خطبة حول حديث ( آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِى مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً )
مارس 23, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (208)، (209) البقرة. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [رواه البخاري ومسلم].
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع القرآن الكريم، نتدبر الآيات، ونتفهم معانيها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم، مع قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (208) البقرة،
والمتأمّل في هَذا النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ، يَجِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ “آمِنُوا” فَحَسْبُ، بَلْ خَاطَبَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالفِعْلِ، لِيَأْمُرَهُمْ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ؛ وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ الكَامِلُ، و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: هُوَ نِدَاءُ تَشْرِيفٍ وَتَكْلِيفٍ، نَادَى اللهُ به أَهْلَ الإِيمَانِ ليَدْخُلُوا فِي “السِّلْمِ كَافَّةً”، وَالسِّلْمُ هُنَا -كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ- (هُوَ الإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ).
ومَعْنَى {كَافَّةً}: أَيْ ادْخُلُوا فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَاعْمَلُوا بِكُلِّ أَحْكَامِهِ، فلَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ “مُبَعَّضاً” فِي دِينِهِ؛ يَأْخُذُ مَا يُعْجِبُهُ، وَيُوَافِقُ هَوَاهُ، وَيَتْرُكُ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، أَوْ يُخَالِفُ مَصْلَحَتَهُ، فالإِسْلَام كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ؛ فَهُوَ عَقِيدَةٌ فِي القَلْبِ، وَعِبَادَةٌ فِي المِحْرَابِ، وَأَخْلَاقٌ فِي التَّعَامُلِ، وَنِظَامٌ فِي الحَيَاةِ.
وقيل فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنه لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَرَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَرَادُوا أَنْ يُعَظِّمُوا السَّبْتَ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي شَرِيعَتِهِمُ القَدِيمَةِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا أَكْلَ لُحُومِ الإِبِلِ تَنَزُّهاً، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الصَّارِمَةَ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ الإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ مَزْجَ الحَقِّ بِبَقَايَا المَنَاهِجِ المَنْسُوخَةِ، أَوْ الأَهْوَاءِ البَشَرِيَّةِ، هُوَ خَلَلٌ فِي أَصْلِ الِاسْتِسْلَامِ لِلهِ تعالى، فَمَا بَالُنا اليوم نرى أَقْوَاما يَمْزُجُونَ الإِسْلَامَ بِنَظَرِيَّاتٍ غَرْبِيَّةٍ أَوْ شَرْقِيَّةٍ؟، وَمَا بَالُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُطَوِّعَ النَّصَّ القُرْآنِيَّ لِيُوَافِقَ نَزَوَاتِ العَصْرِ؟، فالدُّخُول “كَافَّةً” يَقْتَضِي أَنْ تُخْضِعَ عَقْلَكَ، وَهَوَاكَ، لِلْوَحْيِ، لَا أَنْ تُخْضِعَ الوَحْيَ لِعَقْلِكَ المَحْدُودِ.
فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً): أي: فلَا تَتْرُكُوا شَيْئاً مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ وَأَوَامِرِهِ إِلَّا وَقَدْ لَجَجْتُمْ فِيهِ، فإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَّخِذُ الإِسْلَامَ “ثَوْباً” يَرْتَدِيهِ فِي المَسْجِدِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ نَزَعَهُ، وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَضَعَهُ، وَإِذَا تَعَامَلَ مَعَ الخَصُومِ نَسِيَهُ، وَتَرَى المَرْأَةَ قَائِمَةً لِلَّيْلِ، ولَكِنَّهَا مُتَبَرِّجَةٌ فِي الأَسْوَاقِ، وَتَرَى الرَّجُلَ وَاصِلاً لِلرَّحِمِ، ولَكِنَّهُ ظَالِمٌ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، ولَيْسَ هَذَا هُوَ الدُّخُولُ الكَافَّةَ!، إِنَّمَا الدُّخُولُ الكَافَّةُ: أَنْ يَصْبِغَ الإِسْلَامُ حَيَاتَكَ كُلَّهَا؛ طَعَامَكَ، شَرَابَكَ، مَلْبَسَكَ، كَلَامَكَ، وَحَتَّى نَوَايَاكَ الخَفِيَّةَ، فالإِسْلَام الحَقَّ: هُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِالعَبْدِ فِي ظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ، وفِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ، وفِي غَضَبِهِ وَرِضَاهُ، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162) الأنعام، (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» [رواه البخاري ومسلم].
وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (208) البقرة، وقوله تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة:85]. ففي الآيات صَيْحَةُ نَذِيرٍ لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ “إِسْلَاماً حَسَبَ المَقَاسِ”، فالإسلام يعني، الِاسْتِسْلَام لِلَّهِ تعالى، يَعْنِي: أَنْ نَقُولَ: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، سَوَاءٌ فَهِمَتْ عُقُولُنَا الحِكْمَةَ، أَمْ غَابَتْ عَنَّا،
فالنَّجَاةُ فِي الِانْقِيَادِ الكَامِلِ، فادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فِي بُيُوتِكُمْ؛ بِإِقَامَةِ الشَّرْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَتَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ، وادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فِي أَمْوَالِكُمْ؛ بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الحَرَامِ، وادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فِي أَلْسِنَتِكُمْ؛ بِالصِّدْقِ وَتَرْكِ الغِيبَةِ، فالدُّخُولُ فِي السِّلْمِ “كَافَّةً” يَعْنِي أَنْ يَصْبِغَ الإِسْلَامُ حَيَاتَكَ كُلَّهَا؛ صَلَاتَكَ، وَبَيْعَكَ، وَشِرَاءَكَ، وَأَخْلَاقَكَ، وَعَلَاقَاتِكَ، إِنَّهُ الْتِزَامٌ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، وَإِيمَانٌ لَا يَعْرِفُ التَّرَدُّدَ.
وانْظُرُوا إِلَى وَاقِعِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ؛ فكَمْ مِمَّنْ حَافَظَ عَلَى أَرْكَانِ الإِسْلَامِ الخَمْسَةِ، ولَكِنَّهُ هَدَمَ رُكْنَ “الأَمَانَةِ”؟، وَكَمْ مِمَّنْ صَامَ الهَوَاجِرَ، وَلَكِنَّهُ أَفْطَرَ عَلَى لُحُومِ النَّاسِ بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ؟، إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، لأنَّ السِّلْمَ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ؛ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ عُقُوبَةَ (التَّبَعُّضِ) فِي الدِّينِ، هِيَ “الخِزْيُ فِي الدُّنْيَا”، وَهَلْ تَعِيشُ أُمَّتُنَا اليَوْمَ إِلَّا نَوْعاً مِنَ هذا التَّشَتُّتِ، بِسَبَبِ تَرْكِهَا لِكَثِيرٍ مِنْ بَعْضِ هَذَا السِّلْمِ؟، فحِينَ صَارَ الدِّينُ عِنْدَ البَعْضِ “مَظَاهِرَ”، وَخَلَا مِنْ “المَخَابِرِ”، وَصَارَ “طُقُوساً”، وَخَلَا مِنْ “السُّلُوكِ”، عندها ضَاعَتِ الهَيْبَةُ، وَفُقِدَ التَّمْكِينُ، وفي سنن أبي داود: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ».
فادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً: فطَهِّرُوا القُلُوبَ مِنَ الحِقْدِ وَالغِلِّ وَالرِّيَاءِ، وادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فِي تَعَامُلَاتِكُمُ المَالِيَّةِ؛ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الحَرَامَ يَمْحَقُ بَرَكَةَ الطَّاعَةِ، وادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فِي بُيُوتِكُمْ ؛فَلَا يَكُنِ الرَّجُلُ خَارِجَ البَيْتِ مَلَاكاً وَدَاخِلَهُ جَبَّاراً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ يَأْتِي التَّحْذِيرُ الإِلَهِيُّ، بقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: فإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَأْمُرُكَ بِالكُفْرِ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، بَلْ يَبْدَأُ بِتَزْيِينِ “تَرْكِ بَعْضِ السِّلْمِ”، فيَقُولُ لَكَ مثلا: “هَذِهِ سُنَّةٌ، وَلَيْسَتْ فَرِيضَةً، فَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا”، ثُمَّ يَقُولُ لك: “هَذِهِ مَكْرُوهَةٌ، وَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، فَلَا بَأْسَ بِفِعْلِهَا”، حَتَّى يَتَدَرَّجَ بِكَ إِلَى الوُقُوعِ فِي الحِمَى، فإِنَّ تَرْكَ بَعْضِ أَحْكَامِ الدِّينِ تَهَاوُناً، هُوَ أَوَّلُ “خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ”، فالشَّيْطَانُ يُرِيدُكَ مُجَزَّأً؛ ويُرِيدُ قَلْبَكَ فِي المَسْجِدِ، وَلَكِنَّ عَيْنَكَ فِي الحَرَامِ ،وَأُذُنَكَ فِي اللَّغْوِ، وَيَدَكَ فِي الظُّلْمِ، وَاللهُ يُرِيدُكَ كُلَّكَ لَهُ: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162) الأنعام، وفي الصحيحين: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ».
وتَأَمَّلُوا: لِمَاذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ مِنَ الشَّيْطَانِ، بَعْدَ الأَمْرِ بِالدُّخُولِ فِي الدِّينِ كَافَّةً؟، وذلك لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعْلَمُ أَنَّكَ إِذَا تَرَكْتَ جُزْءاً مِنَ الدِّينِ، فَقَدْ فَتَحْتَ لَهُ ثَغْرَةً يَنْفُذُ مِنْهَا إِلَى قَلْبِكَ، فالشَّيْطَانُ لَا يَقُولُ لَكَ “اتْرُكِ الصَّلَاةَ” دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَبْدَأُ مَعَكَ بِخُطْوَةٍ: “اتْرُكِ السُّنَنَ”، ثُمَّ “أَخِّرِ الفَرِيضَةَ”، ثُمَّ “انْقُرْهَا نَقْرَ المَنَافِقِينَ”، وهَكَذَا هِيَ خُطُوَاتُهُ؛ تَبْدَأُ بِتَرْكِ بَعْضِ “السِّلْمِ” لِتَنْتَهِيَ بِالخُرُوجِ مِنْهُ كُلِّهِ.
وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (208) البقرة، فمن معاني (السِّلْمِ) أَيْضاً (الأَمَانُ)؛ فَالإِسْلَامُ دِينُ السَّلَامِ مَعَ اللهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَدين السَّلَامِ مَعَ النَّفْسِ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَدين السَّلَامِ مَعَ الخَلْقِ بِكَفِّ الأَذَى، فَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا السَّلَامِ الكَامِلِ، عَاشَ فِي صِرَاعٍ مَعَ فِطْرَتِهِ، وَفِي شِقَاقٍ مَعَ خَالِقِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36]. (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [رواه البخاري].
فقوله صلى الله عليه وسلم: (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ): فإِنَّ “حَقَّ الإِسْلَامِ” هُوَ هَذَا الِالْتِزَامُ بالْكَافَّةُ، ونلاحظ الْيَوْمَ أن الْغَزْوُ الْفِكْرِيُّ يُرِيدُ تَمْيِيعَ الدِّينِ، وَحَصْرَهُ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ، مِنَ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ، فالإسلام في نظرهم: مجرد شعائر، وطقوس، داخل المسجد أو المنزل، ولا تدخل له في شئون الحياة، فلا دخل للإسلام في بيعك وشرائك ولا زواجك وتعاملات المالية، أو تعاملاتك الاجتماعية، ولَكِنَّ الرَّدَّ الْحَاسِمَ على هؤلاء: يَكُونُ بِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، فالْتَزِمُوا بِدِينِكُمْ: فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكُمْ، وَفِي تَعَامُلَاتِكُمْ مَعَ جِيرَانِكُمْ، وَفِي إِخْلَاصِكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ، فالإِسْلَامُ لَيْسَ ثَوْبًا نَلْبَسُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَنَنْزِعُهُ بَقِيَّةَ الأُسْبُوعِ، بَلْ هُوَ جَوْهَرٌ يَسْرِي فِي الدِّمَاءِ.
وتَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِ مَنْ سَبَقُونَا؛ وكَيْفَ كَانَ الإِسْلَامُ عِنْدَهُمْ مَنْهَجَ حَيَاةٍ شَامِلًا؟، فلَمْ يَكُنِ الدِّينُ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ طُقُوسٍ تُؤَدَّى، بَلْ كَانَ “سِلْمًا” يَدْخُلُونَ فِيهِ بِكُلِّ جَوَارِحِهِمْ.
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ!: أَتُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُ بِبَعْض؟، أَتُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَأْكُلُ الرِّبَا؟، أَتَصُومُ النَّهَارَ، ثُمَّ تَظْلِمُ الْعِبَادَ فِي اللَّيْل؟، إِنَّ هَذَا التَّنَاقُضَ هُوَ الذِي أَوْرَثَ الأُمَّةَ الضَّعْفَ وَالْهَوَانَ، فالدُّخُولُ فِي السِّلْمِ كَافَّةً يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَوَاكَ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا تَقَدِّمُ قَوْلًا عَلَى قَوْلِ اللهِ، وَلَا هَدْيًا عَلَى هَدْيِهِ، وَالنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي أَنْ نَقُولَ: “سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا” فِي كُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ، وفي كل ما نهى عنه.
واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. “عَزِيزٌ” لَا يُغْلَبُ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِ فَلَنْ يُعْجِزَهُ. وَ”حَكِيمٌ” فِي تَشْرِيعِهِ، فَمَا أَمَرَكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا لِمَصْلَحَتِكُمْ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا لِحِمَايَتِكُمْ. وهو عَزِيزٌ” أَيْ: قَوِيٌّ غَالِبٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَاعَتِكُمْ، وَلَنْ يَضُرَّهُ نُقْصَانُ إِسْلَامِكُمْ، بَلْ أَنْتُمُ المُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ. وَ”حَكِيمٌ” أَيْ: وَضَعَ لَكُمْ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ؛ فَمَا أَمَرَكُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا كَافَّةً إِلَّا لِتَسْعَدُوا كَافَّةً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (208) البقرة، فإِنَّ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ كَافَّةً هُوَ عُنْوَانُ الأَمْنِ وَالأَمَانِ لِلْمُجْتَمَعِ، فَإِذَا الْتَزَمَ النَّاسُ بِدِينِهِمْ جُمْلَةً، سَلِمَتِ الأَعْرَاضُ، وَحُفِظَتِ الأَمْوَالُ، وَاسْتَقَامَتِ الأَخْلَاقُ، والْعَالَم الْيَوْمَ يَتَخَبَّطُ فِي صِرَاعَاتٍ وَقَلَقٍ، لِأَنَّهُ ابْتَعَدَ عَنْ مَنْهَجِ اللهِ الشَّامِلِ، وَنَحْنُ – المسلمين- بَصِفَتِنَا حَمَلَةَ هَذَا الدِّينِ، وَاجِبُنَا أَنْ نُقَدِّمَ الإِسْلَامَ نَمُوذَجًا حَيًّا فِي جَمِيعِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا، فَاجْعَلُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَصَابِيحَ هُدَىً، تَدُلُّ النَّاسَ عَلَى جَمَالِ هَذَا الدِّينِ، بِتَمَسُّكِكُمْ بِكُلِّ جُزْئِيَّاتِهِ وَكُلِّيَّاتِهِ، وكُونُوا مُسْلِمِينَ فِي كُلِّ حِينٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ.
الدعاء
