خطبة عن (كُنْ لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
أبريل 2, 2025خطبة عن (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)
أبريل 5, 2025الخطبة الأولى ( نَعَسْتُ فِي صَلاَتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام الترمذي في سننه بسند صحيح : (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَجَوَّزَ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ قَالَ لَنَا « عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ». ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ « أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلاَتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ. قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ لاَ أَدْرِي. قَالَهَا ثَلاَثًا قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّ قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ مَا هُنَّ قُلْتُ مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ. قَالَ فِيمَ قُلْتُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلاَمِ وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا »
إخوة الإسلام
بداية فإن رؤى الأنبياء وحيٌ، فما يرونه في المنام هو صدق وحقّ ووحي، ومذهب السلف في مثل هذا الحديث من أحاديث الصفات: إمراره كما جاء ،من غير تكييف ،ولا تشبيه ،ولا تعطيل ،ولا تأويل، والإيمان به واجب، مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وفي الحديث المتقدم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمَنَامِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ” فهذه كما ذكرت من الأسماء والصفات التي نتوقف فيها، فنذكرها ونمرها كما جاءت، نثبتها لله سبحانه وتعالى؛ لأن الله لم يره نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا أحد من الصالحين أو الأولياء في الحياة الدنيا، ورؤية الله سبحانه وتعالى يمنحها الله لعباده المؤمنين في جنات النعيم، فالمؤمنون يرون الله يوم القيامة، أما في الدنيا فلم يثبت أن أحدا رأى الله في اليقظة ، ولكن هذه رؤيا منامية خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
“فَقَالَ” سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وناداه باسمه-:(يَا مُحَمَّدُ!) – (قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ!) (قَالَ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟!) ،قال العلماء: الملأ الأعلى هم أشراف الملائكة، وأعلاهم مكانا ومكانة، وأعلاهم منزلة، وأعلاهم قربًا وقربةً من الله سبحانه وتعالى، والمعنى :أَيْ: فيم يتناقش الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، والخصام عبارة عن توارد أفكار ،ومناقشة أمور معينة، فليس الاختصام والخصام الذي نعرفه في الدنيا، اختصام يورث الضغائن، وإنما هم يختصمون في الأعمال، فمثلا :هذا يقول قيام الليل أفضل، وهذا يقول المشي إلى الجماعة أفضل، وهذا يقول إسباغ الوضوء أفضل، وهكذا كان اختصامهم الذي لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم،(فَقُلْتُ: لَا!) -لا أعلم فيمَ يختصم الملأ الأعلى؛ (قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ) – وقَدْ عَرَفْتَ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: (إمراره كما جاء ،من غير تكييف ،ولا تشبيه ،ولا تعطيل ،ولا تأويل، والإيمان به واجب، مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .ثم قال: (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ)، – وهذه من الأسماء والصفات، لله يدٌ لكن لا نعلم كيفيتها، فهذه نتوقف فيها ،ولا نخوض فيها؛ لئلا نقع فيما يغضب الله سبحانه وتعالى، فنصفه بما لم يصف به نفسه، أو ننفي عنه صفة هو وصف بها نفسه، (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ)، وبهذا انكشفت الحجب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فرأى وسمع ماذا يختصم الملأ الأعلى، قال:- (فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟! قُلْتُ: نَعَمْ!)، -ففي المرة الأولى قال: (لا أعلم)، ولما أفاض الله عليه من علوم الغيب، وكشفت له الحجب، قال: نعم- (يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ)، – والكفارات هي الأعمال التي تكفر الذنوب وتمحوها من صحيفة الإنسان، وهذه نحتاجها في هذا الزمان، وأشدُّ حاجة لها نحن –المسلمين- اليوم ؛ لأنه لا تمضي لحظة من لحظاتنا، أو ساعة ،إلا ونقع في معصية صغيرة أو كبيرة، (قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ؟) – أي التي تختصم فيها الملائكة، ويختصم فيها الملأ الأعلى؟!- (قُلْتُ: الْكَفَّارَاتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ”)، -هذه واحدة من الكفارات، فأبشر يا من قلبك معلق ببيت من بيوت الله، تؤدي فريضة من فرائض الله في أي بيت من بيوت الله وهي المساجد، فأنتم عمارها، وأنتم ضيوف على الله فيها، وكان حقًّا على الكريم على المضيف ؛ أن يكرم ضيفه. فلا تقطعوا هذه العبادة، واستمروا في ضيافة ربكم، خمس مرات في اليوم والليلة؛ يناديكم ربكم بقول المؤذن: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، وقد رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ومتعددة في مشي الاقدام والخطا إلى بيوت الله المساجد ، ففي صحيح مسلم : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ».وفيه أيضا : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِىَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً ».وفيه أيضا : (عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَجُلٌ لاَ أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لاَ تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ – قَالَ – فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِى الرَّمْضَاءِ . قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ ».وفيه : (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُمْ « إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ ». قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ « يَا بَنِى سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ ».
