خطبة عن (عُلُوِّ الهِمَّةِ)
يناير 5, 2026خطبة عن (سَبِيلُ اللَّهِ وسُبُلُ الشَّيْطَانِ)
يناير 6, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (49) المائدة، (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (49) المائدة، وبداية: فإِنَّ الفِسْقَ فِي لُغَةِ العَرَبِ: (هُوَ الخُرُوجُ)، وَفِي الشَّرْعِ: (هُوَ الخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ)، وَقَدْ سَمَّى اللهُ إِبْلِيسَ فَاسِقاً حِينَ خَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، فقال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} الكهف:50،
والقرآن الكريم أخبرنا أن الغالبية من البشر ينطبق عليهم هذا الوصف الذميم، والخلق السيئ، فقال تعالى: (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (49) المائدة، وهذا لَيْسَ اِتِّهَاماً لِلْخَلْقِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، تُحَذِّرُنَا مِنْ مَزَالِقِ الكَثْرَةِ الكَاذِبَةِ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ أَيُّهَا المُسْلِمُ كَثْرَةُ الهَالِكِينَ، وَلَا تُوحِشَنَّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ؛ فَإِنَّ الكَثْرَةَ فِي القُرْآنِ غَالِباً مَا جَاءَتْ فِي مَقَامِ الذَّمِّ، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف:103، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الاعراف: (187)، وقال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (243) البقرة، وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الأنعام (116)،
والْفِسْقُ يَبْدَأُ بِنُكْتَةٍ سَوْدَاءَ فِي الْقَلْبِ حِينَ يَتَهَاوَنُ الْمَرْءُ بِمَعْصِيَةٍ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ يَقُومُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَانْتِهَاكِ الْمُحَرَّمَاتِ، حَتَّى يَصِلَ بِصَاحِبِهِ إِلَى مَرَاحِلِ الضَّلَالِ الْبَعِيدِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
والسؤال: مَنْ هُمْ أَهْلُ الفِسْقِ وَالضَّلَالِ؟، والجواب: إِنَّهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَقَطَعُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَأَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ بعد إصلاحها، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً، وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا، والفَاسِقُ هُوَ مَنْ يَعْلَمُ الحَلَالَ فَيَجْتَنِبُهُ، وَيَعْلَمُ الحَرَامَ فَيَرْتَعُ فِيهِ، جُرْأَةً عَلَى اللهِ، وأَهْلُ الفِسْقِ هُمُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الفَضِيلَةَ، وَيَنْشُرُونَ الرَّذِيلَةَ، تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ بَرَّاقَةٍ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة:67]. وأَهْلُ الفِسْقِ: هم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (47) المائدة
وخَطَر أَهْلِ الفِسْقِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بَلْ هُمْ كَالسُّوسِ يَنْخَرُ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ، يُلْبِسُونَ البَاطِلَ لِبَاسَ الحَقِّ، وَيَدْعُونَ إِلَى التَّحَلُّلِ مِنَ القِيَمِ بِاسْمِ “الحُرِّيَّةِ”، وَإِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الشَّرْعِ بِاسْمِ “التَّنْوِيرِ”، وَمِنْ أَعْظَمِ جَرَائِمِ الْفُسَّاقِ: أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ جَرَّ الْمُجْتَمَعِ إِلَى مَسْتَنْقَعَاتِهِمْ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَسِيرُونَ خَلْفَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
وخُطُورَة الْفِسْقِ تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ يَحْرِمُ الْعَبْدَ مِنْ نُورِ الْهِدَايَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، وَالْفَاسِقُ يَعِيشُ فِي ظُلْمَةٍ، فَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّارِّ، وَيَصِيرُ هَمُّهُ إِشْبَاعَ نَزَوَاتِهِ، وَلَوْ عَلَى حِسَابِ دِينِهِ وَقِيَمِهِ،
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُفْتُونُ بِمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ!، فلَا تَغْتَرَّ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ، وَلَا بِكَثْرَةِ السَّالِكِينَ لِطُرُقِ الْغَوَايَةِ؛ فَإِنَّ النَّارَ مَوْعِدُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة:18].
وَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنْ طَاعَتِهِمْ فَقَالَ تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. فَإِذَا كَثُرَ الخَبَثُ فِي المُجْتَمَعِ، وَسَكَتَ أَهْلُ الحَقِّ، آذَنَ ذَلِكَ بِهَلَاكِ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ؛ فَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الفَاسِقَ مَحْرُومٌ مِنْ هِدَايَةِ التَّوْفِيقِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة:24. فَهِيَ عُقُوبَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، تَقُودُ إِلَى الخِزْيِ فِي الدُّنْيَا، وَالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ، وانْظُرُوا إِلَى مَصَارِعِ الأُمَمِ الغَابِرَةِ، مَا أَهْلَكَهُمْ إِلَّا فِسْقُهُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَقَدْ بَغَوْا وَتَجَبَّرُوا، فَقَالَ اللهُ فِيهِمْ: {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة:59]. فَاحْذَرُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنْ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، أَوْ أَنْ تَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ، فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.
