خطبة عن (الإِسْرَاءُ وَالـمِعْرَاجُ دُرُوسٌ وعِبَر)
يناير 14, 2026خطبة عن (اللَّهُ كَافٍ عَبْدَهُ)
يناير 17, 2026الخطبة الأولى ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63) النور
إخوة الإسلام
لقد بيَّن لنا القرآن الكريم أنَّه ما من رسولٍ أُرسل إلاَّ لِيُطاع ويُتَّبع؛ وهذا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 64]، وكذلك الحال تِباعًا مع رسولنا الأكرم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ،فقد قال الله تعالى مُخاطِبًا المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النساء: 59]، فهذا الخطاب المُوَجَّه للمؤمنين فيه أمرٌ وحثٌّ لهم بطاعته ، فالرُّسل ما بُعِثوا إلاَّ لِيَكونوا مُطاعين، يَتْبعهم النَّاس في كلِّ ما جاء به رَسولُهم الذي أُرسِل إليهم، فيأتَمِرون بما يأمرهم به، وينتهون عمَّا نَهاهم عنه، وطاعة الأنبياء والرُّسل مُطْلقة؛ لأنَّهم مَعْصومون من الله تعالى، ولولا عِصْمتهم ما أمَرَ الله بطاعتهم طاعةً مطلقة، كما بيَّن الله تعالى أنَّ ما جاء به الرسولُ في أمور الدِّين نحن مأمورون بالأخذ به، وأنَّ ما نهانا عنه فعلينا الانتِهاء عنه؛ فقال الله تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، فأمر الرَّسول هو كأمر الله في الاتِّباع، ولا يحلُّ تقديم أيِّ قول بعد قول الله تعالى على قوله صلَّى الله عليه وسلَّم بل ورتَّب العذاب الشَّديد، والنَّكال على مَن يُخالف أمره صلَّى الله عليه وسلَّم ،فنحن نأخذ ما أُمِرنا به، ونخلع ما نُهِينا عنه.
أيها المسلمون
وفي هذه الآية الكريمة التي هي بين أيدينا اليوم ،قال الله تعالى مُحذِّرًا مَن يخالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، فالله يَنْصحهم بألاَّ يُخالفوا أمر الرسول؛ لأنه سيصيبهم شرٌّ من مُخالفته وعذابٌ أليم، إنه تحذير شديد اللهجة، مصدره ليس أحد من البشر ،ولا حتى نبي من الأنبياء ،بل هو صادر عن رب العالمين تبارك وتعالى، ومن ماذا يحذرنا؟ إنه يحذرنا من مخالفة أمر نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم -. فللنظر كيف تعاملنا مع هذا التحذير الإلهي العظيم! ، يقول ابن كثير في تفسيره : وقوله : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي :عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهو سبيله ومنهاجه وطريقته [وسنته] وشريعته ، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ،فما وافق ذلك قُبل ،وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله ،كائنا ما كان ،وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ،( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ». وفي صحيح مسلم : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا ».
أيها المسلمون
وليكن معلوما أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم على قسمين : أحدهما: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره، كمخالفة الكفار ،وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول ،فهم تحت الذلة والصغار ،ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ،وعلى اليهود الذلة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول كفر عناد .وأما من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية فله نصيب من الذلة والصغار ،وقال الحسن : (إنهم وإن طقطقت بهم البغال ،وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم ،أبى الله إلا أن يذل من عصاه) ،وكان الإمام أحمد يدعو: (اللهم أعزنا بالطاعة ،ولا تذلنا بالمعصية) .
أما (النوع الثاني من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ) : فهو من خالف أمره من أجل الشبهات: وهم أهل الأهواء والبدع ،فكلهم لهم نصيب من الذلة والصغار بحسب مخالفتهم لأوامره، قال الله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (الأعراف-152) ،وأهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله ،وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه ،وقد جعل الله من حرم ما أحله الله ،وحلل ما حرمه الله مفتريا عليه الكذب ،فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليه الكذب ،ومن نسب إليه ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل ،أو كذب بأقداره فقد افترى على الله الكذب . ولعل من المخالفين من يفتن عند موته ساعة الاحتضار ،ساعة التمحيص ،ساعة أن يتسلط عليه الشيطان ،فلا يصمد أمام هذه الفتنة ،فيموت على غير شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم – فيختم له بشر، فيخسر الخسران المبين، وقد لا يصمد إذا ما أفتتن في قبره ،وجاءه الملكان يسألانه من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ فينهار أمام هذه الفتنة فلا يجيب،
فلابد لكل عقل أن يتفقد نفسه ،وأن ينظر حوله ،ويتفحص نهجه وطريقه ،هل هو موافق لهدي المصطفى – صلى الله عليه وسلم – أم أنه في وادٍ, وهدى خير العباد في وادٍ آخر؟ الأمر جد خطير ،والنتيجة لا تظهر إلا في ساعة العسر والشدة ،فلا يغتر عاقل باستقرار الأمور ،وهدوء الأحوال ،فالعبرة بالمآل ،ومتابعة الصراط المستقيم، والمحجة البيضاء التي أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم – أنه تركنا عليها ،وأنها بيضاء واضحة ،ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
