خطبة عن (اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ)
يناير 7, 2026خطبة عن (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)
يناير 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مَا النَّجَاةُ؟؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر:61]، وروى الإمام الترمذي في سننه وحسنه: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ قَالَ «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ».
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- عن الإجابة على هذا السؤال: (مَا النَّجَاةُ؟؟): فإِنَّ هَذَا السُّؤَالَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الصحابي الجليل (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) هُوَ أَهَمُّ سُؤَالٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ؛ فَالخَلْقُ جَمِيعاً فِي كَبَدٍ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي سِبَاقٍ، وَلَكِنَّ الرَّابِحَ مَنْ عَرَفَ كَيْفَ يَنْجُو، فالنَّجَاةُ لَيْسَتْ فِي جَمْعِ مَالٍ قَدْ يُسْلَبُ، وَلَا فِي نَيْلِ جَاهٍ قَدْ يَزُولُ، بَلِ النَّجَاةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ النَّجَاةُ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) آل عمران:185
وهَذَا السُّؤَال (مَا النَّجَاةُ؟؟): هُوَ سُؤَالُ الْعُمُرِ، وَهو مَطْلَبُ كُلِّ لَبِيبٍ، وَغَايَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ، (مَا النَّجَاةُ؟): هُوَ التَّسَاؤُلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقْلَقَ لَهُ مَضْجَعُكَ، فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَتَلَاطَمَتْ فِيهِ أَمْوَاجُ الضَّلَالِ، فالنَّجَاةُ هِيَ الْفَوْزُ بِرِضَا الرَّحْمَنِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ سَخَطِهِ، فِي يَوْمٍ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً، ففي حديث المرور على الصراط، كما في الصحيحين: قال صلى الله عليه وسلم: (فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
وهَذَا السُّؤَال (مَا النَّجَاةُ؟؟): هُوَ مَحْضُ الْحِكْمَةِ، وَجِمَاعُ الْخَيْرِ؛ فَالنَّجَاةُ: هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي شَمَّرَ لَهَا السَّالِكُونَ، وَبَذَلَ فِيهَا الْمُهَجَ الصَّادِقُونَ، وَإِنَّنَا فِي وَسْطَ زِحَامِ الْحَيَاةِ، وَتَسَارُعِ فِتَنِهَا، نَحْتَاجُ إلى أَنْ نَقِفَ مَعَ هَذِهِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةِ بِتَفَصُّلٍ وَتَدَبُّرٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ وَضَعَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جَوَابِهِ ثَلَاثَةَ أَرْكَانٍ للنجاة، لَا مَحِيدَ عَنْهَا، لِمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فِي زَمَنِ الفِتَنِ، فهِيَ طَوْقُ السَّلَامَةِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ لُجَّةَ هَذِهِ الدُّنْيَا بِأَمَانٍ:
أَوَّلاً: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ»، فَقَدْ بَدَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ بَلَاءٍ، فكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْرَدَتْ صَاحِبَهَا المَهَالِكَ؟، وكَمْ مِنْ فِتْنَةٍ أُوقِدَتْ بِسَبَبِ قِيلَ وَقَالَ؟، ففِي زَمَنِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الَّذِي نَعِيشُهُ، صَارَ اللِّسَانُ يَكْتُبُ كَمَا يَنْطِقُ، وَصَارَتِ الكَلِمَةُ تَبْلُغُ الآفَاقَ فِي لَحْظَةٍ، فالنَّجَاةُ أَنْ تَصْمُتَ حِينَ يَتَكَلَّمُ الغَافِلُونَ، وَأَنْ تَذْكُرَ اللهَ حِينَ يَلْغُو اللَّاغُونَ، فمَنْ ضَبَطَ لِسَانَهُ فَقَدْ حَازَ نِصْفَ النَّجَاةِ، وفي سنن الترمذي: قال صلى الله عليه وسلم: (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».
«أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ»: فهَذَا الْعُضْوُ الصَّغِيرُ حَجْمُهُ، الْعَظِيمُ جُرْمُهُ، هُوَ أَكْبَرُ مَنَافِذِ الْهَلَاكِ، لذا قَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري].
