خطبة عن (كَيْفَ أَنْتُمْ؟)
يناير 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (22)، (24) الحشر، وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة:255]. وفي سنن أبي داود: (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْرَابيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جُهِدَتِ الأَنْفُسُ وَضَاعَتِ الْعِيَالُ وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ» وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ «وَيْحَكَ إِنَّهُ لاَ يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا». وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ «وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ».
إخوة الإسلام
إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ اللَّهِ -جَلَّ جَلَالُهُ- هُوَ أَشْرَفُ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَتُهُ سبحانه هِيَ أَصْلُ الدِّينِ، وَغَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ، فاللَّهُ الَّذِي نَعْبُدُهُ هُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ، وهُوَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا الْكَوْنَ الْفَسِيحَ، بِمَا فِيهِ مِنْ مَجَرَّاتٍ وَأَفْلَاكٍ، لِيَدُلَّنَا عَلَى قُدْرَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر:57].
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي: «وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: كَلِمَةٌ قَالَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، لِيَهُزَّ بِهَا أَرْكَانَ الغَفْلَةِ فِي القُلُوبِ، فاللهُ الَّذِي نَعْبُدُهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اسْمٍ نَلْهَجُ بِهِ، بَلْ هُوَ ذَاتٌ عَالِيَةٌ، لَهَا صِفَاتُ الجَلَالِ وَالكَمَالِ، الَّتِي تَقْصُرُ دُونَهَا العُقُولُ، فالله تعالى هُوَ العَظِيمُ، الَّذِي تَصَاغَرَ كُلُّ عَظِيمٍ عِنْدَ عَظَمَتِهِ، وَهو العَزِيزُ، الَّذِي ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، وهُوَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،
وهَلْ تَأَمَّلْتُمْ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: في الحديث المتقدم: «شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ»؟، فبَعْض النَّاسِ يَتَعَامَلُونَ مَعَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَكَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ، وَهَيْهَاتَ!، فَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ، وَالكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ، كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ، وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ – رضي الله عنه – قَالَ جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر:67
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ
«أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ: هُوَ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ، الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فانْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ وَرِفْعَتِهَا، وَالأَرْضِ وَبِسَاطِهَا، وَالجِبَالِ وَأَوْتَادِهَا؛ فكُلُّ ذَرَّةٍ فِي هَذَا الكَوْنِ تُنَادِي: (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك).
«أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: فالله تعالى هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَثَاقِيلَ الجِبَالِ، وَمَكَايِيلَ البِحَارِ، وَعَدَدَ قَطْرِ الأَمْطَارِ، وَعَدَدَ وَرَقِ الأَشْجَارِ، وَعَدَدَ مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ، قَالَ تَعَالَى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام:59]. فَهَلْ يَسْتَحْضِرُ قَلْبُكَ هَذِهِ العَظَمَةَ وَأَنْتَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِكَ؟.
«أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: فهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، إِذَا بَطَشَ فَبَطْشُهُ شَدِيدٌ، وَإِذَا أَمْسَكَ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وتَأَمَّلُوا فِي صِفَةِ العَرْشِ، الَّذِي يَئِطُّ مِنْ عَظَمَةِ الجَبَّارِ؛ فإِنَّ العَرْشَ -عَلَى عِظَمِ خَلْقِهِ- يَهْتَزُّ وَيَصْدُرُ لَهُ صَوْتٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيدِ تَحْتَ الرَّاكِبِ الثَّقِيلِ، وَذَلِكَ مِنْ ثِقَلِ عَظَمَةِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَوْقَهُ، وفي سنن الترمذي وابن ماجه: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ. وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ». وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ.
«أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: فَهُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَالْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَالْقَهَّارُ الَّذِي خَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ. (إِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فِي كُرْسِيِّهِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ) [رواه البيهقي في الأسماء والصفات].