ومن الكفارات للذنوب والمعاصي أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : (وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ)، وفي رواية: (وَانْتِظَارُ الصَلَاةِ بَعْدَ الصَلَاةِ)، -فهذا الرجل وأمثاله معلق قلبه في بيت من بيوت الله، إذا انتهى من صلاة فهو ينتظر الصلاة التالية، فيستعد لها بوضوء ليؤديها في المسجد. فقلبه معلق ومحب للمسجد، فهو يجد راحته وسعادته فيه ،وليس القصد أن يبقى في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، ولا يؤدي عملا ،ولا يكتسب رزقا ،وإنما يبقى في المسجد بقلبه، فقلبه معلق بالمسجد، يفكر في بيت الله عز وجل؛ وفي صحيح مسلم : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ».وفيه: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. « وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ ».
ومن الكفارات أيضا : (وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ) أي : في الأيام شديدة البرد يُكْمِل وضوءه، ولا يجعل الوضوء ناقصا، وإن كان الماء باردا، وإن لم يستطع تسخينه، فهو يتوضأ ويسبغ الوضوء ويأتي به بكماله. فمن اسباغ الوضوء تحسينه والاتيان به على الوجه الأكمل ، وفي مسند أحمد : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكَ الرِّبَاطُ ».،فهذه هي الكفارات : (القلب معلق بالمساجد، والمشي والخطا إلى المساجد الانتظار ،وإسباغ الوضوء)، فهذه أعمال وعبادات كلها لله سبحانه وتعالى، فإذا تعاملت مع الله وعبدت الله، كفر الله عنك، وغفر الله لك ،وآجرك وأعطاك الأجر والثواب العظيم
أيها المسلمون
وأما الدرجات، أي :(الأعمال التي تُرفع بها درجات المؤمن في الجنة ) ،قال صلى الله عليه وسلم:(وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ)، (وَلِينُ الْكَلَامِ)، (وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).،والمتدبر للحديث نجد أن الدرجاتِ أكثرَها معاملةٌ مع الناس، والكفاراتُ كلُّها معاملةٌ مع الله، فالدرجات: إفشاء السلام، ليس أن تسلم من تعرف فقط، هذا ليس إفشاءً للسلام، بل إفشاء على من عرفت ومن لم تعرف، ففي الصحيحين : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَىُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ « تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ».وفي صحيح مسلم : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ ».وفي رواية للإمام أحمد في مسنده : (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لاَ حَالِقَةُ الشَّعْرِ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ »، والله هو السلام سبحانه وتعالى، وجعل الجنة داره دار السلام، وجعلنا نكرر السلام في الفرائض عشر مرات في خمسة أوقات كل يوم وليلة، (السلام عليكم ورحمة الله)، (السلام عليكم ورحمة الله)، في كل صلاة، فريضة أو سنة، فلذلك لابد أن نفشي السلام فيما بيننا،
ومن الأعمال التي ترفع بها الدرجات في الجنة :(لين الكلام) ؛ أي حسن الخلق مع الناس، وعدم الغلظة والجفاء، فلين الكلام يورث المحبة، ويجعل بين الناس الألفة، وينشر المودة ، ونحن اليوم في أمس الحاجة إليه، فالأخلاق الحسنة من أسباب دخول الجنة: ففي سنن أبي داود وغيره : (عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ »،والأخلاق الحسنة سبب في محبة الله لعبده: فقد ذكر الله تعالى محبته لمن يتخلق بالأخلاق الحسنة، والتي منها الصبر والإحسان والعدل وغير ذلك، فقد قال الله تعالى: (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]. وقال أيضًا: (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 146]. وقال أيضًا: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين) [المائدة: 42] ، والأخلاق الحسنة من أسباب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: ففي سنن الترمذي وغيره : (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ « الْمُتَكَبِّرُونَ » ،والأخلاق الحسنة تضاعف الأجر والثواب، وهي من خير أعمال العباد، وتزيد في الأعمار وتُعَمِّر الديار