فَإِذَا رَأَيْتَ الْفِتَنَ قَدْ أَطَلَّتْ بِرَأْسِهَا، وَكَثُرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ، فَاعْلَمْ أَنَّ النَّجَاةَ فِي الصَّمْتِ، إِلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أو نهي عن منكر، قال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) النساء:114،
فالنَّجَاة تَكْمُنُ فِي لِجَامِ هَذَا الْعُضْوِ؛ فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ، أَوْ يَصْمُتُ عَنْ شَرٍّ يُبْعِدُكَ عَنْهُ، وتَأَمَّلُوا حَالَ مَنْ يَخُوضُونَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَيَنْهَشُونَ لُحُومَ إِخْوَانِهِمْ بِالْغِيبَةِ، وَيُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ بِالنَّمِيمَةِ؛ فهَؤُلَاءِ قَدْ أَوْبَقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَهَالِكَ الشَّقَاءِ، ففي مسند أحمد: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَرَى أَنْ تَبْلُغَ حَيْثُ بَلَغَتْ يَهْوِى بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً»، فكيف النَّجَاةُ لِمَنْ لَا مِقْوَدَ لِلِسَانِهِ؟0
ومن سبل النجاة كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»: وَهَذه لَيْسَت دَعْوَةً لِلِانْعِزَالِ التَّامِّ ،بَلْ هيَ دَعْوَةٌ لِلْفِرَارِ مِنَ الفِتَنِ، وَالخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي، فالنَّجَاةُ أَنْ تُقْبِلَ عَلَى شَأْنِكَ، وَأن تُصْلِحَ بَيْتَكَ، وَأَهْلَكَ، وَأن تَبْتَعِدَ عَنْ مَجَالِسِ الغِيبَةِ، وَالسُّخْرِيَةِ، حِينَ تَمُوجُ الفِتَنُ كَمَوْجِ البَحْرِ، فيَكُونُ البَيْتُ مِحْرَاباً لِلْعِبَادَةِ، وَمَلَاذاً لِلسَّكِينَةِ، ففي سنن أبي داود: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَالَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ «الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ».
«وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»: فالنَّجَاةُ فِي أَنْ يَكُونَ بَيْتُكَ مَأْوَاكَ، الذِي تَعْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ، وَتَحْمِي فِيهِ نَفْسَكَ وَأَهْلَكَ مِنْ شُرُورِ الْمُجْتَمَعِ، وَسُمُومِ الشَّاشَاتِ، وَالْمَوَاقِعِ الاباحية، والساقطة، «وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»: فارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ، وَاقْنَعْ بِحَالِكَ، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مُتِّعَ بِهِ الْفُجَّارُ، وَالْمُتْرَفُونَ، فَمَنْ وَسِعَهُ بَيْتُهُ بِقَنَاعَةٍ وَطَاعَةٍ، فَقَدْ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.
«وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»: فَإِذَا لَمْ يَسَعْكَ بَيْتُكَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْلِكْ إِرَادَةً لِإِغْلَاقِ مَنَافِذِ الشَّرِّ عَنْ قَلْبِكَ، فَأَنْتَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، ففي مسند أحمد: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قَالَ قُلْتُ مَنْ هَؤُلاَءِ قَالُوا خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ»
«وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ» أَيْ: لِيَكُنْ أُنْسُكَ بِرَبِّكَ فِي خَلْوَتِكَ، وَلْتَكُنْ عِمَارَةُ دَارِكَ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ، أَهَمَّ عِنْدَكَ مِنْ تَتَبُّعِ أَخْبَارِ الْغَافِلِينَ، فمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ لِيُحْسِنَ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهِ، وَيَصُونَ نَفْسَهُ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ، فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكَ النَّاجِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومن سبل النجاة كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»: وَهَذَا هُوَ عُمْقُ النَّجَاةِ؛ أَنْ تَنْشَغِلَ بِعُيُوبِكَ عَنْ عُيُوبِ الخَلْقِ، فمَنْ مِنَّا بِلَا خَطِيئَةٍ؟، ومَنْ مِنَّا يَضْمَنُ أَنْ يُقْبَلَ عَمَلُهُ؟، فالنَّجَاةُ فِي “الِانْكِسَارِ” بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ، النجاة في دَمْعَة تَسِيلُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، نَدَماً عَلَى ذَنْبٍ، فهي خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنْ جِبَالٍ مِنَ الطَّاعَاتِ المَشُوبَةِ بِالكِبْرِ، قَالَ ﷺ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [رواه الترمذي]. فبِيَدِكَ مِفْتَاحُ النَّجَاةِ، حِينَ تَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِكَ، وَتَفْتَقِرُ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّكَ.
«وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»: فإِنَّ الْعَبْدَ النَّاجِيَ هُوَ الَّذِي لَا يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِياً عَنِ التَّوْبَةِ، بَلْ يَجْعَلُ مِنْ نَدَمِهِ عَلَى مَا فَرَّطَ سُلَّماً لِلرُّقِيِّ إِلَى مَرَاتِبِ الْقَبُولِ، فكَيْفَ نَضْحَكُ وَذُنُوبُنَا تُثْقِلُ كَاهِلَنَا؟، وَكَيْفَ نَغْفَلُ، وَالْمَوْتُ يَطْلُبُنَا حَثِيثاً؟، فالنَّجَاةُ فِي خَلْوَةٍ وذكر، تَمْحُو بِهَا سِجِلَّاتِ الْغَفْلَةِ، وفي مسند أحمد: «حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)
«وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»: ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ»، فالنَّجَاةُ: أَنْ تَنْظُرَ فِي صَحِيفَتِكَ، وَتَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبِّكَ، وَتَغْسِلَ أَوْزَارَكَ بِدُمُوعِ النَّدَمِ، فكَمْ مَرَّ عَلَيْنَا مِنَ الْأَعْوَامِ وَالذُّنُوبُ تَتَرَاكَمُ؟، وَكَمْ نَسِينَا مَا أَحْصَاهُ اللَّهُ؟، قال الله تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد:16].