وهَذَا الإِلَهُ الْعَظِيمُ يَسْمَعُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. «أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: هُوَ القَيُّومُ الَّذِي لَا تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا بِأَمْرِهِ، فقِيَامُ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ بِيَدِهِ، وَرِزْقُ كُلِّ دَابَّةٍ عَلَيْهِ، ولَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَلَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الأَصْوَاتُ، مَعَ كَثْرَةِ اللُّغَاتِ، وَاخْتِلَافِ الحَاجَاتِ، وهو يَسْمَعُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وهُوَ اللهُ الَّذِي لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الأَرْضِ، مَنْ بَدَأَهُمْ إِلَى نِهَايَتِهِمْ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، فَلِمَاذَا نَصْرِفُ وُجُوهَنَا لِغَيْرِهِ؟ وَلِمَاذَا نَخْشَى أَحَدًا سِوَاهُ؟
«أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» [رواه مسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
«وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: فهُوَ الَّذِي تَعَبَّدَنَا بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لِنَعْرِفَهُ فَنُحِبَّهُ، وَلِنَخْشَاهُ فَنُطِيعَهُ ،فإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ “الحَيُّ” أَدْرَكْتَ فَنَاءَ غَيْرِهِ، وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ “الرَّزَّاقُ” انْقَطَعَ تَعَلُّقُكَ بِالبَشَرِ، وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ “اللَّطِيفُ” اطْمَأْنَنْتَ لِقَدَرِهِ، وأَعْظَمَ مَا تُعَمَّرُ بِهِ القُلُوبُ هُوَ تَعْظِيمُ اللهِ؛ فَالقَلْبُ الَّذِي يَعْرِفُ مَن هُوَ اللهُ، لَا يَذِلُّ لِظَالِمٍ، وَلَا يَنْحَنِي لِطَاغِيَةٍ، وَلَا يَضِيقُ بِرِزْقٍ، لِأَنَّهُ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
إِنَّ اللَّهَ -جَلَّ جَلَالُهُ- لَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ كَيْفِيَّةً، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ رُؤْيَةً فِي الدُّنْيَا، لِعِظَمِ نُورِهِ وَجَلَالِهِ، ففي صحيح مسلم: يَقُولُ ﷺ عَنْ رَبِّهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهَذَا الْإِلَهُ الْعَظِيمُ، يَسْمَعُ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ، بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ، فَلَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا تُغَلِّطُهُ كَثْرَةُ الْمَسَائِلِ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ. ومَعْرِفَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ فِي الْقَلْبِ؛ فَلَا يُعْصَى أَمْرُهُ، وَلَا يُنْسَى ذِكْرُهُ، فوَيْحَكَ أيها العاصي!، أَتَدْرِي مَنِ الَّذِي تَعْصِيهِ؟، إِنَّكَ تَعْصِي مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِنَّكَ تَعْصِي مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا التَّعْظِيمِ؟ وَأَيْنَ قُلُوبُنَا مِنْ هَيْبَةِ الْجَبَّارِ؟ {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح:13-14]. فَيَا مَنْ عَرَفْتَ عَظَمَةَ اللهِ، اجْعَلْ لَهُ فِي قَلْبِكَ المَكَانَةَ الأَسْمَى، وَلَا تُقَدِّمْ عَلَى أَمْرِهِ هَوًى، وَلَا عَلَى طَاعَتِهِ غَرَضًا، فسُبْحَانَ مَنْ عَزَّ فَارْتَفَعَ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ وَخَضَعَ.
إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا غَفَلَ عَنْ عَظَمَةِ خَالِقِهِ، تَهَاوَنَ فِي أَمْرِهِ، وَاجْتَرَأَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَمَا هَذِهِ الكلمات، إِلَّا وَقْفَةُ إِجْلَالٍ لِمَنْ لَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،
وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟: هُوَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا الْكَوْنَ الْعَظِيمَ، الَّذِي لَا نَرَى مِنْهُ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، فتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بِاتِّسَاعِهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ نُجُومٍ وَمَجَرَّاتٍ، فكُلُّهَا فِي قَبْضَةِ الرَّحْمَنِ، وإِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ عَلَى عِظَمِهَا تَئِطُّ مِنْ ثِقَلِ جَلَالِهِ، فَمَا بَالُ قُلُوبِ الْبَشَرِ لَا تَخْشَعُ؟
«وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: هُوَ الَّذِي إِذَا نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، نَادَى بِيَدِهِ الْمَبْسُوطَةِ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، (وهُوَ الَّذِي يَطْوِي السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» [رواه البخاري]. فأَيْنَ مَنْ نَازَعُوهُ فِي عِظَمَتِهِ؟، وأَيْنَ مَنْ طَغَوْا فِي أرضه؟، كُلُّهُمْ صَاغِرُونَ حَقِيرُونَ أَمَامَ كِبْرِيَائه وعظمته.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
«وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» [رواه أبو داود].
