خطبة عن (أَهْلًا رَمَضَانُ)
فبراير 12, 2026خطبة عن (مفسدات النية) مختصرة
فبراير 14, 2026الخطبة الأولى ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
في سنن الترمذي بسند صححه وصححه الألباني : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً . فَقَالَ « مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا »، وفي رواية للإمام أحمد في مسنده : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئاً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا »
إخوة الإسلام
لقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أزهدَ الناسِ في الدُّنيا؛ وذلك لِعلمِه بحَقيقتِها ،وأنَّها دارُ فَناءٍ، وليسَت دار بقاء، وإنَّما هي مَرحَلةٌ يتَزوَّدُ فيها المسلِمُ مِن الأعمالِ الصَّالحةِ والطَّاعاتِ؛ حتَّى يَعيشَ الحياةَ الباقيةَ ،في جَنَّةِ اللهِ العالية.، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاءه ومكثه في الدنيا بقوله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) ،فالراكب الذي استظل تحت شجرة لينام ،فهو لا يستعمل إلا أدنى الأشياء، ولا يعمد إلى أثاث فندقي ويضعه تحت هذه الشجرة من أجل أن يستريح عليه، وإنما يضع شيئاً مؤقتاً يسيراً لا شأن له، بل لربما نام الإنسان على قطعة من القرطاس، أو على التراب، فالنبي ﷺ يمثل حاله مع الدنيا بمثل هذا الراكب ،الذي لا يقصد بحال من الأحوال الاستقرار تحت هذه الشجرة، فيركن إليها ،ويعتمل أموراً إنما يفعلها من يدوم بقاؤه ويستمر.
وفي هذا تَشبيهُ مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ،يُصوِّرُ لنا فيه حياة المسلِمِ في الدُّنيا ، وأنها كعابرِ السَّبيلِ الَّذي يُريدُ أن يَبلُغَ آخِرتَه بأمانٍ ،وفي غيرِ تَباطُؤٍ مِنه؛ لِيتنَعَّمَ بما في الدُّنيا على ما له في الآخرةِ، وهذا إرشادٌ مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى عَدمِ الاشتِغالِ بالدُّنيا ومَلذَّاتِها، وأنَّه يَنبغي الاشتِغالُ بالآخرةِ؛ لأنَّها دارُ القرارِ، وحَثٌّ على تَرْكِ لَهْوِ الدُّنيا ومَتاعِها، وألَّا يَكونَ الانشِغالُ إلَّا بالآخِرَةِ . قال ابن الملقن في التوضيح (وكان عليه السلام ينام على الحصير حتى تؤثر في جنبه ،ويتخذ من الثياب ما يشبه تواضعه وزهده في الدنيا ؛ توفيرًا لحظه في الآخرة ، وقد خيره الله بين أن يكون نبيًّا ملكًا ، وبين أن يكون عبدًا ملكًا ، فاختار الثاني ، إيثارًا للآخرة على الدنيا ،وتزهيدًا لأمته فيها ،ليقتدوا به في أخذ البلغة من الدنيا ،إذ هي أسلم من الفتنة التي تخشى على من فتحت عليه زهرة الدنيا ،
ويشهد لهذا الحديث حديث عمر رضي الله عنه في قصة الإيلاء المشهورة ،ففي الصحيحين واللفظ لمسلم يقول عمر بن الخطاب 🙁فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهَا يَا حَفْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يُحِبُّكِ. وَلَوْلاَ أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ فَقُلْتُ لَهَا أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ. فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلاَمِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَيَنْحَدِرُ فَنَادَيْتُ يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِى عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَىَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قُلْتُ يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَىَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْتُ يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ظَنَّ أَنِّى جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِضَرْبِ عُنُقِهَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِي فَأَوْمَأَ إِلَىَّ أَنِ ارْقَهْ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ – قَالَ – فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ « مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ».قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لاَ أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لاَ أَرَى فِيهَا إِلاَّ مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ. فَقَالَ « يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ». قُلْتُ بَلَى ..)
أيها المسلمون
لقد خلق الله تعالى الدنيا، وأراد من الخَلق أن يَعْمُروها ، ولكن وَفْق المنهج الرباني الذي بيَّنه لهم على لسان رسله وأنبيائه. وجعل الله سبحانه وتعالى مدة بقاء الإنسان فيها محدودة، وأمره بفعل الخيرات التي تنفعه بعد انقضاء أجله، وأعلمه أن بعد هذه الدار الدنيا دارًا أخرى هي دار الخلود، وفيها يجد كل إنسان جزاء عمله الذي قدمه في الدار الأولى من ثواب أو عقاب. والعاقل الحازم هو الذي ينتبه إلى أن الدنيا ممرٌّ لا مَقرّ، وأنها مزرعة للآخرة، ولا تعدوا أن تكون معبرًا إليها فلا ينشغل بجمعها، ولا ينغمس في شهواتها وملذاتها فيتشتت قلبه ويغفل عن الاستعداد للرحيل منها، بل يطرحها وراءه ظهريًا ويكتفي منها بالقليل الذي يَبلُغ به الدار الآخرة.
ورسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – لم يقصِّر في التحذير من فتنة الدنيا، ومغبَّة الركون إليها، والاطمئنان لها، والتنبيه إلى كون عُمْرها في جنب الآخرة لا يعدو أن يكون ساعة من نهار!، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أزهدَ الناس في الدنيا وأكثرهم إقبالاً على ما ينفعه في الآخرة؛ فلم يطلبها قلبُه ،فضلاً عن أن ينشغل بجمعها، فقد روى الامام أحمد وغيره : (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « عَرَضَ عَلَىَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَباً فَقُلْتُ لاَ يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً – أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ – فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ ». وفي الصحيحين واللفظ لمسلم : (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يَا أَبَا ذَرٍّ ». قَالَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ أَمْسَي ثَالِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا – حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ – وَهَكَذَا – عَنْ يَمِينِهِ – وَهَكَذَا – عَنْ شِمَالِهِ ». قَالَ ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ « يَا أَبَا ذَرٍّ ». قَالَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا »مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى)
وليس المقصود من ذلك أن يحرم المسلم على نفسه ملذات الدنيا الحلال ،فلا حرج على المسلم في أن يصيب شيئًا من الدنيا؛ فإن الله سخرها للعباد، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]، وقال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } (87) (88) المائدة، ولكن يُشترط لكي يُصيب المسلم من الدنيا شرطان؛ أولهما: أن يكون طريق حصوله عليها مشروعًا يُقره الإسلام ويرتضيه، وثانيهما: أن لا تكون هذه الدنيا في قلبه، بل تكون في يده، فإذا أثرت سلبًا على دينه تركها راضيًا ابتغاء رضوان الله والدار الآخرة ، فالمؤمن لا يُشغل بالدنيا، ولكن يأخذ منها ما تيسر، فهو يعمل ويتسبَّب ويطلب الرزقَ حتى يستغني عمَّا في أيدي الناس، والمؤمن يكتسب الحلالَ، ويتصدق، ويُنفق، ويُحْسِن، ولكن لا تشغله الدنيا عن الآخرة. فالمقصود من هذا كله أنَّ الواجب العناية بالآخرة، والإعداد لها، والحذر من الشغل بالدنيا التي قد تصدّه عن الآخرة. فالمؤمن يجتهد في طلب الخير، وفي عمل الخير، والإعداد للآخرة، ولا يُشغل بالدنيا، لكن لا يتركها، بل يعمل: يتَّجر، أو يزرع، مثلما اتَّجر الصحابةُ، وغرس الأنصار وزرعوا، فهو يطلب الأسباب، لكن لا يُشغل بها عن الآخرة، فيفعل الأسباب التي تُعينه على طاعة الله، ويتصدق منها، ويُنفق منها، ويقضي حاجته منها، ولكن لا تشغله عن الآخرة.
أيها المسلمون
إن المسلم الحق هو الذي لا يعمل للدنيا ولا لملذاتها وشهواتها ، فإنها لا تساوي شيئا عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء ، كما قال صلى الله عله وسلم :” لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ “. أخرجه الترمذي وصححه الألباني ، وقد حذرت الشريعة من التعلق بالدنيا حتى يصل العبد بذلك إلى ترك الواجبات أو الوقوع في المحرمات ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:” تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ “. أخرجه البخاري، وكما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” وَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ “. أخرجه البخاري ومسلم ،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
وقد رغبت الشريعة في الإقلال من التمتع بالدنيا ، والزهد في متاعها ،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ رواه البخاري ، كما قررت الشريعة أن المال قوام الدين والحياة ، ولذا حرمت الشريعة إضاعة المال ، كما في قوله تعالى :” وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا “. النساء:5 ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم :” ” إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ المَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ “. أخرجه البخاري ،ودعت الشريعة ورغبت في أن يكون المال مع الصالحين لإنفاقه في مراضي الله تبارك وتعالى ، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :” نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ “. أخرجه أحمد ، وصححه الشيخ الألباني ،بل إن من أعلى المؤمنين في المنازل يوم القيامة: من رزقه الله علما نافعا ومالا صالحا فأنفقه في مرضاة رب العالمين كما في قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ …”. أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني ، ولا تعارض بين أن يكون المال في يد العبد الصالح ، ثم يعد من الزاهدين ، فإن الزهد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” وَ ” الزُّهْدُ ” الْمَشْرُوعُ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا كُلُّ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ تَرْكُهُ مِنْ الزُّهْدِ الْمَشْرُوعِ “. فإن استعمل العبد المال في طاعة الله ، والدعوة إلى دينه : فإنه يكون في أعلى المنازل ، وإنما الإشكال أن يتعلق القلب بالمال .وحاصل ذلك كله : أن ينظر العبد في ماله : من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ فلا يكسبه : إلا من حِلِّه . ولا ينفقه : إلا في حَقّه . ولا يشغله ذلك : عن طاعة ربه ، وصلاح أمر آخرته . فإن استعان بماله ، ونعم الله عليه ، على بلوغ الدرجات العلى ، وقدم لنفسه : فهو الغاية .
الدعاء