ومن سبل النجاة: الصدق مع الله تعالى: وتَأَمَّلُوا فِي قِصَّةِ (كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) وَأَصْحَابِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ فلَمْ يُنْجِهِمْ إِلَّا الصِّدْقُ، حِينَ هَلَكَ المُنَافِقُونَ بِأَعْذَارِهِمُ الكَاذِبَةِ، ففي حديث قبول توبته يقول (كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ): (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِى بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ – صلى الله عليه وسلم – (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ) إِلَى قَوْلِهِ ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْىَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ) إِلَى قَوْلِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) رواه البخاري. فالنَّجَاةُ أَنْ تَكُونَ صَادِقاً مَعَ اللهِ فِي سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ، وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ يَنْظُرُ إِلَى قَلْبِكَ، فَلَا تَجْعَلْ حَظَّكَ مِنْ دِينِكَ مَظَاهِرَ خَاوِيَةً، بَلْ حَقَائِقَ رَاسِخَةً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةَ هِيَ الدُّسْتُورُ الْعَمَلِيُّ، لِمَنْ نَشَدَ النَّجَاةَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَمَنْ ضَبَطَ لِسَانَهُ، وَحَفِظَ وَقْتَهُ فِي بَيْتِهِ، وَطَهَّرَ قَلْبَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَقَدْ مَلَكَ مَفَاتِيحَ السَّلَامَةِ، وَإِنَّمَا يَخَافُ الْمَرْءُ إِذَا خَالَفَ هَذَا الْهَدْيَ، فَرَاحَ يُطْلِقُ لِسَانَهُ فِي كُلِّ نَادٍ، وَيَغْشَى كُلَّ سَبِيلٍ، وَيَنْسَى مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، فَتَمَسَّكُوا بِأَسْبَابِ النَّجَاةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَوْتٌ مُفَاجِئٌ، أَوْ عِلَّةٌ مُقْعِدَةٌ. قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مَا النَّجَاةُ؟؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:52].
فإِذَا أَرَدْتُمْ نَجَاةً تَمْشِي مَعَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ، فَعَلَيْكُمْ بِالقُرْآنِ، فالقُرْآنُ هُوَ “الحَبْلُ المَتِينُ”؛ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ تَرَكَهُ ضَلَّ وَغَوَى، فالنَّجَاةُ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ قَائِدَكَ فِي ظُلُمَاتِ الحَيَاةِ، وَأَنْ تَلْتَزِمَ غَرْزَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران:101]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ» [رواه أبو داود].
فلَا نَجَاةَ بِلَا اعْتِصَامٍ بِالْوَحْيَيْنِ، الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فإِنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَنْشُدُ السَّلَامَةَ فِي دِينِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ “وِرْدٌ” مِنَ الْقُرْآنِ، وَحَظٌّ مِنَ الذِّكْرِ، وَنَصِيبٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واعلموا أِنَّ طَرِيقَ النَّجَاةِ لَيْسَ مَحْفُوفاً بِالْوُرُودِ، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إِلَى جَلَدٍ وَمُصَابَرَةٍ، وَالْعَالَمُ مِنْ حَوْلِنَا يَمُوجُ بِالْمُتَغَيِّرَاتِ، وَالشَّيْطَانُ لَهُ خُطُوَاتٌ لَا تَنْقَطِعُ، فَالنَّجَاةُ الْيَوْمَ فِي تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، ولَا تَغْتَرُّوا بِالْكَثْرَةِ الْهَالِكَةِ، بَلِ الْتَمِسُوا طَرِيقَ الصَّفْوَةِ النَّاجِيَةِ.
وطَرِيق النَّجَاةِ هُوَ طَرِيقُ “الِاسْتِقَامَةِ”: أَنْ تَكُونَ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، لَا كَمَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ. والنَّجَاةُ هِيَ الثَّبَاتُ يَوْمَ تَنْزَلِقُ الْأَقْدَامُ، وَهِيَ الْبَصِيرَةُ يَوْمَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، فَحَفِظَ لِسَانَهُ، وَطَهَّرَ مَكَانَهُ، وَبَكَى عَلَى تَقْصِيرِهِ، فإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، ثُمَّ نَلْقَى رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَأَعِدُّوا لِلِقَائِهِ أَنْفُسًا طَاهِرَةً، وَقُلُوبًا نَاجِيَةً. واعلموا أنَّ الْخَاتِمَةَ هِيَ الْمِعْيَارُ، وَالنَّجَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فَلْيُجَدِّدْ نِيَّتَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، وَلْيَجْعَلْ هَمَّهُ الْآخِرَةَ، سَأَلَ رَجُلٌ أَحَدَ السَّلَفِ: مَتَى يَذُوقُ العَبْدُ طَعْمَ النَّجَاةِ؟ فَقَالَ: “عِنْدَ أَوَّلِ قَدَمٍ يَضَعُهَا فِي الجَنَّةِ”. فاجْعَلُوا النَّجَاةَ هَمَّكُمُ الْأَوَّلَ؛ فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ فَلَا تَنْتَظِرُوا الْمَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَلَا تَنْتَظِرُوا الصَّبَاحَ.
الدعاء
