خطبة حول حديث (فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ)
أبريل 5, 2025خطبة حول حديث ( خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ )
أبريل 5, 2025الخطبة الأولى ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (1) :(7) المدثر
إخوة الإسلام
في هذه الآيات المباركات يأمر الله تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم بما يصلح به ما بينه وبين الله – جل في علاه-، بتكبيره، وتعظيمه، وإجلاله، فإن التعظيمَ أصلٌ لإقامة العبودية لله-عز وجل-، فلا تقومُ العبودية لأحدٍ، ولا تصلح إلا بتعظيم الله -جل في علاه-، فمَن امتلأ قلبه تكبيرًا لله ،وتعظيمًا له؛ حققَ العبودية، فإذا أضيفت إلى ذلك المحبة؛ كمُلَ ما تكمُل به العبادةُ لله -عز وجل-، فإن العبادةَ تقوم على هذين الأصلين، على تمام المحبة لله، وعلى كمال الذُل والخضوع لله ،والذي هو تعظيمه -جل في علاه-، فلا يُمكن أن تتحقق العبودية إلا بكمال الحب لله- عز وجل-، وبكمال الذُل له -سبحانه وبحمده- ولذلك أمره -جل في علاه- بتكبيره، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وهذا التكبير، والتعظيم لله -عز وجل- والإجلال يقتضي الطهارة في الجوهر، والمظهر، وفي القلب، والبدن، ولذلك قال -جل وعلا-:﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقد فُسرَ قول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي قلبك، ونفسك فطهر، وذلك أن أجمل ما يُلبس في القلوب، وتتزين به النفوس، هو طاعة الله -عز وجل-، يقول -جل في علاه-: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ الأعراف (26) ،فذكر الله -تعالى- ما أمتن به على العباد من أنواع الألبسة، التي يسترون بها العورات، ويتجملون بها في المظهر، والصورة، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ :وهذا اللباس أصله في القلب ثم تظهر آثاره، وتبدوا ثِماره، في القول، والعمل، فإن التقوى تكون في القلب، لكنها لا يُمكن أن تتعطل عنها الأقوال، وتتعطل عنها الأعمال، مع إمكانِ الامتثال، بل لابد وأن يظهر الأثر ما لم يكن ثمة مانع، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري ومسلم، من حديث النعمان بن بشير: « أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ .أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ » » فقوله جل وعلا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي طيب بالتقوى، وطهر بالتوحيد، وطهر بكمال الطاعةِ للحي القيوم -جل في علاه- ولا يُمكن أن يطيب الجوهر إلا وينعكس ذلك على المظهر بالطيب، والصلاح، ولهذا قال بعض أهل العلم: هذه الآية تدل على تطهير البدن، وتطهير الثياب، من الأرجاس، والأنجاس، والمستقذرات، فإن ذلك كله مما يُطلب التطهر منه، ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم: (عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ » أي نصفه، والطهور هنا يشمل كل ما تحصل به الطهارة، من إزالة الأخباث، ورفع الأحداث، سواءً كان حدثًا أصغر، أو كان حدثًا أكبر، كله يندرج في قول -صلى الله عليه وسلم-:« الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ » أي نصفه، ونصفه الآخر يكون في القلب، من عمارته بمحبة الله وتعظيمه، والإقبال -جل في علاه-، وبهما يكمُل الإيمان. وقوله تعالى : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) فالرُجْز معناه الدقيق : (الأصنام)، والمعنى الواسع: كلُّ ما سوى الله، فلا تلتفت إلى غير الله، ولا تعتمد على غير الله، ولا تتجه إلى غير الله، ولا تعقد آمالك على غير الله، ولا تتكئ على صديقٍ ولا صاحب، ولا على ولدٍ ولا زوجة، فليكُن اعتمادك على الله وحده. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ” أن الرُجز هو الإثم ” أي إثمٍ ينبغي أن تجتنبه، والإثم هو المعصية، والإثم هو العدوان، والإثم معصيةٌ فيما بينك وبين الله، والعدوان معصيةٌ فيما بينك وبين العباد، فالإنسان إذا ترك الصلاة يأْثم، وإذا أطلق بصره في الحرام يأثم، أما إذا أكل مال الآخرين ظُلماً فقد اعتدى عليهم، فالإثم متعلقٌ فيما بينك وبين الله، والعدوان متعلقٌ فيما بينك وبين الناس. وقوله تعالى : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال الطبري في تفسيره : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها .وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. وقال ابن زيد: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) أي: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وقال ابن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك ،إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته ،وقيل: لا تعمل طاعة وتطلب ثوابها ،ولكن اصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها ،وفي الصحيح واللفظ للبخاري 🙁عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِىَ إِلَىَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ ». فكان صلى الله عليه وسلم يقبلها سنة ،ولا يستكثرها شرعة ;وإذا كان صلى الله عليه وسلم لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب ، لأنها باب من أبواب المذلة ; وكذلك قول من قال : إن معناه لا تعط عطية تنتظر ثوابها ; فإن الانتظار تعلق بالأطماع ; وذلك في حيزه بحكم الامتناع ، وقد قال الله تعالى : {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} طه (131) . وذلك جائز لسائر الخلق ; لأنه من متاع الحياة الدنيا ،وطلب الكسب فيها والتكاثر منها . وأما من قال : أراد به العمل ،أي لا تستكثر به على ربك فهو صحيح ; فإن ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور، لما بلغ لنعم الله بعض الشكر .{ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك [الفضل] عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [عندهم] إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء. فقوله تعالى : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾: فَهَذَا تَوْجِيهٌ من الله تعالى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ في الحَقِيقَةِ تَوْجِيهٌ للأُمَّةِ، أَنْ لَا يُعْطِيَ الإِنْسَانُ العَطِيَّةَ مُلْتَمِسَاً مِمَّنْ أَعْطَاهُ أُعْطِيَةً مِثْلَهَا أَو أَكْثَرَ مِنْهَا وَأَفْضَلَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ العَطَاءُ للهِ تعالى، روى الإمام أحمد عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قَالَ: لَا تُعْطِي شَيْئَاً تَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْهُ. فهل تأمل أحدنا هذه الآية على ضوء سلوكيات البعضٍ منا في تقديم الهدايا التي قد تكون في صورة دعوة إلى عيد ميلاد مثلاً، وهل سمعت أن بعض الفئات يتخصصون في هذا النوع من الحفلات المتكررة؟ أعياد ميلاد، زواج، نجاح أولاد، ترقٍ في الوظيفة، سكن جديد، ومناسبات تحت أي مسمى، ظاهرها الود والمباركة وباطنها تبادل الهدايا وقضاء المصالح، وغالباً ما تكون المصالح غير مشروعة، لكنهم جعلوا حفلاتهم طريقها المشروع. ولربما أدعوك إلى عشاء ظاهره (العيش والملح) وحقيقته ما حذر الله منه بقوله ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ،وما مضمون الرشوة وأساليبها بكل صورها المباشرة وغير المباشرة؟ هل يخرج عما حذر الله منه بقوله ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ؟،
أيها المسلمون
نعم هناك واجبات تفرضها المروءة والأصول لكن لا ينبغي أبداً أن نربطها بمقابل ولو في مثل الموقف والظرف نفسه، فأنت ما وقفت في مناسبات جارك السعيدة وغيرها ليرد ذلك لك وأكثر في مناسباتك، فإذا ما تغيب ولو لعذرٍ أو عجزٍ قلبت عليه الدنيا وعيرته بما قدمت له، هذا من ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، والأولى أن نتخلق بسلوكٍ آخر هو من شيم الكرام ،الذين مدح القرآن سلوكهم، فقال الله تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطعَامَ عَلَى حُبهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً – إِنمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}، أتدري لماذا؟ لأنهم فعلوها تحسباً ليوم يغيث الله فيه الملهوف، وينظر فيه إلى من قدموا الإحسان ابتغاء وجهه، فقالوا بعدها: {إِنا نَخَافُ مِن ربنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}، فكافأهم الله بقوله: {فَوَقَاهُمُ اللهُ شَر ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً – وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنةً وَحَرِيراً} (الإنسان 8 : 12)، فهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتَضَمَّنُ أَصْلَاً عَظِيمَاً مِنْ أُصُولِ الأَخْلَاقِ الاجْتِمَاعِيَّةِ ، التي جَاءَ بِهَا دِينُنَا الحَنِيفُ، إِذِ المَطْلُوبُ مِنَ المُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَ رَبَّهُ مِنْ خِلَالِ مُعَامَلَتِهِ عِبَادَهُ، فَلَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ شَيْئَاً، بَلْ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ يونس 72،. فلَا أَنْ يُعَامِلَ العِبَادَ بِالمَعْرُوفِ طَالِبَاً مِنْهُمُ المُكَافَأَةَ، فَذَلِكَ يُحْبِطُ عِنْدَ اللهِ عَمَلَهُ، وَيُخَيِّبُ أَمَلَهُ. ففي قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. تَرْبِيَةٌ مِنَ اللهِ تعالى، لِأَنْ يَسْلُكَ العَبْدُ أَشْرَفَ الآدَابِ وَأَجَلَّ الأَخْلَاقِ في عَطَائِهِ للنَّاسِ، وَهَذَا الأَمْرُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى العَطَاءِ المَادِّيِّ، بَلْ عَلَى كُلِّ عَطَاءٍ مَادِّيَّاً كَانَ أَو مَعْنَوِيَّاً، فَالدَّاعِي إلى اللهِ تعالى يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ، وَيَصْبِرُ وَيَتَحَمَّلُ المَشَاقَّ في سَبِيلِ اللهِ تعالى، لِأَنَّ اللهَ تعالى أَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعَمَاً لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، مَعَ مَا ادَّخَرَهُ اللهُ تعالى لَهُ في الآخِرَةِ، فَهُوَ يَعْمَلُ وَيُعْطِي وَيَطْلُبُ مِنَ اللهِ تعالى المُكَافَأَةَ. وقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. يَشْمَلُ كَذَلِكَ عِبَادَةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَنْ يَمُنَّ بِعَمَلِهِ عَلَى رَبِّهِ وَيَسْتَكْثِرَهُ، كَمَا قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ فَتَسْتَكْثِرُهُ. وَلَو تَدَبَّرَ العَبْدُ آيَاتِ اللهِ تعالى في كِتَابِهِ العَظِيمِ، لَوَجَدَ هَذَا المَعْنَى جَلِيَّاً وَاضِحَاً، فَهَذَا سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ العَابِدُ الشَّاكِرُ للهِ تعالى حِينَ رَأَى عَرْشَ بِلْقِيسَ أَمَامَهُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ : ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ النمل 40،فمَا كَانَ يَسْتَكْثِرُ الشُّكْرَ حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الذي ابْتَلَاهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ بِبَلَاءٍ عَظِيمٍ، في نَفْسِهِ، وَفي زَوْجَتِهِ، وَفي وَلَدِهِ، قَالَ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ الشعراء 82، فمَا كَانَ يَسْتَكْثِرُ في صَبْرِهِ وَبَلَائِهِ حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ. فينبغي للمسلم أن ينكر ذاته، ولا يستكثر عمله، ويستقل جهده، فيعلم أن كل خير فمن الله وحده، بالتوفيق إليه ابتداء، والإعانة عليه أثناءه، والمن عليه بالقبول انتهاء، فيحمد الله على اختياره واصطفائه، ويستعين به على القيام بعبوديته، ويدعوه راجيا أن يقبل عمله ولا يضيع سعيه، فهذا باب التوفيق وصراط السعداء. قال ابن القيم:» فطوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته، فإن آخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه، وإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به، وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه، وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقره إلى ربه، وظلمه في نفسه، فإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه. فالمؤمن لا يرى ربه إلا محسنا، ولا يرى نفسه إلا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا، يرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسوؤه من ذنوبه وعدل الله فيه» ، فإنَّ هذا الدين يستحقُّ من أتْباعه – والدعاة بخاصَّة – الكثير من الجهْد والبذْل والتَّضحيات؛ لأنَّ المهمَّة ضخمة والرِّسالة عظيمة، يصغر أمامَها الجهد الكثير، ويتوارى البذْل الكبير، فهذا الدِّين لا يكفيه من الدُّعاة إليْه نوافل أوقاتِهم ولا زوائد أموالِهم؛ لأنَّه أكبر من أن يقوم بمثل هذا. وإذا كان الاستكثار داءً قاتلاً، يُصيب العمل فيُطيحه، فإنَّ المنَّ لا يقلُّ خطورةً عنه؛ لأنَّه يورث العُجْب فيقعد بصاحبه، وينسي أنَّ الفضل لله وحده، والمنَّ له سبحانه على اصطفائه من اصْطفى مِن عباده، ليكونوا ستارًا يتحقَّق من خلالِهم وعْدُ الله. إنَّ استحضار هذه المعاني يُورث الشعور بالتَّقصير في جنْب الله تعالى، فأي إنسان يتوهَّم أنه حينما أسلم وحينما اصطلح مع الله وحينما تاب إلى الله وحينما طبَّق منهج الله فله عند الله حق، كما قال الله تعالى : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الحجرات (17) ، وإذا كان المن يرتبط معظمه بالإنفاق والتصدق وفعل الخير فإن طلب الثواب من الله أفضل من طلب الاعتراف بالفضل من الذي أسدي إليه المعروف، فالثواب المطلوب من الناس لا يزيد عن كلمتين للمديح فقط، وإنما الثواب الدائم فلا يرجى إلا من الله عز وجل، يقول الله سبحانه: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهم في سَبِيلِ اللّهِ ثُم لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) البقرة 262،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ونستخلص أيضا من قوله تعالى : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ،أن عطاء العالم للدعوة من (تضحيته وجهاده ، بذله وكفاحه وإنفاقه للأوقات والأموال) كل ذلك ينبغي أن ينظر إليه المؤمن نظرة استصغار بالتقصير ،لأن الشعور بالتقصير هو طريق المؤمن نحو الأفضلية دائماً ،ولأن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بعدم استكثار عمل الخير ، لأن في ذلك مدعاة للفخر والاعتزاز و التراخي والراحة وترك العمل .. وليعلم الداعية أنه لا راحة له إلا عند أول قدم يضعها في الجنة . وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون 60: 61) ، والمعنى : يعطون العطاء ، ويفعلون الخير ،وهم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط العطاء .وفي سنن الترمذي : (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ « لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ » .فالمؤمن لا يستكثر عمله لله تعالى بل يتذلل إلى الخالق بأن يتقبل تلك الأعمال .. فالواجب على الداعية المسلم والمربي الفاضل أن يحرصوا على العمل والعطاء والبذل لهذا الدين . وكما قيل (من كانت همته ناهضة وعزيمته صادقة لا يستكثر شيئاً لله تعالى) ، وقوله تعالى : { وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، لذلك فقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله تعالى من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس -بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
الدعاء