ففتش أخي عن أوامر المصطفي – صلى الله عليه وسلم – في حياتك ،وانظر كم من المخالفات قد وقعت فيها: انظر في صلاتك! وتذكر قوله – صلى الله عليه وسلم: « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) رواه البيهقي وابن حبان ،وتفكر في بصرك: وانظر ماذا نهيت أن تنظر إليه من الحرام. وتفكر في سمعك: وانظر ماذا نهيت أن تستمع إليه من الحرام. وتفكر في قولك ولسانك: فالغيبة والنميمة وقول الزور من كبائر الذنوب ،وهكذا سائر أعمالك وتعاملاتك ،في البيع والشراء ،وأخذ وعطاء ،وتعامل مع الأهل والأرحام والجيران والخدم والسائقين ،وفي كل أحوالك.. تفكر في هذه الأمور وحاسب نفسك في ظل هذه الآية ،واعمل فيها فكرك ،فما خلق الله لنا العقول إلا لنتفكر بها، ونهتدي بها إلى الحق والصواب،
أما مخالفة بعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ من غير عمد ،مع الاجتهاد على متابعته ،فهذا يقع كثيراً من أعيان الأمة ،من علمائها وصلحائها ،ولا إثم فيه ،بل صاحبه إذا اجتهد فله أجر على اجتهاده ،وخطأه موضوع عنه ، ومع هذا فلا يمنع ذلك من علم أمر الرسول، نصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين، ولا يمنع ذلك من عظمة من خالف أمره خطأ ،وهب أن هذا المخالف عظيم له قدر وجلالة ،وهو محبوب للمؤمنين إلا أن حق الرسول مقدم على حقه ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم . فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ،ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم الأمة ،فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ،ويقتدى به.
أيها المسلمون
وفي قوله تعالى :(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63) النور ،فلا شك أن من أعظم أسباب الفتن التي يموج فيها المسلمون اليوم ،وما يلاقونه هنا وهناك ،من القتل والتشريد والتنكيل ،لا شك أن من أعظم أسباب ذلك: مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حياة المسلمين. فالآية فيها تهديد صريح للذين يخالفون أمره ،أي سبيله وسنته وشريعته ليحذر أولئك. وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا أن تصيبه فتنة يزيغ بها قلبه ،ويلتبس عليه بها شأنه ،فيضل ،أو يصيبه عذاب أليم في الدنيا أو في الآخرة ، وقد ذكر الشاطبي في الاعتصام قال : حكى ابن العربي عن الزبير بن بكار ، قال : ” سمعت مالك بن أنس ، وأتاه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله: من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة ،من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد .فقال : لا تفعل ،قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر ،قال : لا تفعل; فإني أخشى عليك الفتنة ،فقال : وأي فتنة هذه ؟ ! إنما هي أميال أزيدها ،قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إني سمعت الله يقول :{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.} .
وحينما خالف الرماة أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في غزوة أحد ، فهذا الخطأ العظيم قلب وضع المعركة، فحول النصر إلى هزيمة، إذ هُزم المسلمون، وقتل منهم سبعون، ومثل ببعضهم بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ومن خلال هذا الدرس العظيم ظهر لنا :أن مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أهم أسباب الهزيمة ،وتخلف النصر عن الأمة، فبسبب مخالفة الرماة لأمره صلى الله عليه وسلم فاتهم النصر ،بعد أن انعقدت أسبابه، وأشرقت بوادره ،وفي ذلك يقول الحق سبحانه : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران:152)
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى البيهقي في سننه : (عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ :« أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » ، وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: (لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعمل به، إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ) وقال ابن بطة في الإبانة عند ذكره هذا الأثر: هذا يا إخواني الصدِّيق الأكبر يتخوف على نفسه من الزيغ إن هو خالف شيئًا من أمر نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيّهم وبأوامره ويتباهون بمخالفته ويسخرون بسنّته؟ نسأل الله عصمة من الزلل، ونجاة من سوء العمل.
هذا وقد ورد في السنن والآثار ما يدل على سوء العاقبة لِمَنْ يعترض على حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسنّته، ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم : (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشِمَالِهِ فَقَالَ « كُلْ بِيَمِينِكَ ». قَالَ لاَ أَسْتَطِيعُ قَالَ « لاَ اسْتَطَعْتَ ». مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ. قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ).وفيه أيضا : (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا ». قَالَ فَقَالَ بِلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ). وعلى ذلك كان علماء الأمة من الأئمة والإعلام جيلاً بعد جيلٍ وقرنًا بعد قرنٍ، يعظِّمون سنّته ويشرفون برواية حديثه وتبليغه. ومن ذلك أن الشافعي -رحمه الله- سُئل عن مسألة، فقال: رُوي فيها كذا وكذا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، فقال السائل: يا أبا عبد الله، تقول به؟ فارتعد الشافعي وانتفض وقال: يا هذا، أيّ أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حديثًا فلم أقلْ به؟. وقال أحمد بن حنبل: من ردَّ حديث النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهو على شفا هلكة. وحقا ما قال ربنا :(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63) النور
الدعاء