وتَأَمَّلُوا فِي نِهَايَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ؛ حِينَ يُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف:20]. فهُنَا يَنْكَشِفُ الغِطَاءُ، وَيَعْلَمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَهْلَ الفِسْقِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
والوَاجِب عَلَيْنَا اليَوْمَ هُوَ التَّمَسُّكُ بِحَبْلِ اللهِ المَتِينِ، وَالِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ، فِي وَجْهِ أَمْوَاجِ الفِسْقِ العَاتِيَةِ، فرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى تَعْظِيمِ الحُرُمَاتِ، وَحَذِّرُوهُمْ مِنْ رُفَقَاءِ السُّوءِ وَدُعَاةِ الضَّلَالِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّجَاةَ فِي هَذَا الزَّمَنِ: هِيَ فِي الغُرْبَةِ الَّتِي مَدَحَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» [رواه مسلم].
والْوَاجِب عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي زَمَنِ فَشْوِ الْفِسْقِ: التمسك بِحَبْلِ اللَّهِ، وَالْحَذَرُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، مُخَالَطَةَ رِضًا وَإِقْرَارٍ، فإِنَّ الْبُعْدَ عَنْ مَجَالِسِ الْفُسَّاقِ صِيَانَةٌ لِلْقَلْبِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ رَغْمَ غُرْبَتِهِ هُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ، فكُنْ كَالْغَيْثِ أَيْنَمَا وَقَعَ نَفَعَ، وَلَا تَكُنْ إِمَّعَةً تَمِيلُ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، فَالْقِيَامَةُ قَرِيبَةٌ، وَالْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ آتٍ، وَسَيُسْأَلُ كُلُّ عَبْدٍ عَمَّا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، قال الله تعالى :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر:19].
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاسْأَلُوهُ الثَّبَاتَ، وَتَبَرَّؤُوا مِنْ طَرِيقِ الفَاسِقِينَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ؛ عَسَى اللهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، تُطَهِّرُنَا مِمَّا سَلَفَ، وَتَعْصِمُنَا فِيمَا بَقِيَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:165]. وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» [رواه الترمذي]. فعِقَاب أهل الْفِسْقِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْآخِرَةِ، بَلْ تَعْجِيلُ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، حِينَ يَظْهَرُ الْفَسَادُ وَلَا يُنْكَرُ، فَالْقَحْطُ، وَتَسَلُّطُ الْأَعْدَاءِ، وَنَزْعُ الْبَرَكَةِ، وَشَتَاتُ الْأَمْرِ؛ كُلُّهَا آثَارٌ لِلْخُرُوجِ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ،
وَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْمُجْتَمَعُ: هُوَ أَنْ يُصْبِحَ الْفِسْقُ مَأْلُوفاً، وَأَنْ يُصْبِحَ الدِّينُ وَالتَّقْوَى مَحَلَّ سُخْرِيَةٍ، هُنَا يَنْزِلُ مَقْتُ اللَّهِ، وَيَحِقُّ الْقَوْلُ، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ غَرِقَ فِي لُجَجِ الْفِسْقِ، فَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- يَدْعُو الْمُسْرِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِلْإِنَابَةِ والتوبة قَبْلَ غَرْغَرَةِ الْمَوْتِ، أَوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَمَنْ كَانَ يَسِيرُ فِي رَكْبِ الضَّالِّينَ، فَلْيَنْزِعْ عَنْ غَيِّهِ، وَلْيَحْذَرْ صُحْبَةَ السُّوءِ، الَّتِي تُزَيِّنُ لَهُ الْقَبِيحَ، وَلْنَعْلَمْ جَمِيعاً أَنَّ الْعِزَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالذِّلَّةَ فِي مَعْصِيَتِهِ.
ولْنَحْمِ بُيُوتَنَا وَأَبْنَاءَنَا مِنْ مَوْجَاتِ التَّغْرِيبِ وَالْإِفْسَادِ، الَّتِي تُرِيدُ سَلْخَهُمْ عَنْ هُوِيَّتِهِمْ، ولْنُرَبِّهِمْ عَلَى أَنَّ الْقُدْوَةَ رسول الله ﷺ وَصَحَابَتهُ، لَا بأَهْل الْفَنِّ وَالْمُجُونِ وَأَرْبَاب الشَّهَوَاتِ، واعلموا إِنَّ الْقَابِضَ عَلَى دِينِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، وَلَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِشِدَّةِ الْفِتَنِ وَقِلَّةِ النَّاصِرِ.
فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَبَصِيرَتَنَا مِنَ الضَّلَالِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلِ الْكَفَرَةَ وَالْفَسَقَةَ وَالْمُشْرِكِينَ. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8].
الدعاء