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( نَعَسْتُ فِي صَلاَتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ومن الأعمال التي ترفع بها الدرجات في الجنة : (إطعام الطعام) ، فإطعام الزوجة والأولاد، وإطعام الطعام للضيف، وإطعام الطعام للمسكين والفقير والمحتاج، كل ذلك فيه رفع لدرجات المسلم في الجنة ،فإطعام الطعام من صالح الأعمال وأكرمها عند الله ،والتي ندب إليها ديننا الحنيف ،وإطعام الطعام ورد في القرآن والسنة وله فضائل جمة: فهو من صفات الأبرار حيث يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا؛ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا؛ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا؛ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا؛ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا؛ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا؛ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا؛ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان:5-12]. ، والمسلم الذي يطعم الطعام هو من أصحاب الميمنة، قال الله تعالى : {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ؛ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ؛ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ؛ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ؛ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد:14-18]. وفى السنة أيضا أنه من أسباب دخول الجنة: فعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (رواه الترمذي). وإطعام الطعام من أسباب النجاة من النار: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتّقُوا النّارَ ولَو بشِقّ تَمرَة»(رواه البخاري ومسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا» (صحيح الجامع). وإطعام الطعام قربة من الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» (رواه مسلم). وإطعام الطعام له أجر مضاعف مدخر عند الله: ففي سنن الترمذى عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا».
ومن الأعمال التي ترفع بها الدرجات في الجنة :(الصلاة بالليل والناس نيام) ، وجاء ذِكْرُ آياتِ فَضْلِ قيامِ اللَّيلِ والحَثِّ عليه في القرآن الكريم ،فقال اللهُ تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) الإسراء: 79. وقال تعالى:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) السجدة: 16الآية، وقال تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) الذاريات: 17. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) الفرقان: 64.والنبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: « عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ » رواه الترمذي، وقيامُ اللَّيلِ أفضَلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ : ففي صحيح مسلم عن أَبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:« أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) ،وقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقومُ تارةً إذا انتصف اللَّيل، أو قَبْله بقليلٍ، أو بَعدَه بقليلٍ، وربَّما كان يقوم إذا سمِع الصارخَ، وهو الدِّيك،
أيها المسلمون
ونستكمل الحديث المتقدم : (قَالَ سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ ».، فقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه أن يعينه على فعل الخيرات كل الخيرات ،وأن يعينه ويوفقه إلى ترك الأعمال المنكرة والمحرمة، والتي يبغضها الله تعالى ،وسأل ربه أن يوفقه إلى حب المساكين ، ومجالستهم ومخالطتهم ، والانفاق عليهم ،وسأل ربه أن يغفر له تقصيره وأن يرحمه رحمة واسعة لا يشقى بعدها أبدا ، كما سأل ربه أن يتوفاه غير مفتون ولا مبعد ولا محروم، فقال صلى الله عليه وسلم :(وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ) ، ثم سأل الله أن يرزقه حبه وما يقربه إلى حبه ،فقال صلى الله عليه وسلم : (أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ) ، ثم نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته وأتباعه أن يتعلموا هذه الوصية الجامعة ، وأن يعملوا بها ، لتكفر سيئاتهم ، وترفع درجاتهم ، وينالوا محبة ربهم ، فيسعدوا ويفوزوا في الدارين فقال صلى الله عليه وسلم :« إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا »
الدعاء