وَاجْعَلْ لِي نُورًا »
وقوله تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور ، قد جاء مضمونها في آية أخرى، تؤكد أن أمر الهداية إنما يكون بتوفيق الله العبد لأسبابها، وأن كل ما على العبد القيام به، إنما هو الأخذ بأسباب الهداية، تلك الآية هي قوله سبحانه وتعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الحديد:28)،
فهذه الآية واضحة بأن الوصول إلى الهداية لا يكون إلى بالأخذ بأسبابها – وهو وَفْق الآية- (اتَّقُوا اللَّهَ)، وتقوى الله كلمة جامعة، تعني الالتزام بشرع الله سبحانه،
فإذا كانت آية النور تهتم بإبراز جانب النتيجة وهي : ( الهداية )،
فإن هذه الآية -آية الحديد- تهتم بإبراز جانب الأسباب ، وهو( الالتزام بشرع الله)،
والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
وفي قوله تعالى 🙁أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
فهذه الآية هي من آيات الاعجاز العلمي في القرآن الكريم ، فقد أثبت العلم الحديث ،تميز بعض الكائنات البحرية ،بقدرتها على الإنارة الحيوية ،وإنتاج النور الذي يساعدها في حياتها في أعماق البحار والمحيطات ،وأوضحت الدراسة ،أن النور الذي تبعثه الكائنات البحرية ،هو ضوء بارد ،ينتج عن تفاعل كيميائي داخل الحيوانات البحرية ،أثناء عملية التنفس ،حيث يتحول ببطء بواسطة عملية الأكسدة ،من طاقة كيميائية ،إلى طاقة مضيئة منيرة ،ويكون النور الناتج باردا.
هكذا أثبتت البحوث العلمية مؤخرا بواقع مادي ملموس لتلك الحقيقة بالإضافة إلي مضمونها المعنوي الجميل,
فقد كان العلماء إلي عهد قريب جدا ،لا يتصورون إمكانية وجود حياة في أغوار المحيطات العميقة, أولا : للظلمة التامة فيها, وثانيا : للبرودة الشديدة لمائها, وثالثا : للضغوط الهائلة الواقعة عليها، ورابعا : للملوحة المرتفعة أحيانا لذلك الماء,
ولكن بعد تطوير غواصات خاصة ،لدراسة تلك الأعماق ،فوجئ دارسو الأحياء البحرية، بوجود بلايين الكائنات الحية ،التي تنتشر في تلك الظلمة الحالكة ،وقد زودها خالقها بوسائل إنارة ذاتية ،في صميم بنائها الجسدي ، تعرف باسم الإنارة الحيوية
ومن العجيب أن كل نوع من أنواع هذه الأحياء الخاصة ،والتي تحيا في بيئات من الظلمة التامة ،له أنواع خاصة من المركبات الكيميائية المنتجة للضوء, وله إنزيماته الخاصة
والسؤال الذي يفرض نفسه: من غير الله الخالق يمكنه ان يعطي كل نوع من أنواع تلك الأحياء البحرية العميقة, هذا النور الذاتي؟
وهنا يتضح البعد المادي الملموس لهذا النص القرآني المعجز, كما يتضح بعده المعنوي
الرفيع:
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40) النور
فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم, أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله, وحفظه لنا بلغة وحيه( اللغة العربية) حفظا كاملا بكل حرف, وكل كلمة, وكل آية وكل سورة, فجاء ذلك كله معجزا غاية الاعجاز
فالحمد لله رب العالمين علي نعمة القرآن ،وصلي الله وسلم وبارك علي هذا النبي الخاتم الذي تلقاه ،وعلي آله وصحبه ،ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلي يوم الدين .
الدعاء