فَهُوَ الْعَظِيمُ الَّذِي يَرَى مَعَاصِيَ الْعِبَادِ، وَمُبَارَزَتَهُمْ لَهُ بِالذُّنُوبِ، فَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، بَلْ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وهُوَ الَّذِي يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ أَشَدَّ مِنْ فَرَحِ الْوَاجِدِ لِرَاحِلَتِهِ بَعْدَ فَقْدِهَا فِي أَرْضٍ مَهْلَكَةٍ، فعَظَمَتُهُ فِي إِحْسَانِهِ، وَجَلَالُهُ فِي كَرَمِهِ.
ومَعْرِفَة اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، هِيَ الْعِلْمُ الْأَكْبَرُ، فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ “الْقَيُّومُ” أَدْرَكْتَ أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ لَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ “اللَّطِيفُ” أَيْقَنْتَ أَنَّ تَدْبِيرَهُ لَكَ فِيهِ مِنَ الْخَفَاءِ مَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُكُمُ الْقَاصِرَةُ،
فوَيْحَكَ! كَيْفَ تَعْصِي مَنْ نَاصِيَتُكَ بِيَدِهِ؟ وَكَيْفَ تَنْسَى مَنْ رِزْقُكَ عِنْدَهُ؟ فتَعْظِيم اللَّهِ يَسْتَوْجِبُ إِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ، وَالْخَوْفَ مِنْ سَخَطِهِ، وَالرَّجَاءَ فِي مَثُوبَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام:102].
ومَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِجَلَالِهِ، أَحَبَّهُ لِجَمَالِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فعِظَمُ قُدْرَتِهِ لَا يَمْنَعُ لُطْفَهُ بِعِبَادِهِ، وَكِبْرِيَاؤُهُ لَا يَحُولُ دُونَ قُرْبِهِ مِنِ الدَّاعِينَ، وهُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهو الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَهو الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَهو الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ.
«وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: إِنَّ الثَّمَرَةَ الْعُظْمَى لِمَعْرِفَةِ الله: هِيَ الِاسْتِسْلَامُ التَّامُّ لَهُ، وَالثِّقَةُ بِمَا عِنْدَهُ، وَالْخَوْفُ مِنْ مَقَامِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ عِظَمُ اللَّهِ فِي قَلْبِكَ، صَغُرَ كُلُّ جَبَّارٍ فِي عَيْنِكَ، وَهَانَتْ عَلَيْكَ مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلْتَ عَلَى الطَّاعَةِ بِرُوحٍ مُشْتَاقَةٍ، وَقَلْبٍ خَاشِعٍ، واعْمَلُوا لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تُعْرَضُونَ فِيهِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
مَنْ تَمَكَّنَ تَعْظِيمُ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ، صَارَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ أَصْغَرَ مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، وَانْكَسَرَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ انْكِسَارَ الْمُخْبِتِينَ، ولَا يَرْكَنُ إِلَى مَخْلُوقٍ، وَلَا يَخْشَى فَقْرًا، وَلَا يَهَابُ ظَالِمًا؛ لِأَنَّهُ مَعَ “الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ”.
فلِنَجْعَلْ حَظَّنَا مِنْ هَذِهِ الْكلمات تَجْدِيدَ الْإِيمَانِ، وَإِجْلَالَ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ، فَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ مَقْصُودُ الْعِبَادِ، وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَلَا تَسْكُنُ إِلَّا بِأُنْسِهِ، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
«وَيْحَكَ، أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟»: سؤالٌ لو وُضِع في القلب لاستقامت الجوارح، ولو سكن في العقل لانقادت النفس، ولو حضر في الضمير لانكسرت الشهوات، وسقط الغرور، وخشع الإنسان لربِّ الأرض والسماوات.
الدعاء
