خطبة حول قوله تعالى ( لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )
فبراير 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (111) التوبة، وقال تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) النساء (95)، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (9) المائدة، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) (68) التوبة، وقال تعالى:(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) يونس (4)، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) النور (55)، وقال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (268) البقرة، وفي سنن الترمذي: (أن أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِهِ»0
إخوة الإسلام
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَمْلأُ القَلْبَ طُمَأْنِينَةً وَيَقِيناً هُوَ العِلْمُ بِأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ، فَالخَلْقُ قَدْ يَعِدُونَ وَيَعْجِزُونَ، أَوْ يَعِدُونَ وَيَغْدِرُونَ، أَمَّا خَالِقُ الخَلْقِ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ جَعَلَ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ صِفَةً لِذَاتِهِ العَلِيَّةِ، وَطَمْأَنَ عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ الِاسْتِفْهَامِيِّ التَّقْرِيرِيِّ: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} (111) التوبة، إِنَّهُ سُؤَالٌ يَحْمِلُ الإِجَابَةَ فِي طَيَّاتِهِ: لَا أَحَدَ أَوْفَى مِنَ اللهِ، وَهَذَا الوَفَاءُ هُوَ الرَّكِيزَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا سَعْيُ المُؤْمِنِ؛ فَهُوَ يَبْذُلُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَقْتَهُ وَهُوَ مُسْتَبْشِرٌ، لِأَنَّ الطَّرَفَ الآخَرَ فِي هَذَا البَيْعِ هُوَ اللهُ، وَالثَّمَنُ هُوَ الجَنَّةُ.
وتَأَمَّلُوا سَعَةَ كَرَمِ اللهِ فِي وُعُودِهِ؛ فَهُوَ يُعْطِي عَلَى المَشَقَّةِ أَعْظَمَ الجَزَاءِ، يَقُولُ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء:95]. فَالَّذِينَ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ لِإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ، وَبَذَلُوا الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ، لَهُمْ مِنَ اللهِ وَعْدٌ بِـ “الحُسْنَى”، وَهِيَ الجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ، وَهَذَا الوَعْدُ لَيْسَ مَحْصُوراً فِي فِئَةٍ دُونَ أُخْرَى، بَلْ هُوَ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الإِيمَانِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة:9].
وَوعْد اللهِ حَقٌّ فِي الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَكَمَا وَعَدَ الطَّائِعِينَ بِالنَّعِيمِ، فَقَدْ أَنْذَرَ المُعْرِضِينَ بِالجَحِيمِ، وَوَعْدُهُ فِي كِلَا الحَالَيْنِ صِدْقٌ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [التوبة:68]. فَلَا يَغْتَرَّنَّ ظَالِمٌ بِإِمْهَالِ اللهِ لَهُ، وَلَا يَيْأَسَنَّ مَظْلُومٌ مِنْ نَصْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ المَعَادَ إِلَيْهِ، وَالحِسَابَ عَلَيْهِ، يَقُولُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس:4].
ووُعُود اللهِ تعالى لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الآخِرَةِ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ حَيَاتَنَا الدُّنْيَا؛ فَالَّذِي يَعْبُدُ اللهَ، وَيُقِيمُ شَرْعَهُ، وَعَدَهُ اللهُ بِالتَّمْكِينِ وَالأَمْنِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]. فَالأَمْنُ وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَا بِالقُوَّةِ المَادِّيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ هُمَا وَعْدٌ مَشْرُوطٌ بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللهِ، أَوْفَى اللهُ لَهُ بِنَصْرِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
والمتدبر لقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» (رواه الترمذي). فانْظُرُوا إِلَى الفَرْقِ بَيْنَ وَعْدِ الخَالِقِ، وَوَعْدِ الشَّيْطَانِ؛ فَإِبْلِيسُ: يَخْذُلُ أَوْلِيَاءَهُ، بِتَخْوِيفِهِمْ مِنَ الفَقْرِ، لِيَمْنَعَهُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَيَجُرَّهُمْ لِلْفَحْشَاءِ، أَمَّا اللهُ الشَّكُورُ: فَيَعِدُكَ مَغْفِرَةً تَمْحُو ذَنْبَكَ، وَفَضْلاً يُغْنِي فَقْرَكَ، وَمِنْ أَعْظَمِ بَشَائِرِ هَذَا الوَعْدِ مَا سَمِعْتُمُوهُ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ فَكَرَمُ اللهِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، حَيْثُ يُدْخِلُ فِئَاماً كَثِيرَةً الجَنَّةَ، بِلَا حِسَابٍ، ولا سابقة عذاب، تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً وتكرما.
(ومَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟؟): وفِي ظِلِّ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي نَعِيشُهَا اليَوْمَ، نَحْتَاجُ أَنْ نُعَمِّقَ اليَقِينَ بِوَعْدِ اللهِ، فإِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا، فَتَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ وَعَدَ الصَّابِرِينَ بِأَجْرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِذَا خِفْتَ عَلَى رِزْقِكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، فالثِّقَة بِوَعْدِ اللهِ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الثَّبَاتَ فِي المِحَنِ، وَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ العَبْدَ يَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ وَالمَقَالِ: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب:22]. فاسْتَمْسِكُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ رَبَّكُمْ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِهِ يُوفِ بِعَهْدِكُمْ، فاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ اليَقِينَ بِوَعْدِكَ، وَالتَّصْدِيقَ بِكِتَابِكَ، واجْعَلْنَا مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفاً الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا سابقة عَذَابٍ، وثَبِّتْنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَأَعِزَّنَا بِالتَّمْكِينِ، وَبَدِّلْ خَوْفَنَا أَمْناً، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟)(111) التوبة: فَرَبُّ العَالَمِينَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الوَفَاءَ تَفَضُّلًا وَتَكَرُّمًا، وهو سبحانه (إذا وعد وفى، وإذا توعد عفى)، وقد تَنَوُّعت الوُعُود الرَّبَّانِيَّة لِعِبَادِهِ: فمنها: وَعْدُ الفَوْزِ بِالبَيْعِ الرَّابِحِ: يَقُولُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(111) التوبة، ففي هذا الوعد المُشْتَرِي هُوَ اللهُ، وَالثَّمَنُ هُوَ الجَنَّةُ، وَالبِضَاعَةُ هِيَ أَنْفُسُكُم، فَمَنْ بَاعَ لِلَّهِ نَفْسَهُ بِالطَّاعَةِ، وَمَالَهُ بِالصَّدَقَةِ، فَقَدْ ضَمِنَ أَوْفَى الوَفَاءِ.
ومن وعود الله تعالى لعباده المؤمنين: وَعْدُ المَغْفِرَةِ وَالأَجْرِ لِأَهْلِ العَمَلِ: يَقُولُ تَعَالَى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (9) المائدة. فهَذَا الوَعْدُ لَا يَتَخَلَّفُ لِكُلِّ مَنْ قَرَنَ الإِيمَانَ بِالعَمَلِ؛ مَغْفِرَةٌ تَمْحُو الذُّنُوبَ، وَأَجْرٌ يَبْنِي القُصُورَ.
ومن وعود الله تعالى لعباده المؤمنين: وَعْدُ الِاسْتِخْلَافِ وَالتَّمْكِينِ لِلأُمَّةِ: فلَا تَيْأَسُوا مِنْ حَالِ الأُمَّةِ اليَوْمَ، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ} النور (55). فهُوَ وَعْدٌ بِالتَّمْكِينِ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، وَبِالأَمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، وَلَكِنَّ شَرْطَهُ: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} النور (55). ومن وعود الله تعالى لعباده المؤمنين: وَعْدُ البَعْثِ وَالحِسَابِ: لَا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ أَنَّ المَوْتَ نِهَايَةٌ، بَلْ هُوَ بِدَايَةٌ لِلْوَفَاءِ بِوَعْدِ الحِسَابِ؛ {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يونس (4).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وفِي طَرِيقِ هَذِهِ الوُعُودِ الإِلَهِيَّةِ، هُنَاكَ عَدُوٌّ يَقِفُ بِالوَعْدِ الكَاذِبِ لِيَصْرِفَكُمْ عَنْ جَادَّةِ الصَّوَابِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} (268) البقرة. فوَعْدُ الشَّيْطَانِ: خَوْفٌ، وَفَقْرٌ، وَبُخْلٌ، وَتَشْكِيكٌ فِي نَصْرِ اللهِ. وَوعْدُ الرَّحْمَنِ :سَعَةٌ، وَفَضْلٌ، وَمَغْفِرَةٌ، وَكَرَامَةٌ.
وَانْظُرُوا إِلَى سَعَةِ هَذَا الفَضْلِ فِي البُشْرَى النَّبَوِيَّةِ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي». هَذَا هُوَ الرَّجَاءُ العَظِيمُ، وَهَذَا هُوَ الكَرَمُ الَّذِي لَا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ.
ولَكِنَّ الحَذَرَ الحَذَرَ -يَا عِبَادَ اللهِ- مِمَّنْ سَمِعَ هَذِهِ الوُعُودَ ثُمَّ أَعْرَضَ! فَكَمَا أَنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا بِالنَّعِيمِ، فَإِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ وَعْدًا بِالجَحِيمِ: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ} (68) التوبة.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟)(111) التوبة: فإن العَيْش فِي كَنَفِ وَعْدِ اللهِ يُزِيلُ القَلَقَ وَالتَّوَتُّرَ، فمَنْ صَدَقَ اللهَ فِي الوَعْدِ، صَدَقَهُ اللهُ فِي العَطَاءِ، فالله تعالى إذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى، ولمن أعطى، ولا يضيع من لاذ به والتجأ، فهو الغني عن الوسائل والشفعاء!، أعطانا فوق الكفاية، وكلفنا دون الطاقة، ومنحنا سعادة الأبد، في مقابل عمل قليل في الزمن، والمُجَاهِدَ الَّذِي بَذَلَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ، وَالمُؤْمِنَ الَّذِي صَبَرَ عَلَى ابْتِلَائِهِ، كُلُّهُمْ يَنْتَظِرُونَ وَعْدَ مَنْ لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (رواه البخاري ومسلم).
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَدَقَكَ العَهْدَ فَأَوْفَيْتَ لَهُ الوَعْدَ، واجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِخْلَافِ وَالتَّمْكِينِ، وَمِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ. وانْصُرْ إِخْوَانَنَا المُجَاهِدِينَ المُرَابِطِينَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ أَمْنًا وَنَصْرًا تَمْحُو بِهِ خَوْفَهُمْ. وثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ حَتَّى نَلْقَاكَ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
